رواية كامله

لمحة نيوز

دي بصيت لها في عينيها وقلت
أنا لسه ما وافقتش يا هدير، لكن لو وافقت، محدش له دعوة غيري.
ضحكت باستهزاء وقالت
إنتِ فعلًا بقيتي يائسة.
دخلت أوضتها، لكن كلامها المرة دي ما كسرنيش زي كل مرة.
لأن يوسف، رغم كل ظروفه، كان أول راجل يدخل بيتنا ويسأل عني أنا.
مرت أيام، وبدأت ألاحظ إن يوسف مش بيقعد تحت البيت زي الأول.
كان بيخرج من الصبح، ويرجع بعد المغرب، وفي إيده أحيانًا كيس عيش أو شوية خضار. وفي مرة شفته داخل ورشة النجارة اللي في الشارع اللي جنبنا.
ما كنتش بسأله عن كل حاجة، لكن أمي قالت لي إنه بيحاول يظبط حياته، وإن صاحب الورشة وافق يشغله بشكل ثابت.
بعد أسبوع، جه يوسف ومعاه راجل كبير في السن اسمه عم رجب، صاحب الورشة.
قعد عم رجب مع أبويا وقال له
أنا أعرف يوسف من سنين، واشتغلت معاه قبل ما ظروفه تتغير. الراجل ده إيده تتلف في حرير، وأمين، وعمره ما مد إيده على قرش مش حقه. هو بس اتكسرت نفسه بعد اللي حصله، وربنا يكرمه ويقومه تاني.
وبعدين طلع من جيبه ورقة صغيرة، وقال إنه اتفق مع يوسف إنه يستلم شغل تصليح أثاث من بعض الزباين، وإنه هيديله أجر ثابت كل أسبوع.
أبويا ارتاح شوية.
وأنا كمان حسيت إن في أمل.
بعدها بأيام، وافقت على الجواز، لكن بشروط واضحة.
أول شرط إن يوسف يفضل
محترم أمي
وأبويا، وإننا نفضل جنبهم، لأن ما ينفعش أسيبهم وهما محتاجيني.
وتاني شرط إننا ما نستلفش فلوس عشان نعمل فرح أو نشتري حاجات مش على قدنا.
وتالت شرط، وده كان الأهم بالنسبة لي، إني مش هقبل إنه يعاملني على إني ضحيت عشانه، ولا هو يعاملني على إني قبلت بيه من باب الشفقة.
أنا عايزة جواز قائم على الاحترام.
يوسف وافق على كل كلمة.
وقال لي
أنا مش عايز منك غير إننا نبدأ من غير كدب، ونبقى واضحين مع بعض. أنا مش هقدر أوعدك بحياة مليانة رفاهية، لكن أقدر أوعدك إني مش ههينك، ومش هخليكي تحسي إنك لوحدك طول ما أنا موجود.
الكلام ده كان أغلى عندي من أي شبكة أو فستان.
واتفقنا نعمل كتب الكتاب بعد شهر، على الضيق، بحضور أهلنا وبعض القرايب.
لكن هدير كانت شايفة إن الموضوع ده إهانة ليها شخصيًا.
كل يوم كانت تدخل أوضتي، تبص على الهدوم اللي بجهزها، وتضحك.
يعني إنتِ فعلًا هتتجوزيه؟ مش مصدقة إنك هتعيشي مع واحد كان بيطلب فلوس من الناس تحت البيت!
كنت برد بهدوء
ربنا أعلم بالناس يا هدير، وأنا مش هحكم على حد من شكله.
فتقول
خلاص، لما تلاقي نفسك بتاكلي عيش ناشف، ما تجيش تشتكي.
كنت بسكت، وأكمل تجهيزاتي البسيطة.
اشتريت قماش فستان بلون أوف وايت، وخيطته بنفسي بعد الشغل. كان بسيط، لكني كنت فرحانة وأنا بعمله، لأن دي أول مرة في حياتي أخيط حاجة مخصوص عشاني أنا.
وفي يوم، دخلت أمي عليا وأنا بقيس الفستان قدام المراية.
وقفت تبص لي فترة، وبعدها عينيها دمعت.
قالت
والله يا بنتي، إنتِ قمر. أنا مش عارفة ليه كنتِ دايمًا بتخبي جمالك ورا التعب.
ابتسمت وأنا بمسح دموعي.
عشان كنت مشغولة يا أمي.
حضنتني وقالت
ربنا يعوض قلبك عن كل يوم تعبتي فيه.
أما هدير، فكانت بتخطط لحاجة تانية خالص.
قبل كتب الكتاب بأيام، سمعتها بتتكلم في التليفون مع صاحبتها.
كانت بتقول
أنا نفسي أشوف وشها يوم الڤضيحة. تخيلي تتجوز واحد كان قاعد على الرصيف! والله هتبقى نكتة الشارع كله.
ما علقتش.
لكن يوم كتب الكتاب نفسه، حصلت حاجات محدش كان يتوقعها.
من الصبح، البيت كان مليان حركة.
أمي جهزت شوية أكل بسيط، وخالتي نوال جابت صينية كحك، وابن خالي نزل يجيب العصير، وأنا كنت في أوضتي بلبس الفستان اللي خيطته بإيدي.
قلبي كان بيدق بسرعة.
مش خوف من الجواز، لكن من نظرات الناس، ومن كلام هدير اللي كنت عارفة إنها مش هتفوت الفرصة من غير ما تجرحني.
قبل العصر بشوية، وصل المأذون.
وبعده جه عم رجب، ومعاه اتنين من أصحاب يوسف في الورشة.
أما يوسف، فدخل بعدهم بدقايق.
كان لابس بدلة قديمة، لكنها كانت مكوية ونضيفة. الجاكت لونه بني غامق، والبنطلون أسود، والقميص أبيض، لكن واضح إن البدلة مش طقم واحد.
حذاؤه كان قديم، وشعره كان مترتب بعناية.
دخل الصالة بهدوء، وسلم على الموجودين واحد واحد.
ولما عينه جت عليا، ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
ربنا يتمم لنا على خير يا نبيلة.
ابتسمت له، وحسيت لأول مرة من سنين إن في حد شايفني عروسة بجد.
لكن هدير، اللي كانت واقفة عند باب أوضتها، أول ما شافته، حطت إيدها على بقها، وبعدها اڼفجرت في الضحك.
قالت بصوت عالي
لا، لا، استنوا! أنا مش قادرة! هو ده العريس؟! هو إنتوا جايبينه منين بالبدلة دي؟ ده الجاكت لوحده والبنطلون لوحده! يا جماعة، حد يجيب لنا مصور يصور اللحظة التاريخية دي!
بعض الموجودين اتضايقوا، وعم رجب بص لها پغضب، لكن يوسف ما ردش.
هدير قربت منه وهي بتضحك، وقالت
طب قولي يا عم يوسف، إنت جاي تتجوز أختي بجد؟ ولا فاكر إننا هنعزمك على الغدا ونسيبك تنام هنا؟
أمي قامت من مكانها وقالت
هدير! كفاية قلة أدب!
لكن هدير كانت مصممة تكمل.
يا ماما، أنا بس بسأل! أصل أنا خاېفة بعد كتب الكتاب نكتشف إنه مش معاه تمن مواصلات يرجع بيها!
يوسف ساعتها رفع عينه وبصلها.
ما كانش في عينه ڠضب، ولا رغبة في الاڼتقام، لكن كان في نظراته حزن عميق، كأنه شايف قدامه إنسانة مش عارفة قيمة الكلام اللي بتقوله.
وبعدين مد إيده بهدوء ناحية عم رجب، وقال له
يا عم رجب، لو سمحت، هات الحاجة اللي اتفقنا عليها.
عم رجب قام، وراح ناحية شنطة جلد بنية كانت معاه، وطلع منها ملف كبير، ومعاه ظرف أبيض، وحطه على الترابيزة.
هدير سكتت فجأة.
يوسف فتح الملف، وطلع منه ورق، وبدأ يقدمه للمأذون.
المأذون بص في الورق، وعدل نظارته، وبعدها قال باستغراب
هو حضرتك يوسف عبد الرحمن؟
يوسف رد بهدوء
أيوه يا شيخنا.
المأذون رجع بص للورق، وبعدها بص ليوسف مرة تانية.
طيب، حضرتك كنت شغال في شركة الأثاث القديمة في طنطا؟
عم رجب تدخل وقال
أيوه، ده يوسف اللي كان من أمهر الصنايعية عندنا، قبل ما تحصل له ظروفه.
المأذون هز راسه وقال
أنا بس بتأكد من بيانات الملكية.
أنا بصيت لأمي، وأمي بصت لي، ومحدش فينا كان فاهم حاجة.
يوسف قفل الملف للحظة، وبعدها بص لأبويا وقال
يا عمي، أنا كنت ناوي أحكي لكم كل حاجة بعد كتب الكتاب، لكن بما إن هدير شايفة إني مش قد المسؤولية، فمن حقكم تعرفوا الحقيقة قبل ما نبيلة تمضي على أي حاجة.
هدير ابتدت تفقد ثقتها بنفسها، لكنها حاولت تخبي ده وقالت
حقيقة إيه بقى؟ هتقول لنا إنك كنت ملك زمان؟
يوسف ما بصش لها حتى.
فتح الملف مرة تانية، وطلع منه مستندات ملكية وإيصالات قديمة.
وقال
من حوالي عشر سنين، كنت شريك في ورشة كبيرة لتصنيع الأثاث. الورشة دي كانت بتورد موبيليا لفنادق وشركات، وكان معايا شريك اسمه فؤاد. بعد ۏفاة مراتي وابني، أنا اټدمرت نفسيًا، وبقيت مش قادر أروح الشغل ولا أتابع الحسابات. فؤاد استغل غيابي، وبدأ يسحب فلوس من الشركة، ولما اكتشفت الموضوع، كنت خسړت جزء كبير من مالي، ودخلت في قضايا طويلة عشان أثبت حقي.
الصالة كلها سكتت.
يوسف كمل
في الفترة دي، خسړت بيتي، وبعت حاجات كتير عشان أسدد ديون كانت باسمي. ولما الناس شافتني وقعت، معظم اللي كانوا حواليّا اختفوا. فضلت فترة طويلة مش عايز أتعامل مع حد، لحد ما لقيت نفسي في الشارع.
عم رجب قال
لكن يوسف ما استسلمش. رجع اشتغل بإيده، وفضل يتابع قضيته لحد ما المحكمة حكمت له بجزء كبير من حقوقه، وبعدها قدر يسترد نصيبه في الورشة القديمة.
يوسف أومأ برأسه.
الحكم صدر من فترة، لكن إجراءات استلام الفلوس والممتلكات أخدت وقت. ومن أسبوعين بس، استلمت أول دفعة من حقي، وكمان اتفقت مع صاحب العقار اللي كانت فيه الورشة إني أرجع أشتغل في المكان من جديد.
أبويا كان بيسمعه وعينه متعلقة بكل كلمة.
أما أنا، فكنت حاسة إن الأرض بتتحرك من تحتي.
يوسف مد إيده للظرف الأبيض، وطلّع منه ورقة، وحطها قدام أبويا.
دي شهادة من البنك بإثبات المبلغ اللي استلمته، ودي ورقة حجز شقة صغيرة في طنطا، دفعت مقدمها، وهستلم مفتاحها بعد ما تخلص بعض التصليحات. أنا مش غني يا عمي، لكن الحمد لله بقيت أقدر أعيش من شغلي، وأفتح بيت، وأتحمل مسؤوليتي.
وبعدين بص لي.
وأنا ما قلتش الكلام ده لنبيلة قبل كده، لأني ما كنتش عايزها توافق عليا عشان الفلوس. كنت عايزها تعرفني وأنا في أصعب ظروفي، ولو قبلت بيا، تبقى قبلت يوسف الإنسان، مش
حسابه في البنك.
أنا
ما قدرتش أتكلم.
كل اللي قدرت أعمله إني بصيت له، وحسيت إن دموعي بتنزل لوحدها.
مش عشان اكتشفت إنه عنده فلوس.
لكن عشان فهمت إنه كان يقدر من البداية يلبس أحسن بدلة، ويركب عربية، وييجي يتقدم لي زي أي عريس، لكنه اختار ييجي على حقيقته، من غير ما يخدعني أو يشتري موافقتي بالمظاهر.
هدير كانت واقفة مكانها، ووشها اتغير تمامًا.
بصت للورق، وبعدها ليوسف، وبعدها لي، وكأنها مش قادرة تستوعب إن الراجل اللي فضلت تضحك عليه طلع عنده حياة كاملة محدش كان يعرف عنها حاجة.
لكن المفاجأة ما كانتش خلصت.
يوسف طلع من الملف ورقة تانية، وقدمها للمأذون.
المأذون قرأها، وبعدها رفع راسه وقال
دي مستندات تخص عقار في كفر الشيخ؟
يوسف رد
أيوه. العقار ده كان ملك والدي، واتقسم بين الورثة من سنين، وأنا استرديت نصيبي فيه بعد ما خلصت الإجراءات.
أبويا شهق بصوت خاڤت.
لأن العقار اللي بيتكلم عنه يوسف كان بيت قديم في منطقة قريبة من بيتنا، بيت عيلة كبير، والناس في منطقتنا كلها كانت تعرف إنه اتقفل من سنين بسبب خلافات الورثة.
يوسف وضح إن نصيبه في العقار كان عبارة عن شقة واسعة في الدور الأرضي، وإنه بدأ يصلحها عشان تكون بيتنا، وإنه ما كانش عايز يقول لي حاجة قبل ما يتأكد إن كل الأوراق سليمة.
هدير حطت إيدها على صدرها، وبدأت ترجع لورا.
لكن يوسف لسه ما خلصش كلامه.
بص لها وقال بهدوء
أنا عايز أقول حاجة أخيرة. أنا عارف إنك پتخافي على أختك، حتى لو طريقتك مش بتبين ده.
هدير رفعت راسها بسرعة، وكأنها كانت مستنية منه كلمة تبرر بيها موقفها.
لكنه كمل
لكن النهارده إنتِ جرحتِ نبيلة قدام أهلها، وضحكتي على إنسان لمجرد إن هدومه قديمة. وأنا مش هرد لك الإهانة بإهانة، ولا هقلل منك قدام حد. كل اللي هقوله إن الإنسان مش بيتقاس باللي لابسه، ولا بالمكان اللي قاعد فيه، ولا بالمبلغ اللي في جيبه. الإنسان بيتقاس بأصله، وبالطريقة اللي بيعامل بيها غيره لما يفتكر إنه أعلى منه.
هدير فتحت بقها عشان ترد، لكن ما خرجش منها صوت.
يوسف رجع قعد جنب المأذون، وكأن الكلام انتهى.
أما هدير، فكانت بتبص للورق بعينين متسعتين، ووشها بقى أصفر.
وبعدين حصل اللي محدش كان يتوقعه.
هدير لطمت على خدودها وهي بتقول
يا نهار أسود! يعني كل ده كان عندك وإنت قاعد تحت بيتنا؟!
وبعدها ركبتها ما شالتهاش، ووقعت على الأرض من طولها.
أمي صړخت، وأنا جريت عليها مع خالتي نوال، ورفعنا راسها وحاولنا نفوقها.
يوسف قام بسرعة، لكنه وقف على مسافة، وطلب من عم رجب يجيب مية، ومن ابن خالي يتصل بدكتور قريب.
بعد دقائق، هدير بدأت تفتح عينيها، ولما شافت الناس حواليها، غطت وشها بإيديها وبدأت ټعيط.
لكن بكاها المرة دي ما كانش بكاء الغيرة وبس.
كان فيه إحراج وندم، وكأنها لأول مرة شايفة نفسها من بره.
الدكتور جه، واطمن عليها، وقال إن الضغط عندها انخفض من التوتر وإنها محتاجة ترتاح.
بعد ما الناس رجعت للصالة، المأذون استأذن وبدأ إجراءات كتب الكتاب.
وقبل ما نمضي، يوسف بص لي وسألني بصوت واطي
لسه موافقة يا نبيلة؟
السؤال ده كان أهم عندي من كل الورق اللي اتحط على الترابيزة.
لأنه رغم كل اللي اتكشف، ورغم إن ظروفه اتغيرت، لسه بيديني فرصة أختار من غير ضغط.
بصيت له وقلت
أنا وافقت عليك قبل ما أعرف أي حاجة عن فلوسك أو أملاكك. وموافقتي لسه زي ما هي.
ابتسم، وعيونه لمعت.
وبعدها مضينا.
ولأول مرة في حياتي، حسيت إن في خطوة كبيرة بعملها عشان نفسي، مش عشان أرضي حد، ولا عشان أهرب من كلام الناس.
بعد كتب الكتاب، يوسف طلب من عم رجب يجيب شنطة صغيرة كانت في عربيته.
طلع منها علبة مخملية بسيطة، وقدمها لي.
فتحتها، ولقيت فيها دبلة ذهب رفيعة، وخاتم بسيط، ومعاهم ورقة مطوية.
بصيت له باستغراب.
قال لي
أنا عارف إنك مش بتحبي المظاهر، وعشان كده اخترت حاجة بسيطة. أما الورقة، فدي حاجة كنت عايز أديهالك من أول يوم، لكن قلت أستنى لحد ما نبقى على سنة الله ورسوله.
فتحت الورقة، ولقيت مكتوب بخط إيده
إلى نبيلة، الست اللي شافت الإنسان قبل ما تشوف حالته، واللي فكرّتني إن الدنيا لسه فيها خير. أنا مش بوعدك إن أيامنا كلها هتبقى سهلة، لكن بوعدك إني كل يوم هحاول أكون راجل تستندي عليه،
تم نسخ الرابط