امى راحت تزور صاحبتها
المحتويات
وطلبت مني أساعدها، بصتلي بحزن وقالت
كنت عارفة إنك هتقوليلي إني محتاجة مساعدة، وكنت خاېفة تحسي إني بقيت ضعيفة ومش قادرة أعتمد على نفسي.
مسكت إيدها بقوة، وقلت
يا ماما، إنتِ عندك 80 سنة! إزاي تسيبي نفسك توصلي للحالة دي من غير ما تكلميني؟ أنا بنتك، مش غريبة عنك!
أمي بدأت ټعيط.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الموضوع ما كانش مجرد زيارة لصديقة قديمة.
أمي قضت عمرها كله بتحاول تثبت إنها تقدر تتحمل كل حاجة لوحدها، حتى لو كان الثمن صحتها وراحتها.
كانت فاكرة إن طلب المساعدة هيخليها أقل قوة في عيني الناس اللي بتحبهم.
لكنها ما كانتش فاهمة إننا عمرنا ما طلبنا منها تكون قوية طول الوقت.
كل اللي كنا عايزينه إنها تسمح لنا نكون جنبها، زي ما هي فضلت طول عمرها جنبنا.
وفجأة، أمي حاولت تقوم من مكانها، لكن وشها اصفر، ومدت إيدها تمسك طرف السرير.
جريت عليها بسرعة.
ماما! مالك؟
قالت إنها حاسة بدوخة شديدة، وإن الدنيا بتلف بيها.
في اللحظة دي، ما استنيتش ثانية واحدة.
جبت مفاتيح العربية، وساعدتها تلبس، وأخدتها على المستشفى.
الدكاترة كشفوا عليها، وعملوا لها الفحوصات اللازمة، واكتشفوا إنها كانت بتعاني من الجفاف والضعف الشديد بسبب قلة الأكل وقلة النوم.
وفضلوا يتابعوا حالتها، ويجروا فحوصات إضافية عشان يتأكدوا إن مفيش أسباب تانية وراء فقدان الوزن الكبير اللي حصل لها في وقت قصير.
الحمد لله، حالتها بدأت تتحسن بعد ما أخدت السوائل وارتاحت.
ولما رجعنا البيت، كانت أمي لسه مرهقة، لكنها بقت أهدى شوية.
في المساء، جابت الشنطة السودا وفتحتها قدامي.
وبعدين طلعت الظرف البني اللي كنت شوفته من الصبح.
حطته على السفرة وقالت
فيه حاجات جوا الظرف ده كان لازم تشوفيها من زمان.
فتحته بحذر.
لقيت جواه صور قديمة، وكروت أعياد ميلاد، وخطابات متبادلة بين أمي وماجي على مدار سنين طويلة.
بدأت أقلب الصور واحدة ورا التانية، وكل صورة كانت بتكشفلي جزءًا جديدًا من طفولتي اللي كنت ناسية تفاصيل كتير منها.
وبعدين لقيت خطابًا قديمًا، مكتوبًا بخط أمي، وكان تاريخه من يوم ما كان عندي خمس سنين.
فتحته وبدأت أقرأ
ماجي حبيبتي،
أنا مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك.
لورا بتسأل عليكي كل صباح، وبتفضل مستنياكي تيجي تاخديها عندك.
إنتِ اديتيها مكان آمن تقدر تروح له في الأيام اللي ما بقدرش أكون موجودة فيها.
عارفة إنك بتساعديني من قلبك، لكن أوقات كتير بحس إني مش قادرة أردلك كل اللي بتعمليه معايا.
نفسي أقدر أكون أم أحسن، وأوفر لبنتي كل حاجة من غير ما أحتاج أتعبك معايا.
شكرًا لأنك دايمًا موجودة.
حسيت بالدموع بتتجمع في عيني.
قلبت الخطاب، ولقيت رد ماجي مكتوبًا في ورقة تانية.
بدأت أقرأه بصوت واطي
حبيبتي،
إنتِ موجودة في حياة لورا بكل الطرق اللي تهم فعلًا.
إنك تشتغلي وتتعبّي عشان توفري لها بيت تعيش فيه، ده مش معناه إنك فشلتي في تربيتها.
إنتِ أم بتحارب كل يوم عشان بنتها، وأنا شايفة ده كويس جدًا.
أرجوكي، بطلي تعتذري عشان سمحتِ لي أحبها وأكون جزءًا من حياتها.
أنا مش بساعدك عشان تبقي مدينة ليا بحاجة.
أنا بساعدك عشان بحبك، وبحب لورا، وبحب أشوفكم بخير.
إنتِ مش مطالبة ترديلي الجميل.
كل اللي عايزاه إنك تفضلي صاحبتي، وتسمحيلي أفضل أحبكم.
ما قدرتش أكمل القراءة.
حطيت الخطاب على السفرة، وبصيت لأمي من وسط دموعي.
هي كانت فاهمة يا ماما... كانت فاهمة كل حاجة.
أمي ابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت
أيوه يا لورا، هي عمرها ما قصرت معايا. أنا اللي ما كنتش فاهمة.
سألتها وأنا لسه متأثرة
طب ليه بعدتي عنها كل السنين دي؟ ليه خليتي نفسك تعيشي بالإحساس ده طول الوقت؟
أمي بصت للخطاب وقالت
عشان كنت فاكرة إن المعروف
دين لازم يترد. كنت عايزة أعمل حاجة كبيرة لماجي، حاجة تخليني أحس إننا بقينا متساويين، وإن مفيش حاجة بينا.
سكتت لحظة، وبعدها كملت
لكن كل ما كنت بحاول أردلها اللي عملته، كنت بحس إني لسه مقصرة. ولما اتصلت بيا إيلين وقالتلي إن ماجي محتاجة مساعدة، افتكرت إن دي فرصتي أخيرًا عشان أقفل الحساب ده.
هزيت راسي وأنا بحاول أوصل لها الفكرة اللي ماجي نفسها كانت بتحاول تقولها من سنين.
يا ماما، الصداقة مش حسابات. والناس اللي بتحبنا مش بتساعدنا عشان تستنى المقابل.
أمي مسحت دموعها وقالت بصوت واطي
عرفت ده متأخر أوي.
لكن الحقيقة إن الوقت ما كانش فات تمامًا.
لأن الأسابيع اللي بعدها بدأت تغيّر حاجات كتير في حياتنا كلنا.
أول حاجة عملتها، إني اتصلت بإيلين.
حكيتلها عن حالة أمي، وعن التعب اللي وصلت له وهي بتحاول تساعد ماجي.
إيلين اتأثرت جدًا، واعترفتلي إنها هي كمان كانت وصلت لمرحلة من الإرهاق، وإن رعاية أمها بقت صعبة عليها وهي بتحاول توفق بين شغلها ومسؤولياتها.
اتكلمنا بهدوء، وبدأنا نفكر في طريقة نقدر بيها نوفر لماجي مساعدة إضافية، بحيث ما تبقاش إيلين مضطرة تعمل كل حاجة لوحدها، وفي نفس الوقت أمي ما تضطرش تضحّي بصحتها عشان تساعد صاحبتها.
وبعد أسبوعين، قررت إني آخد أمي ونروح نزور ماجي سوا.
المرة دي، أنا اللي سقت العربية.
وأمي كانت مرتاحة، وأكلت كويس قبل ما نخرج، والتزمت بتعليمات الدكتور.
ولما وصلنا، لقينا ماجي قاعدة على كرسي مريح جنب الشباك.
كانت باينة عليها علامات التعب، لكن أول ما شافتني، وشها نور بابتسامة كبيرة.
بصتلي لثواني، وبعدها قالت بصوت مليان فرحة
لورا؟!
ما قدرتش أستنى.
جريت عليها وحضنتها بقوة.
وفي اللحظة دي، شمّيت ريحة عطر الفانيليا اللي كنت فاكرها من أيام طفولتي.
نفس الريحة اللي كانت بتملأ بيتها الصغير، ونفس الريحة اللي كانت بتفكرني بأيام كنت بقضيها عندها وأنا طفلة.
قلت لها وأنا بعيط
فاكرة لما كنتِ بتسيبيني آكل عجينة الفطير قبل ما تدخل الفرن؟
ضحكت ماجي وقالت
إنتِ ما كنتيش بتستني أسمحلك أصلًا! كنتِ بتسرقيها وأنا مش واخدة بالي!
ضحكنا إحنا التلاتة، ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن جزءًا من طفولتي رجعلي.
قضينا الظهر كله بنتفرج على الصور القديمة، ونحكي عن الذكريات اللي كنا فاكرين إننا نسيناها.
ماجي كانت فاكرة أول سنة وقعت فيها سناني، والبلوفر الأصفر اللي حاكتهولي بإيديها، وحتى يوم عيد ميلادي اللي عملت فيه كيكة وحطيت فيها ملح بدل السكر!
فضلت أضحك وأنا بسمعها، ومش قادرة أصدق إنها فاكرة التفاصيل الصغيرة دي كلها.
بالنسبة لي، كانت ذكريات بعيدة ومشوشة.
لكن بالنسبة لها، كانت لحظات لسه عايشة في قلبها.
وقبل ما نمشي، مسكت إيدها وقلت لها
أنا عايزة أشكرك على كل حاجة عملتيها عشاني وأنا صغيرة. يمكن وقتها ما كنتش فاهمة قد إيه وجودك كان مهم، لكن دلوقتي أنا فاهمة.
ماجي ضغطت على إيدي وابتسمت.
وبعدين بصت لأمي وقالت
أمك تعبت كتير عشانك يا لورا. أنا كل اللي عملته إني اتأكدت إن عندك مكان تروحي له بعد المدرسة لحد ما هي ترجع من شغلها.
بصيتلها وقلت
وده مش شيء بسيط يا خالتي ماجي. إنتِ كنتِ جزءًا من عيلتنا، حتى لو إحنا نسينا نقولك ده.
عينيها لمعت بالدموع، لكنها فضلت مبتسمة.
ومن اليوم ده، حاجات كتير بدأت تتغير.
إيلين قدرت ترتب مساعدة إضافية لماجي، وأمي بدأت تزورها بانتظام، لكن من غير ما تحاول تتحول لممرضة بدوام كامل.
بقت تروح تقعد معاها، وتشرب الشاي، وتحكيلها عن حياتنا، وتسمع منها الحكايات القديمة اللي فضلت سنين طويلة مدفونة.
أما عزومات يوم الأحد، فاستمرت زي ما كانت، لكن المرة دي أنا اللي بدأت أعمل
الأكل.
أمي
متابعة القراءة