سر الزجاجة محمد نور
المحتويات
الفستان.
صدقتهم.
يا لسذاجتي!
طلبت من شركة الاتصالات بيانات أبراج الشبكة المرتبطة بالرقم، وبدأت أقارن المواقع بالتواريخ.
كل يوم سبت تقريبًا، كان الرقم موجود في نفس المكان برج رقم 408، على ساحل خليج شمالي، بالقرب من مجمع سكني خاص اسمه تراسات البحر.
جلال عمره ما قال لي إن عنده عملاء هناك.
بدل ما أرجع البيت، روحت شقة إيمان في وسط البلد. كان معايا نسخة من مفتاحها، لأنها كانت دايمًا بتقول لي إن البيت مفتوح لي في أي وقت.
أول ما دخلت، عرفت إن فيه حد كان موجود من وقت قريب.
هدوم مرمية في كل مكان، وكوبايات مشروب فوار على الترابيزة، وأعقاب سجائر بنكهات غريبة في طبق صغير.
لبست جوانتي خفيف، وبدأت أفتش بهدوء.
في أوضة النوم، لقيت صورة عائلية مؤطرة، أنا وإيمان فيها بنضحك وهي حاضناني وبايسة خدي. الصورة دي كانت هدية مني ليها.
رفعتها، ولقيت وراها صورة فورية تانية.
جلال، من غير قميص، واقف في أوضة زجاجية مطلة على البحر. وإيمان لابسة قميص أبيض رجالي، وعاملة سنانها في ودنه وهي بتضحك.
قلبت الصورة.
كان مكتوب بخط إيمان
لحبي الوحيد، وسيدي اللي محدش يعرف عنه حاجة لحد ما تزهق أخيرًا من تمثيلية الجواز المثالي مع أختي الباردة. دايمًا ليك. أغسطس 2025.
قريت الكلمات مرتين.
أختي الباردة.
الإنسانة اللي وقفت جنبها في كل أزمة، ودفعت مصاريفها لما كانت بتتعثر، وكنت بعتبرها أقرب حد ليا كانت بتوصفني بالطريقة دي، وهي بتاخد جوزي من ورايا.
صورت الصورة من الناحيتين، ورجعتها مكانها.
في الدولاب، لاحظت خزنة رقمية صغيرة. جربت تاريخ ميلاد إيمان، وبعده تاريخ ميلاد جلال، لكن الاتنين كانوا غلط.
بصيت للأزرار. الأرقام 1 و و كانت أوضح من الباقي، كأنها اتستخدمت كتير.
افتكرت تاريخ جوازنا 14 أكتوبر 2018.
دخلت الأرقام، وسمعت صوت الخزنة وهي بتفتح.
جواها كان فيه دفتر حسابات، ودفتر شيكات خاص بالشركة، وظرف جلدي بني جاي من مكتب توثيق في الساحل.
فتحت الظرف.
كان فيه عقد شراء رسمي لدوبلكس رقم 14B في تراسات البحر، باسم إيمان فيصل، غير متزوجة، عندها تلاتة وعشرين سنة، ومن غير مهنة مسجلة.
سعر العقار كان يعادل سبعمية وتمانين ألف يورو، مدفوع على تحويلتين بنكيتين، من غير قرض عقاري.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في آخر صفحات العقد.
توقيع جلال ظهر بصفته ضامنًا مشتركًا ومصدرًا للأموال.
أرقام الحسابات كانت مطابقة لحساب صندوق الاستثمار اللي أبويا سابه ليا قبل ۏفاته، وطلب من جلال يديره بحكم خبرته في الحسابات والاستثمار.
أبويا كان واثق فيه ثقة عمياء.
كان شايفه راجل أمين، وهيحافظ على فلوس بنته.
لكن جلال ما اكتفاش إنه يخونني مع أختي الصغيرة اللي ساعدنا في تربيتها. ده كان بيسحب فلوس ميراث أبويا، وبيشتري لها بيت على البحر، وبيخططوا سوا إزاي يتخلصوا مني ومن حقي في الفلوس.
صورت صفحات العقد كلها، وعددها تمانية وعشرين صفحة، مع الأختام والتوقيعات وأرقام التوثيق.
رجعت كل حاجة مكانها، وقفلت الخزنة، وخرجت من الشقة من غير ما أسيب ورايا أي أثر.
كنت لسه فاكرة إن اللي لقيته هو أسوأ حاجة ممكن أعرفها.
لكن الحقيقة كانت أفظع.
لما وصلت للدور الأرضي، موبايلي رن في جيب الجاكيت.
رسالة من جلال
يا حبيبتي، وصلت فندق الشغل في الساحل. الاجتماعات كانت متوترة بسبب تأخير الصبح، بس كله ماشي تمام. عرفتي تكلمي دكاترة إيمان؟ لسه مستقرة؟ أنا قلقان عليها قوي، بس عارف إنك هتتصرفي. بحبك، وهنكلم بعض قبل النوم.
بصيت للشاشة بابتسامة باردة.
كتبت له
إيمان
لسه تحت الملاحظة، وكل حاجة تحت سيطرة الأطباء. ركز في شغلك يا حبيبي، واتأكد إنك تقفل كل الحسابات العالقة في الساحل. أنا ههتم بنفسي إن عيلتنا تاخد بالظبط اللي تستحقه.
ظهرت علامتا القراءة الزرقاوان بسرعة.
رد بقلب أحمر
إنتِ أحسن ست في العالم. شكرًا إنك دايمًا سندي.
قفلت الموبايل وركبت عربيتي.
كانت الساعة أربعة العصر، والسما بدأت تتحول للون برتقالي باهت. سقت ناحية بيت أمي، في الفيلا الكبيرة اللي كانت عايشة فيها في الحي السكني الشمالي.
قبل ما أدق الجرس، أخدت نفسين عميقين، ورسمت على وشي ملامح البنت البارة اللي جاية تطمن أمها، مش الست اللي اكتشفت إن جوزها وأختها بيخططوا لسرقتها.
أمي فتحت الباب، لابسة فستانها البيج المعتاد وشال الكشمير على كتافها.
فريدة يا بنتي! إيه المفاجأة الحلوة دي في يوم جمعة؟ وفين جلال؟ كنت فاكراكم مسافرين سوا.
دخلت الصالون، وقعدت في الكرسي اللي كان أبويا بيحبه.
جلال في الساحل، بيخلص شوية استثمارات حساسة يا ماما. بس أنا جيت عشان لازم نتكلم عن إيمان.
أمي اتجمدت مكانها، وكوباية الشاي وقفت في إيدها.
إيمان؟ مالها بنتي؟ حصل لها حاجة؟
مفيش حاجة خطېرة يا ماما، ما تقلقيش. جالها حساسية الصبح وهي في الطريق، ودخلوها المستشفى للاحتياط. هتبات الليلة تحت الملاحظة.
أمي شهقت وحطت إيدها على صدرها.
يا رب! ليه ما اتصلتوش بيا فورًا؟ لازم أروح أشوفها حالًا!
قمت ومسكت إيدها بحنان مصطنع.
ملوش لازمة تروحي النهارده. هي نايمة تحت تأثير العلاج، ولو روحتي هتتعبي من منظر الأجهزة والخراطيم. بكرة تبقي أحسن، وتروحي تشوفيها.
بصت لي بعينين مليانين دموع.
عندك حق. إنتِ دايمًا عاقلة يا فريدة. أبوكي كان بيقول إنك مرسى المركب ده. بس مين قاعد معاها هناك؟
ما تقلقيش، محدش سايبها. جلال وعد إنه يرجع بدري يوم الأحد، ونروح نزورها سوا.
أمي مسحت دمعة بطرف منديلها وقالت
جلال ده راجل نادر. أبوكي كان محظوظ إنه اختاره ليكي. أي راجل تاني كان ممكن يبعد عن مشاكل أخت مراته، لكن جلال بيحافظ عليها كأنها من دمه.
حسيت بۏجع حاد في صدري، لكني فضلت باصة في عينيها.
أيوه يا ماما. بيحافظ عليها بالظبط كأنها من دمه.
فضلت معاها لحد الساعة سبعة بالليل. عملت لها شاي يانسون، واتأكدت إنها خدت دوا الضغط، وبعدها استأذنت ومشيت.
لما وصلت البيت، كان الليل غطى المدينة، والهواء البارد بيحرك ورق الشجر على الرصيف.
دخلت الفيلا اللي أنا وجلال اخترنا كل تفصيلة فيها سوا في أول سنين جوازنا.
البيت كان ضلمة كاملة.
ما شغلتش نور المدخل. طلعت السلم حافظه كل خطوة، لحد ما وصلت لمكتب جلال في الدور العلوي.
باب المكتب كان دايمًا مقفول بمفتاح لما يسافر.
كان بيقول لي
دي ملفات سرية لعملاء كبار يا فريدة. لو الضرائب أو المنافسين عرفوا عنها حاجة، ممكن ندخل في مشاكل قانونية.
وكان دايمًا يحتفظ بالمفتاح في جيب محفظته.
لكن قبل ما أبدأ أشك في سفره بأسبوع، كنت بنظف دولاب المعاطف، ولقيت ميدالية مفاتيح تانية منسية في جيب معطف قديم ما لبسوش من سنين.
طلعت المفتاح الصغير من محفظتي، وحطيته في القفل.
الباب اتفتح بسهولة.
ريحة التبغ الهولندي والورق القديم وملمع الأثاث استقبلتني. قفلت الباب ورايا، ونزلت الستائر، وبعدها شغلت لمبة المكتب الخضرا.
كمبيوتر جلال كان مطفي.
ضغطت زر التشغيل، وبعد ثوانٍ ظهرت شاشة تسجيل الدخول.
جلال كان بيستخدم نظام أمان معقد لحساباته البنكية، لكنه كان مهمل في كلمة سر الكمبيوتر.
كتبت رقم لوحة أول عربية اشتريناها سوا بعد الجواز 3842KLR.
الجهاز فتح فورًا.
ظهرت قدامي مجلدات بأسماء عادية تدقيقات 2024، استقطاعات ضريبية، ميزانيات الربع
الثالث، ومحفظة التأمينات.
كل حاجة شكلها منظم ونظيف، بالظبط زي الصورة اللي جلال كان بيحب يظهر بيها قدام الناس.
بدأت أراجع الأقراص، وفعّلت إظهار الملفات المخفية.
في القرص التاني، وبعد سلسلة مجلدات بأسماء تقنية، لقيت ملفًا مضغوطًا حجمه أربعة عشر جيجابايت،
متابعة القراءة