امى راحت تزور صاحبتها
المحتويات
شايلاني، وفضلت باصة للشاشة وأنا مش قادرة أصدق اللي شايفاه.
كانت الصورة لطفلة صغيرة لابسة بلوفر أصفر، وفي حضنها ست عجوزة ملامحها كانت مألوفة بشكل غريب.
قربت الكاميرا من وشي، وفضلت أدقق في الصورة، لحد ما قلبي دق پعنف.
دي أنا!
أيوه، أنا نفسي، وأنا طفلة صغيرة!
والست اللي كانت حضناني في الصورة كانت خالتي ماجي، الست اللي ما شوفتهاش من سنين طويلة، واللي كنت فاكرة إنها اختفت من حياتنا للأبد.
وفجأة، ذكريات قديمة بدأت ترجع لعقلي واحدة ورا التانية.
افتكرت بيتها الأبيض الصغير، والبلكونة اللي كنا بنقعد فيها بعد الضهر، وصوت ضحكتها وهي بتعلمني أعمل الكيك.
افتكرت كمان إني كنت بقضي ساعات طويلة عندها، بناكل الفراولة ونلعب في الجنينة، وأوقات كتير كنت بنام على الكنبة في بيتها لحد ما ماما تيجي تاخدني.
لكن لما كبرت، أمي كانت دايمًا بتقولي إن ماجي مجرد صديقة قديمة للعيلة، وإنها سافرت وبقت بعيدة عننا.
ومع مرور السنين، بطلت أسأل عنها.
وبصراحة، كنت فاكرة إنها ماټت من زمان.
لكن الصورة اللي كانت في إيدي أثبتت إن كل اللي كنت أعرفه عن اختفائها كان ناقص.
قعدت على طرف السرير وأنا بحاول أرتب أفكاري.
مين الست اللي ظهرت في الصورة التانية جنب أمي؟
وليه أمي راحت تزورها من غير ما تقولي؟
وليه رجعت بالشكل المرعب ده؟
قررت أبدأ من المكان اللي اتصورت فيه أمي في الصورة الأولى.
كان وراها بيت مبني بالطوب الأحمر، والشارع اللي قدامه كان مألوف بالنسبة لي، رغم إن السنين عدت من آخر مرة شوفته فيها.
فضلت أقارن تفاصيل الصورة بذكرياتي القديمة، لحد ما افتكرت إن خالتي ماجي كانت عايشة في بيت شبهه تمامًا.
فتحت اللابتوب، وبدأت أدور على عنوان البيت القديم.
بعد بحث طويل، وصلت للمكان اللي كنت بدور عليه.
لكن المفاجأة كانت إن البيت اتنقل لملكية ناس تانيين، ولما حاولت أعرف منهم أي معلومة عن ماجي، اكتشفت إنهم ما يعرفوش عنها حاجة.
ماحدش كان عارف راحت فين، ولا عاشت فين بعد ما سابت البيت.
قفلت اللابتوب وأنا حاسة إن الحقيقة بتبعد عني أكتر كل ما أحاول أوصل لها.
لكن في اللحظة دي، سمعت صوت أمي من ورايا.
إنتِ فتحتي الشنطة يا لورا؟
اتجمدت مكاني.
لفيت ناحيتها، لقيتها واقفة عند باب الأوضة، ووشها شاحب، وعينيها مثبتة على الشنطة السودا.
ما حاولتش أنكر.
بصيتلها وقلت بصوت متوتر
أيوه يا ماما، فتحتها. كنت خاېفة عليكي، وإنتِ رجعتي من السفر بالشكل ده. خسيتِ بطريقة تخوف، ومش عايزة تروحي للدكتور، وفوق كل ده اكتشفت إن مارجريت مش عايشة في العنوان اللي إنتِ ادتيهولي من 8 سنين!
سكت لحظة، وبعدها سألتها السؤال اللي كان بېحرق قلبي من الصبح
مين خالتي ماجي يا ماما؟ وإنتِ كنتِ فين طول الأسبوع ده؟ وليه ما قولتيليش الحقيقة؟
أمي ما ردتش على طول.
نزلت عينيها للأرض، ومشت ببطء لحد ما قعدت على طرف السرير.
فضلت ساكتة فترة طويلة، وكأنها بتحاول تختار الكلمات اللي هتقولها.
وبعدين رفعت عينيها ليا، وقالت بصوت مكسور
في حاجات كتير إنتِ ما تعرفيهاش عن طفولتك يا لورا.
قلبي انقبض.
أمي بدأت تحكيلي عن الفترة اللي بابا سابنا فيها.
وقتها، كنت لسه صغيرة، وهي كانت بتحاول تعمل كل حاجة لوحدها. كانت بتشتغل في شغلانتين عشان تقدر تصرف عليا، وتدفع إيجار البيت، وتوفرلي الأكل والهدوم ومصاريف المدرسة.
كانت بتخرج من البيت الصبح، وترجع متأخر بالليل، وفي أيام كتير كانت بتبقى مرهقة لدرجة إنها ما كانتش بتقدر تقعد معايا غير دقائق قليلة قبل ما تنام.
وفي الفترة دي، كانت ماجي ساكنة قريب مننا.
كانت بتستقبلني عندها بعد المدرسة، وتفضل معايا لحد ما أمي تخلص
شغلها وترجع تاخدني.
لكن الموضوع ما وقفش عند كده.
أمي قالت إن ماجي فضلت تساعدها لمدة تقرب من سنتين كاملتين.
كانت بتأكلني، وتساعدني في واجباتي، وتعلمني أعمل الحلويات، وتخليني أحس إن عندي بيت آمن أرجع له حتى في الأيام اللي أمي ما كانتش بتقدر تكون موجودة فيها.
ماجي ما كانتش مجرد صديقة للعيلة.
دي كانت واحدة من الناس اللي ساعدوا أمي يربوني، وكانت جزءًا أساسيًا من طفولتي.
بصيت لأمي بذهول.
طب ليه عمرك ما حكيتيلي الكلام ده؟ ليه كنتِ بتقولي إنها مجرد صديقة قديمة؟
أمي أخدت نفسًا طويلًا، وبعدها قالت
عشان كنت مكسوفة يا بنتي.
ما فهمتش قصدها.
فضلت باصة لها، مستنية تكمل.
قالتلي إنها مع مرور الوقت بدأت تحس إنها عبء على ماجي، وإنها مش قادرة تدير حياتها وتربي بنتها من غير مساعدة حد.
كانت شايفة إن المفروض تكون قادرة تعمل كل حاجة لوحدها، وإن احتياجها للمساعدة معناه إنها فشلت كأم.
ومع الإحساس ده، بدأت تبعد عن ماجي بالتدريج.
في الأول، كانت بتأجل الزيارات.
وبعدين بقت تقلل المكالمات.
وبعد فترة، بقت تعدي المناسبات من غير ما تتصل، لحد ما الصداقة اللي كانت بينهم بدأت تختفي واحدة واحدة.
أمي مسحت دموعها وقالت
كنت عايزاكي تكبري وإنتِ شايفة أم قوية، أم تقدر تعتمد على نفسها، مش أم محتاجة حد يساعدها عشان تعرف تعيش.
حسيت بۏجع شديد في قلبي.
عمري ما تخيلت إن أمي كانت شايلة كل الإحساس ده جواها طول السنين.
أنا كنت فاكرة إنها نسيت ماجي، لكن الحقيقة إنها كانت بتحاول تهرب من إحساسها بالذنب.
مديت إيدي ومسكت إيدها.
يا ماما، إنتِ عمرك ما فشلتي. إنتِ اشتغلتي وتعبتي عشان تربيّني، وده لوحده كفاية.
أمي هزت راسها، لكن كان واضح إنها لسه مش قادرة تسامح نفسها.
وبعدين قالتلي إن فيه جزء تاني من الحكاية لازم أعرفه.
ماجي كانت تعبانة في الفترة الأخيرة، وبنتها إيلين بقت بتواجه صعوبة كبيرة في رعايتها، خصوصًا إنها كانت بتشتغل ومش قادرة تكون معاها طول الوقت.
وفي يوم، إيلين اتصلت بأمي وطلبت منها المساعدة.
أمي قالت إنها أول ما سمعت صوت إيلين وهي بتحاول تخبي خۏفها على أمها، حسّت إن دي فرصتها أخيرًا عشان ترد جزءًا من الجميل اللي ماجي عملته معاها زمان.
حست إنها مدينة لها بسنين من المعروف، وإن الوقت جه عشان تثبت إنها ما نسيتش اللي عملته معاها.
عشان كده، قررت تسافر وتقضي أسبوع عندها.
كانت فاكرة إنها هتزورها، وتقعد معاها شوية، وتساعدها في حاجات بسيطة.
لكن أول ما وصلت، اكتشفت إن حالة ماجي أصعب بكتير مما كانت متخيلة.
ماجي كانت ضعيفة، وبتحتاج مساعدة في الحركة، وفي تحضير الأكل، وفي حاجات يومية كتير.
وأمي، بدل ما تكتفي بزيارة قصيرة، بدأت تعمل كل حاجة بنفسها.
كانت بتحضر لها الأكل، وتساعدها تتحرك في البيت، وتسهر جنبها بالليل عشان تتأكد إنها بخير.
ومع مرور الأيام، بدأت أمي تهمل نفسها تمامًا.
كانت بتنسى تاكل، وما بتنامش غير ساعات قليلة، وفضلت تتحرك طول اليوم رغم سنها وحالتها الصحية.
وفي اليوم الرابع، بقت مرهقة لدرجة إنها بدأت تواجه صعوبة حتى في تناول الأكل.
بصيتلها پصدمة وقلت
يعني إنتِ كنتِ بتعملي كل ده لوحدك؟!
هزت راسها ببطء.
وبعدين اعترفت إنها اشترت تذكرة القطر عشان ترجع البيت قبل ميعاد رجوعها الأصلي بثلاثة أيام.
كانت عارفة إنها مش قادرة تكمل، وإن جسمها بدأ ينهار من التعب.
لكن في صباح اليوم اللي كانت ناوية تمشي فيه، ماجي تعبت بشكل مفاجئ، وإيلين كانت في الشغل.
أمي ما قدرتش تسيبها لوحدها في الحالة دي.
قررت تأجل سفرها، وقالت لنفسها إنها هتستحمل يوم كمان.
لكن اليوم بقى يومين، واليومين بقوا أكتر.
ولما سألتها ليه ما اتصلتش
بيا
متابعة القراءة