سر الزجاجة محمد نور
اسمه مشروع مارينا.
كان محمي بكلمة سر.
رجعت بضهري لكرسيه، وبصيت على مكتبه. القلم الذهبي، وثقالة الورق الكريستال اللي جبتها له في عيد ميلاده الثلاثين، وصورة شهر العسل بتاعتنا في فلورنسا.
عيني وقفت عند ثقالة الورق. تحت الكريستال كان فيه نقش لاتيني
Amor vincit omnia.
الحب ينتصر على كل شيء.
كتبت العبارة في خانة كلمة السر.
الملف اتفتح.
ظهرت مئات الملفات المنظمة حسب الشهور والسنين رحلات للخليج، وسهرات خاصة، وسفرات لباريس وروما.
فتحت أول مجلد.
عشرات الفيديوهات ومئات الصور عالية الجودة.
شغلت أول فيديو.
ظهر جلال وإيمان على تراس البنتهاوس في تراسات البحر. إيمان كانت ماسكة كأس مشروب فوار وبتضحك، وجلال هو اللي بيصورها.
سمعت صوته من ورا الكاميرا
قولي حاجة لذكرياتنا الخاصة يا جميلة. قولي للمستقبل إمتى هننقل هنا نهائي.
قربت إيمان من العدسة، ولزقت شفايفها المطلية بالروج الأحمر في الكاميرا، وبعدها همست
أول ما جلال يخلص تحويل آخر مبلغ من صندوق جدي ولما فريدة تمضي اتفاق الانفصال من غير تعويض بسبب الژنا. نخب العبيطة اللي بتدفع لنا تمن فسحنا!
ضحكوا الاتنين.
ضحكة طويلة، متواطئة، مليانة احتقار.
فضلت واقفة قدام الشاشة من غير ما أرمش.
ما صرختش، وما خبطتش المكتب، وما وقعتش اللمبة.
حسيت كأن طبقة من التلج غطت روحي كلها.
هما ما كانوش مجرد خائنين.
كانوا بيخططوا لټدمير حياتي المالية، وسړقة ميراث أبويا، وبعدها يرموني بره حياتهم بطلاق مرتب ومتفق عليه من قبل ما أعرف أي حاجة.
إيمان ما كانتش بنت صغيرة اتغرت براجل منافق.
كانت شريكة كاملة في الخطة، وعارفة كويس هي بتعمل إيه.
وصلت هارد ديسك خارجي سعته اتنين تيرابايت بالكمبيوتر، وبدأت أنسخ مجلد مشروع مارينا بالكامل.
الملفات كانت بتضم فيديوهات، وإيصالات فنادق مدفوعة من حسابات الشركة، وسجلات بنكية مخفية، وصورًا توثق علاقتهم وخطتهم.
ظهر على الشاشة إن النسخ هياخد اتنين وأربعين دقيقة.
قعدت في الضلمة، أسمع صوت ساعة الحائط والقرص الخارجي وهو بينقل كل دليل محتاجاه.
خلال الوقت ده، ما فكرتش في الاڼتقام، ولا في إني أواجههم وأسمع أعذارهم.
كنت بفكر في حاجة واحدة إزاي أحمي نفسي وفلوس أبويا من الاتنين اللي وثقت فيهم أكتر من أي حد.
الساعة تسعة ونص، اكتمل النسخ.
فصلت الهارد بأمان، وخبيته في الجيب الداخلي للجاكيت. مسحت سجل الدخول الأخير، وقفلت الحساب، وطفيت الكمبيوتر.
رجعت كل حاجة مكانها بدقة ثقالة الورق على بعد تلاتة سنتيمترات من حافة المكتب، القلم الذهبي بمحاذاة الورق، والكرسي في وضعه المعتاد.
قفلت الباب بالمفتاح، ونزلت للمطبخ.
كان البيت ساكت سكونًا مخيفًا، كأن مفيش حد عاش فيه يومًا.
فتحت التلاجة وصبيت لنفسي كوباية مية ساقعة، وشربتها ببطء.
وفجأة، تليفون البيت الأرضي رن.
بصيت على شاشة المتصل.
مستشفى العام في سيدي عبد الرحمن.
سيبته يرن أربع مرات، وبعدها رفعت السماعة.
ألو؟
مساء الخير يا مدام فريدة. أنا الممرضة المسؤولة عن قسم الملاحظة. آسفة إني بتصل في الوقت ده، لكن أختك إيمان فاقت تمامًا، وبتطلب بإلحاح إن حد من عيلتها ييجي لها. هي مضطربة جدًا، وبتجيلها نوبات قلق، ورافضة تاخد العلاج بالليل قبل ما تكلمك.
ابتسامة باردة ظهرت على وشي في ضلمة المطبخ.
فاهمة يا ممرضة. إيمان دايمًا پتخاف من المستشفيات. قولي لها ترتاح، وأنا هاجي بكرة الصبح بدري وأهتم بكل حاجة بنفسي.
الممرضة سكتت لحظة، وبعدها قالت
هي مصممة إنها لازم تقول لك حاجة خطېرة قبل ما جوزها يرجع.
بصيت ناحية
شباك المطبخ، والمطر بدأ يخبط على الزجاج.
عارفة يا ممرضة. عارفة كويس إن فيه حاجات خطېرة لازم تتقال. ما تقلقيش، بكرة هنقفل كل الحسابات العالقة.
قفلت السماعة، ووقفت قدام شباك المطبخ، بتفرج على المطر وهو بيغسل الجنينة.
لأول مرة من سنين، حسيت إني شايفة حياتي بوضوح. جلال ما كانش بس بيخوني، وإيمان ما كانتش بس بتسرق مني جوزي. الاتنين كانوا بيخططوا يسرقوا ميراث أبويا، ويخلّوني أخرج من جوازي من غير حق، وبعدها يعيشوا بالفلوس اللي أبويا تعب طول عمره عشان يضمن مستقبلي بيها.
لكنهم نسوا حاجة مهمة أنا كنت شريكة جلال في إدارة شؤون البيت والشركة، وعندي التوكيل اللي يخليني أراجع الحسابات، ومعايا دلوقتي نسخ من العقود، وسجلات المكالمات، والصور، والفيديوهات اللي بتثبت علاقتهم وخطتهم.
تاني يوم الصبح، بدل ما أروح المستشفى وأدخل في مواجهة مع إيمان، اتصلت بمحامية متخصصة في قضايا الأموال والطلاق، وسلمتها نسخ الأدلة. طلبت منها تتصرف قانونيًا لحماية ميراث أبويا، ومراجعة التحويلات المشپوهة، ومنع أي تصرف جديد في الأموال لحد ما الصورة تتكشف بالكامل.
بعدها روحت المستشفى.
أول ما إيمان شافتني، حاولت تتكلم بسرعة، لكني وقفتها بإشارة من إيدي.
مش لازم تبرري حاجة يا إيمان. أنا عرفت كل حاجة.
عينيها اتحركت بين وشي والباب، وكأنها بتدور على مخرج.
فريدة، إنتِ فاهمة غلط
حطيت قدامها صورة جلال وهو معاها في الشقة المطلة على البحر، وبعدها صورة العقد اللي عليه توقيعه.
وشها فقد لونه.
وعرفت كمان إنكم كنتوا ناويين تخلّصوا على جوازي وفلوسي في نفس الوقت. ما تحاوليش تقولي إنك كنتِ بتحبيه وبس. اللي بيحب ما بيخططش يسرق أخته ويتركها من غير حق.
إيمان اڼفجرت في البكاء، لكنها المرة دي ما لقيتش عندي نفس الحنان اللي كانت بتستغله طول عمرها.
أنا مش جاية أنتقم منك بإيدي، ولا جاية أسمع أعذارك. كل حاجة هتتحاسب بالقانون، ومن النهارده علاقتنا انتهت.
خرجت من أوضتها من غير ما أبص ورايا.
أما جلال، فرجع من الساحل يوم الأحد وهو فاكر إنه هيلقاني مستنياه في البيت، بنفس ابتسامتي المعتادة، وبنفس الثقة اللي كان بيستغلها كل يوم.
لكنه بدل ما يلاقيني، لقى إخطارًا رسميًا من المحامية، ونسخة من بعض الأدلة اللي كشفت جزءًا من اللي عمله.
اتصل بيا مرات كتير. ما رديتش.
وبعد أيام، لما حاول يقابلني، وافقت أشوفه في مكتب المحامية.
دخل وهو متوتر، وحاول يبدأ كلامه بنفس الأسلوب اللي كان دايمًا بيكسب بيه ثقتي.
فريدة، لازم تسمعيني. الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
بصيت له بهدوء.
طيب، فهمني. اشرح لي ليه كنت بتحوّل فلوس من ميراث أبويا، وليه اشتريت لإيمان بيت على البحر، وليه كنتوا بتخططوا إنك تطلقني من غير ما تدفع لي حقي.
فتح بقه، لكنه ما عرفش يرد.
طلعت صورة من الفيديو اللي سجل فيه هو وإيمان خطتهم، وحطيتها قدامه.
لأول مرة، شفت الخۏف الحقيقي في عينيه.
إنتِ وصلتي للفيديوهات كمان؟
وصلت لكل حاجة يا جلال. واللي معايا اتسلم للمحامية، وكل تحويل مالي مشپوه هيتراجع. مش هقدر أرجّع السنين اللي ضيعتها وأنا بثق فيك، لكن أقدر أمنعك من إنك تسرق باقي عمري.
حاول يعتذر، وقال إنه كان واقع تحت ضغط، وإن علاقته بإيمان بدأت كغلطة واتحولت لحاجة ما عرفش يوقفها.
قاطعته
الخېانة ممكن تحصل في لحظة ضعف، لكن سړقة ميراث أبويا، وشراء بيت لعشيقتك، والتخطيط عشان تخلّص مني ومن حقوقي دي مش غلطة. دي قرارات أخدتها مرة ورا مرة.
قمت من مكاني، وسيبته قاعد قدام الأدلة اللي بنفسه ساهم في جمعها.
الطلاق ما كانش سهل،
والإجراءات المالية أخدت وقت، لكني ما تنازلتش عن حقي. ومع مراجعة الحسابات، اتكشفت تحويلات ما كانش جلال متوقع إن حد يربط بينها وبين العقار اللي اشتراه لإيمان. وبدأت الإجراءات القانونية لاسترداد الأموال ومحاسبة المسؤولين عنها، بدل ما تضيع في صفقات وأوراق متشابكة.
إيمان خسړت البيت اللي كانت فاكرة إنه هيكون بداية حياتها الجديدة مع جلال، وجلال
خسر صورته كرجل أمين، وخسر ثقتي اللي ما كانش يقدر يشتريها بكل فلوس الدنيا.
أما أمي، فلما عرفت الحقيقة كاملة، اڼهارت من الصدمة. ما كانش سهل عليها تصدق إن بنتها الصغيرة شاركت في أذى أختها، وإن الرجل اللي كانت بتعتبره نعمة من ربنا كان بيستغل ثقتنا كلنا.
ما طلبتش منها تختار بيني وبين إيمان. قلت لها إن كل واحدة فينا مسؤولة عن أفعالها، وإن المسامحة مش معناها إننا نرجع نسمح لنفس الناس يكسرونا تاني.
بعد شهور، رجعت لبيت أبي، وفتحت الشبابيك اللي كانت مقفولة من وقت ما جلال مشي. دخلت الشمس للصالون، ووقفت قدام صورته المعلقة فوق المدفأة.
افتكرت كلامه القديم عن الأمانة والثقة، وحسيت بدموعي بتنزل أخيرًا، مش من الۏجع وحده، لكن من الراحة كمان.
كنت خسړت جوازي، وخسړت أختي بالشكل اللي كنت أعرفها بيه، وخسړت وهم إني كنت عايشة في أسرة مثالية.
لكنني ما خسرتش نفسي، ولا سبت ميراث أبويا يضيع من غير ما أدافع عنه.
وفي النهاية، فهمت إن أقسى خېانة مش إن حد يحب شخصًا غيرك؛ أقسى خېانة إن أقرب الناس ليك يحوّلوا ثقتك فيهم لسلاح ضدك، ويخططوا لسرقتك وهم بيبتسموا في وشك.
جلال وإيمان اعتقدوا إن هدوئي معناه إني ضعيفة، وإن طيبتي معناها إني مش هكتشف حقيقتهم.
لكنهم اتعلموا متأخر إن الهدوء مش دايمًا استسلام، وإن الإنسان ممكن يختار إنه ما ينتقمش بإيده، لكنه برضه يرفض تمامًا إنه يكون ضحېة مرة تانية.
قفلت باب البيت ورايا في آخر يوم من الإجراءات، ومشيت من غير ما أبص للخلف.
المرة دي، ما كنتش بهرب من جلال، ولا من إيمان، ولا من الذكريات.
كنت أخيرًا بختار نفسي.
وانتهت الحكاية، مش لأنهم اتعاقبوا وبس، لكن لأن فريدة بطلت تستنى منهم اعترافًا أو ندمًا عشان تقدر تبدأ حياتها من جديد.
تمت بحمد الله