رواية كامله

لمحة نيوز

عن الشخص اللي بتقول إنك بتحبه.
وإنك متستخدمش الخۏف حجة عشان تتحكم في حياته.
وفي يوم، بعد حوالي ست شهور من ولادة آدم، كنت عند ليلى، وهي بتحضر له الرضعة.
آدم كان نايم في سريره، وأنا قاعد على الأرض قدامه، بحاول أركب لعبة خشبية صغيرة.
ليلى بصت لي وضحكت.
إنت بقالك نص ساعة في اللعبة دي.
قلت التصميم معقد.
دي لعبة أطفال يا نيسو.
رفعت راسي لها.
أنا كنت بتعامل مع مئات الرجال، ومحدش فيهم كان بيعقدني بالشكل ده.
ضحكت.
وبعدين سكتت فجأة.
قربت مني، وقعدت على الكنبة.
نيسو، أنا عايزة أقول لك حاجة.
حطيت اللعبة جانبًا.
اتفضلي.
قالت أنا مش هقول لك إني نسيت اللي حصل. ولا هقول لك إني رجعت أحبك زي الأول. لكن في الفترة اللي فاتت، شفتك بتحاول بجد.
ما قاطعتهاش.
شفتك بتلتزم بمواعيدك مع آدم، وبتحترم قراراتي، وبتتعامل معايا من غير ما تحاول تفرض رأيك. وشفتك بتواجه أخطاءك بدل ما تدفنها.
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
قالت أنا مش جاهزة أرجع لجوازنا دلوقتي. لكني مستعدة نبدأ نتكلم من جديد، كأننا بنتعرف على بعض للمرة التانية.
بصيت لها، ومقدرتش أخفي دموعي.
ده أكتر مما كنت أتمنى.
رفعت إيدها وقالت بس عندي شروط.
ابتسمت.
قولي.
مفيش أسرار. لو فيه خطړ، أعرف. لو فيه مشكلة، نتكلم. لو زعلت مني، تقول لي بدل ما تقرر إنك تبعدني عنك.
هزيت راسي.
موافق.
ومفيش قرارات تخص آدم من غير ما نتفق إحنا الاتنين.
موافق.
ومش كل ما أختلف معاك، تفتكر إنك لازم تحل المشكلة بطريقتك.
ضحكت بهدوء.
دي أصعب واحدة.
بصت لي بحدة مصطنعة.
نيسو.
رفعت إيدي باستسلام.
موافق. موافق على كل حاجة.
ابتسمت، وبعدين مدت إيدها.
مسكت إيدها برفق.
المرة دي، مكنتش بحاول أمنعها من الرحيل.
كنت بس مبسوط إنها اختارت تقعد.
بعد سنة من ليلة المستشفى، رجعنا لنفس الشارع اللي كنا بنتمشى فيه زمان، قريب من بحيرة ميشيجان.
كان الجو بارد، لكن الشمس طالعة، وآدم نايم في العربية الصغيرة اللي بنمشيه بيها.
ليلى كانت ماشية جنبي، وإيديها في جيوب معطفها.
وقفت عند السور وبصت للبحيرة.
قالت فاكر أول مرة جبتني هنا؟
ابتسمت.
كنتِ مصممة تاكلي آيس كريم في عز الشتا.
ضحكت.
وأنت كنت بتقول إني مچنونة.
لأنك كنتِ فعلًا مچنونة.
بصت لي بعتاب.
لسه بتشوفني كده؟
قربت منها.
لسه بشوفك أكتر بني آدمة شجاعة عرفتها.
سكتنا شوية.
وبعدين قالت أنا فكرت كتير في موضوعنا.
قلبي بدأ يدق، لكني ما استعجلتش.
قالت أنا مش عايزة أرجع لنفس الجواز القديم. أنا عايزة لو هنكمل، نكمل بشكل مختلف. من غير أسرار، ومن غير خوف، ومن غير ما واحد فينا يفتكر إنه يقدر يقرر مستقبل التاني لوحده.
بصيت لها.
وأنا مش عايز غير كده.
مدت إيدها ومسكت إيدي.
أنا لسه بحبك يا نيسو. لكني مش هسمح للحب إنه يخليني أنسى نفسي تاني.
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
ومش عايزك تنسي نفسك. أنا عايزك تفضلي ليلى اللي عرفتها، واللي بتقول رأيها، واللي بتضحك لما أعمل حاجة غبية، واللي تقدر تقول لي لأ من غير ما تخاف من رد فعلي.
ابتسمت.
يعني نعقد اتفاق؟
ضحكت.
اتفاق إيه؟
إننا نبدأ من جديد، خطوة خطوة.
مسكت إيديها بين كفوفي.
موافق.
وفي اللحظة دي، آدم صحِي وبدأ يعيط.
ليلى ضحكت، وأنا شلته من العربية.
بص لي بعينيه الصغيرتين، وبعدين مسك صباعي.
افتكرت الليلة اللي اتصلت فيها المستشفى، واللحظة اللي عرفت فيها إن ليلى حامل، والرسالة اللي قالت فيها إن الطلاق مكانش نهاية القصة.
لو كنت رجعت بالزمن، كنت هختار أقول الحقيقة من الأول.
كنت هختار أثق في الست اللي حبيتها، بدل ما أقرر عنها إيه اللي يحميها.
لكن الزمن مكنش بيرجع.
اللي كان في إيدي هو إني أتعلم، وأتحمل نتيجة اختياراتي، وأبني مستقبل مختلف لابني.
بصيت لليلى، لقيتها بتبص لي بابتسامة هادية.
سألتني بتفكر في إيه؟
قلت بفكر إن فيه حاجات في حياتي كنت فاكر إني لو خسرتها هخسر كل حاجة. لكن لما خسرتك، اكتشفت إن أصعب حاجة مش الخسارة نفسها، أصعب حاجة إنك تكون السبب فيها.
ليلى ضغطت على إيدي.
المهم إنك اتعلمت.
بصيت لآدم، وبعدين لها.
لسه بتعلم.
وبعد فترة، قررنا نتجوز من جديد.
المرة دي، مكنش فيه حفلة ضخمة ولا مئات الرجال ولا مظاهر نفوذ.
كان فيه آية، وهنري، وعدد صغير من الناس اللي وقفوا جنبنا بصدق.
وقفنا قدام المأذون، وليلى لابسة فستان بسيط، وآدم في حضڼ آية.
قبل ما نمضي، ليلى بصت لي وقالت لو في يوم حسيت إنك عايز تبعدني عشان تحميني، افتكر اليوم ده.
مسكت إيديها.
ولو في يوم حسيت إني خاېف، هقول لك. مش هقرر عنك.
ابتسمت.
يبقى اتفقنا.
وقّعنا.
ولما خلصنا، قربت مني وحضنتني.
كان حضڼ مختلف عن كل حضڼ بينا قبل كده.
مش لأنه محا اللي حصل.
لكن لأنه كان اختيارًا جديدًا، بعد ما عرفنا الحقيقة كاملة عن نفسنا وعن أخطائنا.
بعدها، شلنا آدم وخرجنا من المكان.
كانت الشمس بتغيب، والجو بارد، وليلى بتضحك لأن آدم شد طرف طرحتها الصغيرة.
بصيت لهم، وحسيت إنّي أخيرًا فهمت معنى البيت.
البيت مش مبنى كبير، ولا حراسة على الأبواب، ولا رجال بينفذوا أوامرك.
البيت هو المكان اللي تقدر فيه تقول الحقيقة، حتى لو كانت صعبة.
المكان اللي محدش فيه مضطر يثبت إنه قوي طول الوقت.
والمكان اللي الحب فيه مش وسيلة للسيطرة، لكنه اختيار بتاخده كل يوم.
وفي الليلة دي، لما رجعنا البيت، حطينا آدم في سريره، وقعدت أنا وليلى جنب الشباك.
قالت فاكر لما قلت لي إن جوازنا كله كان كدبة بيضا؟
غمضت عيني من الۏجع القديم.
فاكر كل حرف.
بصت لي.
أنا مش هنسى الجملة دي.
هزيت راسي.
ومش عايزك تنسيها. مش عشان تفضلي موجوعة، لكن عشان أفضل فاكر إن الكلام ممكن يهدم حاجات بنيناها سنين.
مدت إيدها ومسكت إيدي.
أنا سامحتك يا نيسو. مش عشان اللي حصل كان بسيط، لكن عشان شفتك بتتحمل مسؤوليته، وبتحاول تبقى إنسان مختلف.
بصيت لها والدموع في عيني.
شكرًا.
ابتسمت.
بس لو قلت لي مرة تانية إن الجواز كدبة، هخليك تنام على الكنبة.
ضحكت من قلبي.
حاضر يا ليلى.
وبعدين قربت مني وحطت راسها على كتفي.
فضلنا قاعدين في هدوء، بنسمع صوت آدم وهو بيتنفس في أوضته.
وفي اللحظة دي، عرفت إن حياتنا مش هتبقى مثالية، وإن الماضي مش هيمسح نفسه، وإن الثقة هتفضل محتاجة رعاية وصبر.
لكن للمرة الأولى، مكنتش خاېف من بكرة.
لأن ليلى كانت جنبي باختيارها.
وآدم كان نايم في بيته، بعيد عن أسرار الكبار وصراعاتهم.
وأنا أخيرًا فهمت إن أخطر حاجة ممكن يعملها راجل مش إنه يخسر نفوذه، ولا إنه يواجه أعداءه.
أخطر حاجة إنه يجرح الإنسان الوحيد اللي ائتمنه على قلبه، وبعدها يفتكر إن عنده الحق يقرر عنه إزاي يعيش.
أنا نيسو مارشيتي، الراجل اللي كان فاكر إن العالم كله لازم ېخاف منه.
لكن الست اللي حبيتها علمتني إن القوة الحقيقية مش في إن الناس تخاف منك.
القوة الحقيقية إن اللي بتحبهم يحسوا بالأمان جنبك.
وإنك لما تغلط، متستخباش ورا خۏفك ولا ورا نفوذك.
تواجه الحقيقة، وتتحمل مسؤوليتك، وتحاول تصلح اللي تقدر عليه.
أما الباقي، فتسيبه للوقت، وللاختيار، وللحب اللي مبيفرضش نفسه على حد.
وفي آخر ليلة من السنة، وأنا شايل آدم بين دراعاتي، ليلى قربت مني، وحطت إيدها على كتفي.
بصيت لها وقلت أنا بحبك.
ابتسمت وردت وأنا بحبك يا نيسو.
المرة دي، مكنتش محتاج أقول أكتر من
كده.
لأن الحقيقة، بعد كل الكدب اللي عشنا فيه، كانت أخيرًا كفاية.

تم نسخ الرابط