رواية كامله
كل ما كان بيتقدم عريس في بيتنا كان بيسأل على أختي هدير، مع إن أنا الأكبر منها بسنين طويلة، وكل مرة كنت بشوف نفس النظرة في عيون الناس، نظرة شفقة ممزوجة بسخرية، كأني بقيت عبء على أمي وأبويا، وكأن الست اللي قربت تتم الأربعين مالهاش حق تحلم ببيت وجوز وعيال زي باقي الناس.
أنا نبيلة، عندي تسعة وتلاتين سنة، وعمري ما كنت شايفة نفسي وحشة، ولا كنت قليلة الأصل، ولا كنت مقصرة في حق حد. كل اللي حصل إني قضيت شبابي كله في خدمة أبويا بعد ما اټصاب بالشلل النصفي، وفي الشغل عشان أصرف على البيت، وفي رعاية أمي اللي صحتها بدأت تضعف من كتر الهم.
أبويا كان راجل ميسور الحال في يوم من الأيام، لكن غلطته القديمة غيرت حياتنا كلنا. اتجوز على أمي واحدة اسمها سحر، وكانت أصغر منها بسنين، وفي الأول كان فاكر إنه أخيرًا لقى الست اللي هتخليه يعيش حياته زي ما كان بيتمنى. لكن أول ما اټصاب بالشلل النصفي وبقى محتاج حد يساعده في أبسط تفاصيل يومه، سحر سابته ومشيت، وبعد فترة عرفنا إنها اتجوزت راجل تاني، وكأن العشرة اللي بينهم ما كانتش موجودة من الأساس.
أبويا رجع لأمي مكسور، وفضل يبكي قدامها ويطلب منها تسامحه.
وأمي، رغم كل اللي عمله فيها، فتحت له بابها وقلبها، وقالت له إنها مش هتسيبه في مرضه، وإنها هتفضل جنبه لآخر يوم في عمرها.
ومن يومها وأنا وأمي بقينا عايشين لأجل أبويا.
لكن سحر قبل ما تمشي سابت لنا بنتها هدير، أختي من أبويا، وقالت إنها بنت صغيرة ومش هتقدر تاخدها معاها. وأمي وافقت إنها تفضل في بيت أبويا، رغم إن هدير من أول يوم كانت بتعامل أمي على إنها خدامة عندها، مش ست فتحت لها بيتها وربتها.
هدير كبرت، وكبر معاها الغرور.
كانت بتشتري أغلى أنواع الكريمات والبرفانات، وكل ما تشوف فستان جديد في محل تقعد تتحايل على أبويا يجيبهولها، ولما كان يقول لها إنه مش معاه فلوس، كانت تتنهد وتقول إنها اتولدت في بيت منحوس.
أما أنا، فكنت بصحى كل يوم قبل الفجر، أجهز لأبويا علاجه وفطاره، وأساعده يقعد على السرير، وبعدها أروح مشغل الخياطة اللي في آخر الشارع، وأقضي يومي كله قدام ماكينة الخياطة، أرجع آخر النهار أجيب طلبات البيت وأطبخ وأغسل وأقعد جنب أبويا لحد ما ينام.
ومع كل ده، عمري ما اشتكيت.
كنت بقول لنفسي إن ربنا شايف، وإن اللي بيعمل خير مش لازم ياخد مقابله من الناس.
لكن اللي كنت مش قادرة أستحمله هو كلام هدير.
كل ما واحدة من الجيران تدخل تزورنا، كانت تبص لي وتقول
يا نبيلة، إنتِ لسه ما اتجوزتيش؟ ده إنتِ كبرتي يا بنتي، الحقّي نفسك!
وهدير تكون قاعدة جنبها، فتدخل في الكلام وهي بتضحك
أصل أختي بتدور على عريس بمواصفات معينة يا جماعة، لازم يكون عنده شقة وعربية وفلوس، ومش مهم بقى يكون موجود أصلًا!
والستات يضحكوا، وأنا أقوم من مكاني وأدخل المطبخ، أعمل نفسي مش سامعة.
لكن الحقيقة إن كل كلمة كانت بتوجعني.
مش عشان نفسي أتجوز وخلاص، لكن عشان كنت محتاجة حد يحس بيا، حد يسألني تعبانة ولا لأ، حد أقعد جنبه آخر اليوم وأحكيله عن اللي شفته، حد لما أرجع من الشغل يلاحظ إن إيدي اټجرحت من الإبرة، بدل ما كل اللي في البيت يسألوني العشا إمتى.
وفي يوم، اتقدم شاب اسمه كريم لهدير.
كان شغال محاسب في شركة كبيرة، وسمعته كويسة، وأهله ناس محترمين. جه هو وأمه وأخته، وقعدوا في الصالة، وأنا اللي عملت لهم الشاي وقدمت لهم الحلو، لأن أمي كانت تعبانة في أوضتها.
كريم كان شاب هادي، وكل ما أمي تسأله سؤال يرد بأدب، لكن عينه كانت على هدير طول الوقت.
وبعد ما مشي، هدير دخلت أوضتها، وفضلت تجرب فستانين وتلاتة قدام المراية، وبعدها خرجت للصالة وقالت بكل غرور
أنا مش مرتاحة له.
أبويا بص لها باستغراب وقال
ليه يا بنتي؟ ده شاب محترم، وأهله ناس طيبين.
ردت وهي بتعدل شعرها
مش حاسة إنه مناسب لمستوايا.
أمي قالت بهدوء
مستواكي إيه يا هدير؟ الراجل ما شاء الله عليه بيشتغل وبيسعى، ودي أهم حاجة.
هدير بصت لأمي بضيق وقالت
أنا مش هتجوز واحد عشان إنتوا شايفينه كويس. أنا لسه صغيرة، ولسه قدامي فرص كتير.
وبعدين لفت ناحيتي، وابتسمت ابتسامة سخيفة.
مش زي ناس تانية لازم تلحق أي حد قبل ما يفوتها القطر.
حسيت بقلبي بيتقبض، لكني سكت.
وبعدها بأسبوع، اتقدم واحد تاني، وبعده واحد تالت، وكلهم كانوا بيسألوا على هدير.
واحد منهم كان أرمل وعنده بنت صغيرة، وهدير رفضته قبل ما يقعد حتى، لمجرد إنه أكبر منها بخمس سنين.
والتاني كان شغال مدرس، رفضته عشان شقته مش في منطقة راقية.
والتالت كان شاب عنده محل أدوات كهربائية، رفضته عشان عربيته قديمة.
وكل مرة كانت ترفض، كانت ترجع تتريق عليا.
لحد ما جه اليوم اللي حياتي كلها اتغيرت فيه.
كان يوم خميس، وأنا راجعة من المشغل شايلة كيس فيه شوية خضار وعلبة دوا لأبويا. لقيت الراجل اللي بيقعد تحت بيتنا على الرصيف، قدامه كوباية صغيرة، وهدومه قديمة ومتقطعة، ووشه عليه آثار التعب.
كان اسمه يوسف.
بقاله شهور بيقعد في نفس المكان، وكل يوم تقريبًا كنت بعدي عليه وأنا راجعة من الشغل. ساعات كنت أديه فلوس، وساعات أجيب له سندوتشات أو زجاجة مية، خصوصًا في أيام الحر.
كان دايمًا يشكرني بأدب، وما كانش بيطلب مني أكتر من اللي أقدر عليه.
في اليوم ده، لقيته قاعد ساكت، وباصص للأرض، فحطيت في إيده شوية فلوس وقلت له
خد يا عم يوسف، ربنا يرزقك.
رفع عينه ليا وقال بصوت هادي
ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي، زي ما بتجبري بخاطر ناس كتير.
ابتسمت له وطلعت البيت.
ما كنتش أعرف إن الراجل ده كان شايل في قلبه حكاية أكبر بكتير من اللي أنا متخيلاه.
بعد المغرب، كنت قاعدة في الصالة بصلح قميص قديم لأبويا، وأمي بتحضر له العشا، وهدير في أوضتها بتتكلم في التليفون وتضحك بصوت عالي.
وفجأة، خبط الباب.
قمت أفتح، ولقيت يوسف واقف قدامي.
لكن المرة دي كان واقف بطريقة مختلفة، ضهره مفرود، وعينه ثابتة، ووشه رغم التعب اللي عليه كان فيه هدوء غريب.
قال لي
ممكن أكلم الحاجة أمك يا ست نبيلة؟
استغربت، لكني وسعت له الطريق.
دخل الصالة، وأمي خرجت من المطبخ وهي بتنشف إيديها في فوطة صغيرة.
خير يا ابني؟ محتاج حاجة؟
يوسف نزل عينه للحظة، وبعدها رفعها وقال
أنا جاي أطلب إيد بنتك نبيلة للجواز، على سنة الله ورسوله.
الكلام وقع علينا زي الصاعقة.
أنا فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتكلم، وأمي بصت له وبعدين بصت لي، وكأنها بتحاول تفهم إذا كانت سمعت صح ولا لأ.
وفي اللحظة دي، باب أوضة هدير اتفتح.
خرجت وهي ماسكة موبايلها، ولما سمعت آخر جملة، وقفت ثانيتين، وبعدها اڼفجرت في الضحك.
ضحكها كان عالي لدرجة إن أبويا نده من أوضته يسأل في إيه.
هدير حطت إيدها على بطنها من كتر الضحك وقالت
يا نهار أبيض! إنت بتقول إيه يا عم إنت؟ إنت جاي تطلب إيد نبيلة؟!
يوسف فضل ساكت.
وهي كملت
يعني كل العرسان اللي كانوا بييجوا البيت يطلبوني، وأرفضهم عشان
مش
عاجبني شكلهم ولا ظروفهم، وفي الآخر أختي تتجوز شحات الحارة؟! يا لهوي، أنا مش قادرة!
أمي قالت پغضب
عيب يا هدير! الراجل داخل بيتنا باحترام.
لكن هدير ما سكتتش.
قربت من يوسف وقالت
طب قولي يا عم يوسف، هتعيش أختي فين؟ على الرصيف جنبك؟ ولا هتفرشوا كرتونة تحت العمارة؟
حسيت إن الډم طلع لوشي، وكنت على وشك أطلب منه يمشي، مش عشان كلامها، لكن عشان ما يتحطش في الموقف المهين ده.
لكن يوسف بص لي وقال بهدوء
أنا مش هضغط على حد، ولا هزعل لو بنتك رفضت يا حاجة. أنا بس جيت من الباب، وطلبت الحلال، والباقي بإيد ربنا.
وبعدين قام ومشي.
هدير فضلت تضحك حتى بعد ما الباب اتقفل.
وأنا دخلت أوضتي وقفلت الباب، وقعدت على السرير وعيطت من غير صوت.
كنت حاسة إن الدنيا كلها بتسخر مني.
حتى أمي لما دخلت لي، لقيتني بمسح دموعي بطرف الطرحة.
قعدت جنبي، ومسكت إيدي وقالت
يا بنتي، أنا مش هقول لك وافقي ولا ارفضي. إنتِ صاحبة القرار. بس عايزاكي تفكري في حاجة واحدة، الراجل اللي يطلبك من الباب، مهما كانت ظروفه، يستحق إنك تسمعيه قبل ما تحكمي عليه.
قلت لها وأنا مخڼوقة
يا أمي، هو أنا وصلت لكده؟ هو مفيش راجل في الدنيا غيره؟
أمي دمعت عينيها وقالت
إنتِ ما وصلتيش لحاجة وحشة يا نبيلة. إنتِ بنت شريفة ومحترمة، واللي ما شافش قيمتك هو الخسران. بس أنا نفسي أشوفك سعيدة، نفسي أطمن عليكي قبل ما العمر يجري بيا.
الكلام ده وجعني أكتر.
لأن أمي كانت عارفة إني مش عايزة أتجوز لمجرد الهروب من البيت، لكني كنت محتاجة أعيش لنفسي ولو مرة واحدة.
قعدت الليلة دي أفكر.
افتكرت كل مرة رجعت فيها من الشغل وأنا تعبانة، وكل مرة هدير سخرت مني، وكل مرة حد قال لي إن سني كبر.
وافتكرت يوسف، وطريقته الهادية، واحترامه وهو بيتكلم.
وفي الآخر قلت لنفسي إن أنا مش هتجوزه عشان أغيظ هدير، ولا عشان أثبت للناس حاجة.
أنا هقعد معاه، وأسمع حكايته، وأفهم هو مين، ولو لقيت فيه راجل ېخاف ربنا، مش هرفضه لمجرد إن هدومه قديمة أو الناس بتسميه شحات.
تاني يوم، طلبت من أمي إنها تبعت له مع واحدة من الجيران وتقول له إني موافقة أقعد معاه قعدة شرعية، بحضورها وأبويا.
يوسف جه بعد العصر.
المرة دي كان لابس قميص بسيط نضيف وبنطلون قديم، وشعره مترتب، ووشه مغسول، لكنه فضل بنفس هدوئه.
قعد قدام أبويا، وأمي جنبه، وأنا قاعدة على الكنبة المقابلة، وإيدي بتترعش من التوتر.
أبويا بص له وقال
يا ابني، أنا مش هسألك عن شكلك ولا لبسك. أنا هسألك عن حاجة واحدة. إنت تقدر تفتح بيت؟
يوسف سكت لحظة، وبعدها قال
يا عمي، أنا مش هضحك عليك. أنا دلوقتي ظروفي صعبة، ومعنديش بيت أقدر أقول لك إنه جاهز، لكن عندي شغل بعمله، وعندي قدرة إني أتحمل مسؤوليتي. وأنا مش جاي أطلب بنتك عشان تخدمني أو تصرف عليا. أنا جاي عشان عايز أعيش معاها بالحلال، وأديها حقها في الاحترام والأمان.
أبويا ضيق عينيه وسأله
وشغلك إيه يا يوسف؟
يوسف نزل عينه وقال
هحكي لحضرتك كل حاجة، بس اديني فرصة أوضح ظروفي.
وبدأ يحكي.
قال إنه كان متجوز من سنين، وإن مراته توفت بعد مرض طويل، وإنه كان عنده ولد صغير ماټ وهو لسه في المدرسة. بعد وفاتهم، دخل في اكتئاب شديد، وفضل فترة طويلة مش قادر يشتغل، وخسر شقته بعد ما تراكمت عليه الديون، وبقى ينام عند معارفه لحد ما انتهى بيه الحال إنه يقعد في الشارع.
لكنه قال إنه ما كانش طول عمره شحات، وإنه كان عنده صنعة بيشتغل بيها.
كان نجار موبيليا، واشتغل سنين في ورش كبيرة، لكنه بعد اللي حصل له فقد الرغبة في كل حاجة.
قال وهو بيحاول يخفي وجعه
أنا عارف إن منظري مش أحسن حاجة، وعارف إن الناس لما بتشوفني بتفتكر إني ماليش لازمة. بس أنا مش عايز أفضل كده. أنا بدأت أرجع أقف على رجلي، وبشتغل يومين أو تلاتة في الأسبوع في ورشة قريبة، وبحاول أجمع فلوس عشان أستأجر أوضة أعيش فيها.
أبويا فضل باصص له، وبعدها سأله
طب وليه نبيلة بالذات؟
يوسف بص ناحيتي للحظة، وبعدين رجع بص لأبويا.
عشان من يوم ما قعدت تحت بيتكم، ما شفتش منها غير الخير. عمرها ما بصت لي باحتقار، ولا كلمتني بطريقة تجرحني. كانت بتديني اللي تقدر عليه من غير ما تحسسني إني أقل منها. وفي يوم كنت تعبان جدًا، جابت لي أكل وقعدت تسألني إذا كنت محتاج دكتور. أنا وقتها حسيت إن لسه في الدنيا ناس عندها رحمة. ومع الوقت، عرفت إنها ست شقيانة، وإنها شايلة مسؤولية بيت كامل، وإنها عمرها ما فكرت في نفسها. وأنا نفسي يكون لي بيت فيه ست طيبة، وأنا كمان أكون لها سند.
الكلام لمس حاجة جوايا.
لأول مرة، حد يتكلم عني من غير ما يذكر سني، ولا شكلي، ولا يقارني بهدير.
حد شاف تعبي.
حد لاحظ إني إنسانة.
لكن أمي سألت السؤال اللي كان شاغل بالها
يا ابني، وإنت هتصرف على بنتي إزاي؟ إحنا مش هنقدر نديك فلوس، ولا نجهز لك بيت.
يوسف رد بسرعة
أنا مش طالب منكم حاجة. ولو وافقت نبيلة، أنا مستعد أكتب كل حاجة بوضوح، وأتحمل مسؤوليتي. وأنا مش عايزها تسيب أبوها وأمها، ولا تبعد عنهم. بالعكس، أنا عارف إنهم محتاجينها، ومش هكون سبب في إنهم يخسروها.
أبويا فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال له
أنا مش هقدر أحكم عليك من قعدة واحدة، لكن هديك فرصة تثبت إن كلامك حقيقي.
يوسف هز راسه باحترام، وقام ومشي.
بعد ما خرج، هدير دخلت الصالة وهي بتضحك.
يا سلام! يعني بقى عندنا عريس رسمي للشحات! طب يا نبيلة، هتعملي له فرح فين؟ على الرصيف؟
المرة