رواية كامله
المحتويات
زي ما كنتِ طول عمرك سند لناس كتير.
ما قدرتش أمنع دموعي.
أمي حضنتني وهي پتبكي، وأبويا رفع إيده المرتعشة وربت على كتفي وقال
ربنا يرضى عنك يا بنتي، ويعوضك خير.
أما هدير، فكانت قاعدة في آخر الصالة، ساكتة تمامًا.
ما حاولتش تضحك، ولا علقت على لبسه، ولا حتى بصت في عيني.
وبعد ما الضيوف مشيوا، دخلت أوضتي عشان أغير هدومي، فلقيتها واقفة عند الباب.
قالت بصوت مكسور
نبيلة، ممكن أتكلم معاكي؟
بصيت لها، وسكت.
دخلت وقعدت على الكرسي، وفضلت تبص في الأرض فترة طويلة.
وبعدين قالت
أنا عارفة إني غلطت. بس أنا مش قادرة أصدق اللي حصل.
قلت لها بهدوء
إنتِ مش مصدقة إنه عنده فلوس؟
هزت راسها، ودموعها نزلت.
مش الفلوس بس. أنا مش مصدقة إنه كان يقدر ييجي لنا بصورة تانية، ومع ذلك جه بالشكل ده. ومش مصدقة إنك وافقتي عليه وهو في حالته دي.
قلت لها
عشان أنا ما كنتش بدور على راجل يشتري لي حاجات. أنا كنت بدور على راجل يشوفني.
هدير رفعت عينيها ليا، وما عرفتش ترد.
كملت وأنا بحاول أتكلم من غير ما أجرحها
عارفة يا هدير، أكتر حاجة وجعتني في السنين اللي فاتت مش إن محدش اتقدم لي. اللي وجعني إنك كنتِ كل مرة تخليني أحس إني أقل منك. كنتِ بتخليني أكره نفسي، مع إني كنت بعمل كل اللي أقدر عليه عشان البيت ده يفضل واقف.
هدير بدأت ټعيط أكتر.
أنا كنت فاكرة إن الجمال واللبس والفلوس هم اللي بيخلوا الناس تحبنا.
قلت لها
والنهارده عرفتي إن المظاهر ممكن تخدعنا. لكن أنا مش عايزاكي ټندمي عشان يوسف طلع معاه فلوس. أنا عايزاكي ټندمي عشان ضحكتي على إنسان كان محتاج حد يعامله باحترام.
سكتت فترة طويلة، وبعدها قامت ومشيت من غير ما تقول حاجة.
أنا ما كنتش عارفة إذا كانت ندمت بجد، ولا كانت مصډومة بس من اللي حصل.
لكن الأيام اللي جاية كانت هتوضح كل حاجة.
بعد أسبوعين، نقلت أنا ويوسف حاجاتنا البسيطة للشقة اللي في كفر الشيخ، بعد ما خلص تصليحاتها الأساسية.
الشقة كانت واسعة، فيها صالة كبيرة وبلكونة بتطل على شارع هادي، ومطبخ محتاج شوية ترتيب، وأوضتين، واحدة لينا وواحدة فاضية.
يوسف قال لي من أول يوم
الأوضة دي لو حبيتي تخليها لأميكي وأبوكي لما يحبوا يقعدوا معانا، تبقى بتاعتهم. وأنا مش عايزك تحسي إنك بعيدة عنهم.
الكلام ده فرحني أكتر من أي حاجة.
ما اشتريناش أثاث جديد كله مرة واحدة، لكن يوسف بدأ يصلح قطع الأثاث القديمة بإيده، وأنا كنت بساعده في اختيار القماش وتنسيق الألوان.
بقينا نقضي ساعات طويلة في الشقة، هو بيشتغل في النجارة وأنا بخيط وأرتب البيت، وكل يوم كنا بنتعلم حاجة جديدة عن بعض.
اكتشفت إن يوسف بيحب الشاي من غير سكر، وإنه لما يتعب بيسكت بدل ما يتكلم، وإنه ساعات يصحى من النوم مڤزوع
لما يفتكر ابنه.
وفي ليلة،
كنت قاعدة جنبه في الصالة، وهو ماسك صورة قديمة لابنه، ودموعه بتنزل من غير صوت.
قربت منه وقلت
وحشك؟
هز راسه.
كل يوم. ساعات بحس إني لو نسيت صوته أبقى خنته.
مسكت إيده وقلت
اللي بنحبهم عمرهم ما بيبقوا خېانة في النسيان يا يوسف. إنت من حقك تعيش، ومن حقك تضحك، ومن حقك تبدأ من جديد. وده مش معناه إنك نسيتهم.
بص لي فترة طويلة، وبعدها قال
أنا أول مرة من سنين أحس إني أقدر أحكي من غير ما حد يقولي كفاية حزن.
الليلة دي، فهمت إن يوسف ما كانش محتاج فلوس وبس.
كان محتاج حد يسمعه، زي ما أنا كنت محتاجة حد يسمعني.
وبعد شهر من جوازنا، رجعت أشتغل في الخياطة من البيت، وبدأت أستقبل طلبات من الجيران. يوسف رجع يشتغل في ورشته بشكل منتظم، وبقى بيخرج كل يوم الصبح ويرجع آخر النهار، متعب لكن راضي.
أما أبويا وأمي، فكانوا بييجوا عندنا يومين في الأسبوع، وأحيانًا كنت بروح أقعد معاهم لحد ما أبويا ينام.
حياتنا ما كانتش مثالية، لكنها كانت هادية.
ما كانش فيها استعراض، ولا مقارنات، ولا حد بيحسسني إني أقل من غيري.
لكن هدير بدأت تتغير بطريقة غريبة.
بعد فترة قصيرة من جوازي، بقت تتصل بيا كتير، وتسألني عن الشقة، وعن شغل يوسف، وعن الورشة، وعن الممتلكات اللي استردها.
في الأول كنت بجاوبها عادي، لكن مع الوقت بقيت أحس إن أسئلتها مش كلها بدافع الاطمئنان.
وفي يوم، قالت لي
يا نبيلة، هو يوسف ممكن يساعدني ألاقي شغل في الشركة اللي كان بيتعامل معاها زمان؟
استغربت.
إنتِ عايزة تشتغلي؟
ردت بسرعة
أيوه، يعني الواحد لازم يضمن مستقبله.
فرحت في الأول، وقلت يمكن أخيرًا قررت تعتمد على نفسها.
كلمت يوسف، وهو قال إنه يقدر يسأل بعض معارفه عن فرصة مناسبة ليها، لكنه مش هيضمن لها وظيفة من غير ما تكون مؤهلة.
وبالفعل، ساعدها إنها تعمل مقابلة في مكتب إداري تابع لإحدى الشركات اللي بيتعامل معاها عم رجب، وطلب منها تلتزم بالمواعيد وتتعلم الشغل.
لكن هدير ما كملتش أسبوعين.
كانت بتتأخر، وتشتكي من الموظفين، وتقول إن الشغل أقل من مستواها.
وفي النهاية، سابت الوظيفة.
لما سألتها عن السبب، قالت
أنا مش هفضل قاعدة على مكتب طول النهار عشان مرتب ما يجيبش حتى تمن لبسي.
ساعتها عرفت إنها لسه ما اتغيرتش بالكامل.
وبعد كام يوم، حصلت مشكلة أكبر.
كنت راجعة من عند أمي، ولقيتها قاعدة في الصالة بتتكلم مع أبويا عن يوسف.
قالت له
يا بابا، أنا شايفة إن يوسف لازم يساعدنا في مصاريف البيت. ما هو بقى جوز نبيلة، وأكيد ربنا فتحها عليه.
أبويا رد عليها
يوسف مش مسؤول عن مصاريفك يا هدير. وإحنا لو احتجنا حاجة، نبيلة وجوزها مش هيقصروا، لكن ما ينفعش تطلبي منهم عشان تصرفي على نفسك.
هدير اتضايقت وقالت
يعني هو يقدر يشتري شقة ويشتغل في ورشة كبيرة، وأنا بنتك ومش لاقية حد يساعدني؟
أبويا قال بحزم
إنتِ مش صغيرة، وعندك القدرة تشتغلي وتبني حياتك. أنا مش هفضل أصرف على الكماليات طول عمري.
دخلت عليهم، ولما شافتني، سكتت.
بعدها خرجت من البيت من غير ما تسلم عليا.
بالليل، اتصلت بيا وقالت
إنتِ السبب في كل اللي بيحصل لي.
اټصدمت من كلامها.
أنا السبب في إيه يا هدير؟
قالت بصوت عالي
من يوم ما اتجوزتي يوسف، والبيت كله اتغير. بابا بقى يحاسبني على كل جنيه، وأمي بقت تقول لي أشتغل وأعتمد على نفسي، وإنتِ بقيتي شايفة نفسك علينا.
قلت لها
أنا عمري ما شوفت نفسي عليكي. لكن طبيعي إن كل واحد يتحمل مسؤولية نفسه.
قفلت الخط في وشي.
عدت أيام من غير ما تتصل، وبعدها عرفت من أمي إنها بدأت تقعد مع واحدة من صاحباتها اسمها ريهام، وكانت ريهام دايمًا بتحب المظاهر وبتحاول تقنع هدير إنها تستحق حياة أحسن من اللي عايشاها.
وبدأت هدير تتكلم عن إنها لازم تتجوز راجل غني، حتى لو ما كانتش بتحبه، وإنها ضيعت فرص كتير بسبب إنها كانت بتدور على الكمال.
أمي كانت حزينة عليها، لكن ما بقتش تدافع عنها زي الأول.
قالت لي مرة
أنا غلطت لما سبتها تكبر من غير ما تتحمل مسؤولية. كنت فاكرة إني لما أسكت عشان خاطر أبوها، ببقى بعمل الصح. لكن السكوت ساعات بيخلي الغلط يكبر.
مرت شهور، وحياتي مع يوسف كانت بتتحسن يوم بعد يوم.
الورشة بقت شغلها أكتر، وبدأ يستقبل طلبات من ناس كانت تعرفه من زمان، ورجع اسمه يتقال بين الصنايعية باحترام.
وفي يوم، رجع البيت ومعاه صندوق خشب صغير، حطه قدامي وقال
دي حاجة عملتها لك.
فتحته، ولقيت جواه صندوق خياطة خشبي متقسم من جوه، فيه مكان للبكر والإبر والمقصات، وكل جزء معمول بدقة وجمال.
على الغطا، كان حافر اسمي بخط صغير نبيلة.
فضلت أبص له وأنا مش مصدقة.
قلت له
إنت عملت ده كله بإيدك؟
ابتسم وقال
عشان إنتِ طول عمرك بتخيطي للناس كلها، فقلت لازم يبقى عندك حاجة معمولة مخصوص ليكي.
حضنته وأنا بعيط.
ما كانش أغلى هدية في الدنيا، لكنه كان أول شيء يثبت لي إن في حد بيفكر في راحتي من غير ما أطلب.
بعدها بفترة، أمي تعبت شوية، فطلبت من يوسف يوديني لها. وصلني، ودخل يسلم على أبويا، وبعدها قعد يصلح رجل ترابيزة كانت مکسورة في الصالة.
أبويا كان بيتفرج عليه، وبعد ما خلص، قال له
يا يوسف، أنا كنت خاېف على بنتي منك في الأول.
يوسف ابتسم وقال
حقك يا عمي.
أبويا كمل
كنت خاېف إنها تضحي بنفسها عشان الناس بطلت تتقدم لها، لكن دلوقتي أنا شايف إنها اختارت صح. إنت ما أخدتش بنتي مني، إنت خلتها بنتي وهي مطمنة.
يوسف نزل عينه باحترام، وما عرفش يرد.
وأنا كنت واقفة عند باب المطبخ، ودموعي نازلة في صمت.
لأن دي كانت المرة الأولى اللي أسمع فيها أبويا يقول إنه فخور بيا، من غير ما يطلب مني أعمل حاجة بعدها.
لكن الحياة ما بتفضلش هادية طول الوقت.
بعد سنة تقريبًا، حصلت مشكلة كبيرة في بيت أبويا.
هدير كانت اتعرفت على رجل اسمه شريف، عنده محل ملابس في القاهرة، وكان بيظهر قدامها بمظهر الراجل الغني اللي يقدر يحقق لها كل أحلامها.
كان بيبعت لها هدايا، ويخرج معاها في أماكن غالية، ويقول لها إنه هيجهز لها شقة كبيرة لو اتجوزوا.
هدير اتعلقت بيه بسرعة، وبدأت تحكي لكل اللي حواليها إنها أخيرًا لقت الراجل اللي تستحقه.
لكن أمي كانت قلقة.
قالت لي إنها شافت شريف مرة، وإن طريقته في الكلام ما ريحتهاش، وإنه كان بيسأل كتير عن ممتلكات يوسف وعلاقته بالعقار القديم.
أنا ما حبيتش أظلم حد، وقلت لها إننا لازم نعرفه كويس قبل ما نحكم عليه.
بعدها بأيام، هدير طلبت مني أقابلها في بيتنا.
لما وصلت، لقيتها قاعدة في الصالة ووشها شاحب، وعينيها وارمة من العياط.
قعدت جنبها وسألتها
مالك يا هدير؟
فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت
شريف طلب مني فلوس.
استغربت.
فلوس إيه؟
قالت إنه داخل في مشروع جديد، وإنه محتاج مبلغ كبير بشكل مؤقت، ووعدها إنه هيرجعه لها بعد شهر، وإنه قال لها إن ده اختبار لثقتها فيه.
قلت لها
وإنتِ معاكي فلوس منين عشان تديهاله؟
بصت لي بتردد.
أنا قلت له إن بابا عنده أرض قديمة، وإن ممكن أبيع نصيبي لما نتجوز.
حسيت بقلبي وقع.
إنتِ وعدتيه بحاجة إنتِ لسه ما تعرفيش إذا كانت من حقك أصلًا؟
صړخت
في وشي
أنا كنت عايزة أتجوز!
كنت عايزة أعيش زي الناس! هو إنتِ مش فاهمة؟ كل ما أشوفك مع يوسف بحس إن أنا اللي ضيعت عمري.
مسكت إيديها وقلت
يا هدير، إنتِ مش محتاجة تثبتي لأي حد إنك أحسن مني. إنتِ محتاجة تختاري راجل يحبك عشان إنتِ، مش عشان حاجة ممكن ياخدها منك.
هدير عيطت وقالت
طب أعمل إيه؟ أنا قلت له إني هتصرف.
قلت لها
قولي له الحقيقة. ولو هو راجل محترم، مش هيضغط عليكي.
لكنها رفضت تسمع كلامي، وخرجت من البيت.
بعد يومين، شريف اختفى.
تليفونه بقى مقفول، ومحل الملابس اللي قال إنه صاحبه طلع مستأجره لفترة قصيرة، وصاحب المكان قال إن الراجل مشي من غير ما يدفع آخر شهرين.
هدير فضلت تدور عليه، وتتصل بأصحابه، لكن محدش كان عنده معلومة عنه.
وفي النهاية، اكتشفت إنها كانت واحدة من ستات كتير وعدهم بالجواز، وكان بيحاول يستغل طمعهم في حياة المظاهر عشان ياخد منهم فلوس.
لما رجعت البيت، كانت مڼهارة تمامًا.
دخلت أوضة أمي، وقعدت على الأرض عند رجليها، وفضلت ټعيط.
سامحيني يا ماما. أنا كنت غبية. أنا كنت فاكرة إن الفلوس هتخليني سعيدة، وإن أي راجل غني يبقى أحسن من أي راجل فقير.
أمي حضنتها، وقالت
يا بنتي، الغلط مش إنك تحلمي بحياة كويسة. الغلط إنك تبيعي راحتك وكرامتك عشان توصلي لها.
هدير فضلت ټعيط، وبعدها طلبت مني أجي لها.
لما دخلت، بصت لي وقالت
أنا عارفة إني ما استاهلش إنك تساعديني بعد كل اللي عملته فيكي، لكن أنا مش عارفة أروح لمين.
قعدت جنبها.
أنا مش هسيبك يا هدير. إنتِ أختي، مهما حصل. لكن لازم نتعلم من اللي فات.
في اليوم التالي، يوسف راح معاها ومع أبويا لمكتب محامٍ عشان يعرفوا إذا كان في طريقة قانونية يتعاملوا بيها مع اللي حصل، ويوثقوا أي مستندات أو تحويلات تخص شريف.
ما وعدهاش إنه هيرجع لها فلوسها، لكنه ساعدها تعرف حقوقها، وإيه الخطوات اللي تقدر تعملها من غير ما تدخل نفسها في مشاكل أكبر.
ولما رجعنا البيت، هدير كانت ساكتة طول الطريق.
قبل ما تنزل من العربية، قالت ليوسف
أنا آسفة.
يوسف بص لها وقال
أنا مش زعلان منك عشان ضحكتي عليا. أنا زعلان إنك كنتِ فاكرة إن قيمة الإنسان بتتحدد باللي معاه. أتمنى الموقف ده يخليكي تشوفي نفسك والناس بشكل مختلف.
هدير نزلت من العربية، وما ردتش.
لكن من اليوم ده، بدأت تتغير فعلًا.
بقت تساعد أمي في البيت، وتقوم مع أبويا لما يحتاج حاجة، وبدأت تدور على شغل مناسب بدل ما تقضي يومها في شراء الحاجات اللي مش محتاجاها.
وفي البداية، كانت بتتعب وتشتكي، لكن مع الوقت اتعودت.
اشتغلت في محل ملابس قريب من بيتنا، وكانت بتتعلم الحسابات وترتيب البضاعة والتعامل مع الزباين.
وبعد كام شهر، صاحبة المحل بدأت تثق فيها، وسمحت لها تمسك الحسابات في غيابها.
هدير لأول مرة بقت ترجع البيت تعبانة من شغلها، لكنها كانت فرحانة إنها كسبت فلوسها بنفسها.
وفي يوم،
متابعة القراءة