رواية كامله

لمحة نيوز

دخلت عليا وأنا بخيط فستان لواحدة من الزباين، وحطت على الترابيزة علبة صغيرة.
قالت
دي ليكي.
فتحتها، ولقيت فيها مقص خياطة جديد من النوع اللي كنت بتمنى أجيبه من زمان.
بصيت لها باستغراب.
قالت وهي بتبتسم ابتسامة خجولة
أول مرتب كبير أخدته، قلت لازم أجيب لك حاجة. مش هقدر أعوضك عن كل السنين اللي جرحتك فيها، لكن يمكن أبدأ بحاجة بسيطة.
عيني دمعت.
قلت لها
أنا مش مستنية منك هدايا يا هدير. أنا كنت مستنية بس تحسي بيا.
نزلت عينيها وقالت
أنا عارفة. وحقك عليا.
حضنتها.
ولأول مرة من سنين طويلة، حضنت أختي من غير ما يكون بينا غيرة أو مقارنة أو كلام جارح.
مرت الأيام، وبدأ بيتنا يرجع فيه الهدوء.
أبويا صحته استقرت شوية، وأمي بقت مطمنة إننا كلنا حوالين بعض.
يوسف وسع شغله في الورشة، وأنا بدأت أستقبل طلبات خياطة أكتر، وبقينا نقدر نوفر فلوس على جنب من غير ما نستلف من حد.
وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة بعد المغرب، يوسف جه قعد جنبي، وحط قدامي كوب شاي.
سألته
فاكر أول يوم جيت فيه بيتنا؟
ضحك وقال
أنساه إزاي؟ أختك كانت هتخليني أهرب من الشارع كله.
ضحكت من قلبي.
وبعدين سألته
إنت عمرك ما زعلت إني وافقت عليك بعد ما عرفت ظروفك؟
بص لي باستغراب.
أزعل ليه؟
قلت
أصل ساعات بفكر إنك كنت تستحق واحدة أحسن مني.
يوسف مسك إيدي وقال
نبيلة، أنا مش محتاج واحدة أحسن منك. أنا محتاج الست اللي لما شافتني واقع ما زادتش وقوعي، ولما شافتني واقف ما طلبتش مني أثبت لها إني أحسن من غيري. أنا محتاج الست اللي اختارتني وأنا مش معايا حاجة أتباهى بيها.
سكت لحظة، وبعدها كمل
وإنتِ كمان لازم تعرفي إنك ما اتجوزتيش بيا عشان محدش قبلي طلبك. إنتِ اتجوزتي بيا لأنك شوفتي فيا حاجة تستاهل فرصة. وده قرارك، مش فضل منك عليا.
الكلام ده خلاني أبتسم وأنا حاسة إن كل الۏجع اللي فات بدأ يهدأ.
بعد فترة، قرر يوسف يفتح قسم صغير في الورشة لتعليم الشباب اللي ظروفهم صعبة صنعة النجارة، وبدأ ياخد اتنين من الشباب اللي كانوا قاعدين في الشوارع من غير شغل، يعلمهم بإيده ويديهم أجر على قد شغلهم.
كنت أجهز لهم أحيانًا أكل بسيط، وأقول لهم إنهم يقدروا يبدأوا من جديد مهما كانت ظروفهم.
وفي مرة، واحد منهم قال ليوسف
يا أستاذ يوسف، إنت ليه بتساعدنا بالشكل ده؟
يوسف رد
عشان أنا عارف إحساس إن الناس تبص لك وكأنك انتهيت. ساعات الإنسان مش بيحتاج حد يديله فلوس قد ما بيحتاج حد يصدق إنه لسه يقدر يقوم.
كنت واقفة بعيد، وسمعت كلامه، وحسيت إني رجعت بالزمن لأول يوم شفته فيه تحت بيتنا.
الراجل اللي كل الناس حكمت عليه من هدومه، بقى سبب في إن ناس كتير تبدأ حياتها من جديد.
وفي يوم عيد ميلاد أمي، قررنا نعمل لها احتفال بسيط في بيتنا.
هدير جابت تورتة من مرتبها، وأنا جهزت الأكل، ويوسف رتب الصالة، وأبويا قعد على كرسيه جنب الشباك، ووشه منور بالفرحة.
بعد ما أمي طفت الشموع، هدير قامت ووقفت قدامنا.
كانت متوترة، لكن صوتها كان واضح.
قالت
أنا عايزة أقول حاجة. زمان كنت فاكرة إن اللي يلبس أحسن يبقى أحسن، وإن اللي معاه فلوس يبقى ناجح، وإن أختي نبيلة أقل مني عشان محدش كان بيتقدم لها. كنت بجرحها كل يوم، وكنت فاكرة إني كده قوية.
بصت لي، ودموعها لمعت.
لكن الحقيقة إن نبيلة كانت أقوى مني بكتير. هي اللي شالت البيت، وهي اللي فضلت جنب بابا وماما، وهي اللي قدرت تشوف يوسف كإنسان قبل ما تعرف أي حاجة عنه. وأنا كنت محتاجة أقع عشان أفهم إن المظاهر مش كل حاجة.
أبويا مسح دمعة من عينه، وأمي حضنت هدير، وأنا قمت وحضنتها.
يوسف كان واقف جنبنا، مبتسم في هدوء.
وفي اللحظة دي، حسيت إننا أخيرًا بقينا عيلة بجد، مش مجرد ناس عايشة تحت سقف واحد.
لكن أجمل حاجة حصلت لي ما كانتش في يوم كتب الكتاب، ولا يوم اكتشفت إن يوسف استرد فلوسه، ولا حتى يوم هدير اعتذرت.
أجمل حاجة كانت بعد سنتين من جوازنا، لما رجعت من الدكتور وأنا ماسكة ورقة التحليل، وقلبي بيدق من الفرحة والخۏف.
يوسف كان مستنيني في البيت، ولما شافني، قام من مكانه وسألني
مالك يا
نبيلة؟ وشك متغير ليه؟
ما قدرتش أتكلم
في الأول.
مديت له الورقة.
قرأها مرة، وبعدها رفع عينه ليا، وكأنه مش مصدق.
إنتِ حامل؟
هزيت راسي وأنا بعيط.
يوسف حط إيده على وشه، وقعد على الكنبة، وفضل يبكي من غير ما يحاول يخبي دموعه.
قعدت جنبه، فقال بصوت متقطع
كنت فاكر إن البيت اللي هعيشه معاكي هيبقى كفاية، لكن ربنا كرمني بأكتر مما كنت أتمنى.
حضنته، وفضلنا نبكي ونضحك في نفس الوقت.
ولما عرف أبويا وأمي، فرحتهم كانت كبيرة لدرجة إن أمي فضلت تدعي لنا طول الليل.
أما هدير، فجت عندي في اليوم التالي، وجابت لي فستان صغير للمولود، وقالت
أنا مش عارفة هيكون ولد ولا بنت، بس أول حاجة هشتريها من مرتبي هتكون للبيبي.
ضحكت وقلت لها
لسه بدري يا هدير.
قالت
مش مهم، أنا عايزة أفرح معاكِ من دلوقتي.
ومع مرور الشهور، حملت طفلنا الأول، وكان يوسف كل يوم يرجع من الشغل ومعاه حاجة صغيرة للبيبي، مرة لعبة خشب عملها بإيده، ومرة سرير صغير، ومرة صندوق يحط فيه هدومه.
كان بيجهز كل حاجة بنفسه، وكأنه بيحاول يعوض سنين الحرمان اللي عاشها بعد ۏفاة ابنه الأول.
ولما جه يوم الولادة، كان واقف قدام أوضة العمليات، إيده بتترعش، وعم رجب قاعد جنبه يحاول يطمنه.
وبعد ساعات، خرجت الممرضة وهي شايلة بنتنا الصغيرة.
يوسف أخدها بين إيديه بحذر شديد، وبص لوشها الصغير، وبعدها قال
هنسميها رحمة.
سألته وأنا تعبانة
ليه رحمة؟
بص لي وابتسم.
عشان ربنا بعتك ليا رحمة، وبعت لنا بنتنا رحمة تانية.
ساعتها عرفت إن كل السنين اللي كنت فاكرة إنها ضاعت من عمري، ما ضاعتش.
يمكن اتأخرت في الجواز، ويمكن اتوجعت من كلام الناس، ويمكن عشت سنين وأنا شايلة هم الكل وناس كتير ما شافتش تعبي، لكن ربنا عوضني بإنسان عرف قيمتي من غير ما أحتاج أثبتها له.
وبعد ما رجعنا البيت، كنت قاعدة على السرير شايلة رحمة، ويوسف قاعد جنبي، وأمي بتدعي لنا، وأبويا بيبتسم من كرسيه، وهدير بتحاول تهدي البنت الصغيرة وهي بتضحك.
بصيت للمشهد كله، وحسيت إن قلبي أخيرًا ارتاح.
افتكرت أول مرة يوسف وقف قدام بابنا، بهدومه القديمة، وطلب إيدي.
افتكرت ضحك هدير، وكلامها اللي كان بيوجعني، وافتكرت نفسي وأنا قاعدة في أوضتي بعيط، وخاېفة أكون وصلت لآخر فرصي في الحياة.
لكن الحقيقة إن حياتي ما كانتش بتخلص.
كانت لسه بتبدأ.
وفي مساء هادي، بعد ما رحمة نامت، كنت واقفة في البلكونة، ويوسف جه وقف جنبي.
قال لي
بتفكري في إيه؟
قلت له
بفكر في إن لو كنت حكمت عليك من هدومك يوم ما جيت، كنت ممكن أضيع أجمل حاجة حصلت لي.
يوسف ابتسم وقال
ولو أنا حكمت عليكي من كلام الناس، كنت خسړت الست اللي غيرت حياتي.
مسكت إيده، وفضلنا واقفين نبص للشارع.
وتحت بيتنا القديم، كان في راجل كبير قاعد على الرصيف، قدامه كوباية صغيرة، والناس بتعدي من جنبه من غير ما تبص له.
نزلت جبت له أكل ومية، ولما قدمتهم له، رفع عينه وقال
ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.
ابتسمت، وقلت له
ربنا يرزقك من واسع فضله.
ولما طلعت، لقيت يوسف مستنيني عند الباب.
ما احتجناش نتكلم.
كان عارف إني افتكرت اليوم اللي اتقابلنا فيه، وعارف إني مهما اتغيرت حياتي، مش هنسى إن الرحمة اللي قدمتها لواحد غريب رجعت لي في صورة بيت دافي، وجوز محترم، وبنت صغيرة بقت نور حياتنا.
أما هدير، فبقت مع الوقت إنسانة مختلفة.
ما بقتش تقارن نفسها بيا، ولا تسخر من حد بسبب لبسه أو ظروفه. ولما بقى يتقدم لها عريس، كانت بتسأل عن أخلاقه وطريقة تعامله مع الناس قبل ما تسأل عن شغله أو شقته.
وفي يوم، جه لها عريس اسمه محمود، كان موظف بسيط، وعنده شقة صغيرة في بيت عيلته، لكنه كان معروف بأخلاقه واجتهاده.
هدير قعدت معاه، وبعد ما مشي، أمي سألتها
إيه رأيك يا بنتي؟
هدير ابتسمت وقالت
هفكر، بس المرة دي مش هسأل هو معاه إيه بس. هسأل نفسي كمان إذا كنت هعرف أعيش معاه باحترام وراحة.
وبعد فترة، وافقت عليه.
يوم فرحها، كانت لابسة فستان بسيط وجميل، ووشها مليان فرحة حقيقية، مش الفرحة اللي كانت بتظهرها زمان قدام المراية.
وقبل ما تمشي مع جوزها، جت حضنتني وقالت
أنا كنت فاكرة إني يوم كتب كتابك خسړت لما اكتشفت إن يوسف عنده فلوس. لكن الحقيقة إني خسړت لما ضحكت عليكي وعلى راجل محترم. وإنتِ كسبتي من أول يوم، لأنك اخترتي بقلبك وعقلك، مش بعين الناس.
حضنتها وقلت لها
المهم إننا اتعلمنا، وإنك تكوني سعيدة.
وبعد ما مشيت، رجعت وقفت جنب يوسف، وبنتنا رحمة بين إيدينا، وأمي وأبويا قاعدين في الصالة بيتكلموا عن فرحة هدير.
يوسف بص لي وقال
فاكرة لما كنتِ بتقولي إنك خاېفة العمر يفوتك؟
ضحكت وقلت له
أيوه.
قال
أنا عايزك تعرفي إن مفيش عمر بيفوت على الإنسان طول ما قلبه لسه قادر يحب، وطول ما هو مش بيقيس نفسه بعيون الناس.
بصيت له، وبعدها بصيت لبنتنا، وحمدت ربنا في سري.
لأن الشاب اللي دخل بيتنا يومها بهدوم مقطعة، واللي ضحكت عليه هدير قدام الكل، ما كانش مجرد عريس اتأخر في الوصول.
كان إنسان اتكسرت حياته، لكنه ما فقدش أصله.
وأنا، اللي الناس حكمت عليها إنها هتفضل طول عمرها لوحدها، اكتشفت إن قيمتي ما كانتش يومًا مرتبطة بعدد العرسان اللي اتقدموا لي، ولا بسنين عمري، ولا بكلام الناس.
قيمتي كانت موجودة من البداية.
بس كنت محتاجة حد يشوفها.
وفي آخر ليلة من السنة، كنا قاعدين كلنا في بيتنا، أمي وأبويا وهدير وجوزها، ويوسف جنبي ورحمتنا الصغيرة نايمة في حضڼي.
أبويا بص لنا كلنا وقال بصوت هادي
الحمد لله اللي جمع قلوبنا بعد ما كنا كل واحد في ناحية.
أمي ردت وهي بتبتسم
الحمد لله اللي بيكشف لنا معادن الناس وقت الشدة.
أما أنا، فبصيت ليوسف، وهو ابتسم لي نفس الابتسامة الهادية اللي شفتها أول مرة عند باب بيتنا.
وساعتها فهمت إن أجمل حاجة في الحكاية كلها ما كانتش إنه طلع صاحب مال، ولا إنه امتلك شقة وورشة، ولا إن هدير وقعت من الصدمة يوم كتب الكتاب.
أجمل حاجة كانت إن الراجل اللي الناس كلها شافته ضعيف، فضل محتفظ بكرامته، وإن الست اللي الناس كلها شافتها قليلة الحظ، فضلت محتفظة بقلبها الطيب.
وفي النهاية، كل واحد فينا أخد نصيبه من الحياة، لكننا اتعلمنا إن النصيب مش دايمًا بييجي في الصورة اللي بنتخيلها، وإن المظاهر ممكن تخدع، وإن الإنسان اللي يستاهل مكانه في قلبك هو اللي يحترمك وإنتِ في أضعف حالاتك، قبل ما يشوفك وإنتِ في أحسنها.
ومن يومها، كل ما أفتكر أول مرة يوسف وقف قدام باب بيتنا وقال إنه طالب إيدي بالحلال، أبتسم وأقول لنفسي
الحمد لله إني ما سمعتش ضحك الناس، وما خليتش كلام أختي يحدد مصيري، وما حكمتش على إنسان من هدومه.
لأن اليوم اللي افتكرته أصعب يوم في حياتي، كان هو نفس اليوم اللي ربنا كتب لي فيه بداية عمري الحقيقي.

تم نسخ الرابط