سر الزجاجة محمد نور
المحتويات
متغير، وكانت بتقاوم عشان تقدر تتنفس.
دفعت نفسي وسط الناس، وعيني بتدور على جلال.
وفجأة، شفت الست اللي كانت بتختنق.
اتسمرت مكاني، وحسيت إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي.
الست دي ما كانتش عشيقته المجهولة.
كانت إيمان أختي الصغرى!
وبجانبها، كان جلال قاعد على الأسفلت، مڼهار في العياط، وماسك إيديها وبيبص لها بړعب وندم، كأنه خاېف يخسرها.
نفس جوزي اللي طول تمان سنين كان بيحضني ويقول لي إني أهم إنسانة في حياته، كان قاعد جنب أختي، في مشهد ما كنتش أتخيل أشوفه حتى في أسوأ كوابيسي.
بصيت له، وبعدين بصيت لها، وعقلي رفض يستوعب اللي قدامي.
إيه اللي جاب أختي لعربية جوزي؟
وليه كان بيعيط عليها بالشكل ده؟
وإيه سر الإزازة اللي فضلت سنين مخبيّة الحقيقة عني؟
الجزء الثاني والأخير
اكتشفت خېانة جوزي مع أختي لكن اللي اكتشفته بعد كده كان أخطر من الخېانة بكتير!
وقفت قدام محطة البنزين وأنا مش مصدقة اللي شايفاه.
جلال، جوزي اللي عشت معاه تمن سنين، كان راكع على الأرض جنب أختي الصغيرة إيمان، وبيحاول يساعدها تتنفس. شفايفها كانت وارمة، ووشها بيقلب للأزرق، وهي بتشهق كأنها بټصارع المۏت.
أول ما شافني، رفع عينيه ليا وقال بصوت مهزوز
فريدة! الحمد لله إنك جيتي! إيمان تعبت فجأة!
بصيت له، وبعدين بصيت لإيمان اللي كانت بتترعش وبتحاول تسحب الهوا بصعوبة.
إيه اللي حصل؟
جلال بلع ريقه، وبص ناحية صاحبه ممدوح اللي كان واقف جنب العربية ووشه مليان ارتباك.
قابلناها بالصدفة عند التحويلة اللي على الطريق. كانت عطشانة، وشربت شوية من إزازة الشاي بالليمون اللي في العربية. فجأة بدأت تختنق وتقع على الأرض.
بصيت للإزازة اللي كان بيحتفظ بيها دايمًا في عربيته، وافتكرت أثر الروج الأحمر المعدني اللي لقيته عليها، والست نقط من زيت الخردل الهندي المركز اللي ضفتهم لمشروبه بسبب حساسيته الشديدة منه.
كنت فاكرة إن اللي هيشرب من الإزازة هو جلال.
لكن اللي كانت بتختنق قدامي هي أختي.
وصلت الإسعاف بسرعة، والمسعفون بدأوا يتعاملوا مع إيمان، وبعدها نقلوها لمستشفى العام في سيدي عبد الرحمن.
جلال حاول يركب معاهم، لكنه رجع وقف جنبي وقال
روحي إنتِ معاها يا فريدة، وأنا هخلص حاجة ضرورية وأحصلك.
بصيت له باستغراب مصطنع.
مش هتيجي معانا؟
هاجي طبعًا، بس لازم أتصرف في موضوع صغير الأول.
سابني وراح ناحية ممدوح، واتكلم معاه بصوت واطي. ما سمعتش الكلام، لكن نظراتهم كانت كفاية عشان أفهم إن فيه حاجة أكبر من مجرد حاډث.
استنيت لحد ما عربية الإسعاف اختفت من الطريق، وبعدها مشيت ناحية عربية جلال.
فتحت الشنطة الخلفية. الإزازة اختفت، غالبًا المسعفين أخدوها عشان يفحصوا محتوياتها. لكن آثار السائل المسكوب كانت لسه موجودة.
وأنا ببص حواليا، لاحظت إن العجلة الاحتياطية مش راكبة بإحكام.
رفعتها، ولقيت شنطة سفر زرقا مستخبية تحتها.
عرفتها فورًا.
دي شنطة إيمان اللي كانت بتاخدها معاها كل ما تقول إنها هتقضي يومين عند صاحبتها.
فتحتها، ولقيت جواها لانجيري أسود ونبيتي، وبرفان ياسمين، وأحمر شفاه معدني أحمر.
نفس اللون اللي كان سايب أثره على إزازة جلال.
قلبي دق پعنف، لكن إيدي فضلت ثابتة. صورت محتويات الشنطة، وخدت أحمر الشفاه، ورجعت كل حاجة مكانها زي ما كانت.
قفلت الشنطة، وثبت العجلة، وركبت عربيتي.
كنت رايحة المستشفى، لكن المرة دي ما كنتش رايحة كزوجة خاېفة على أختها.
كنت رايحة وأنا بدأت أفهم إن الخېانة اللي قدامي مجرد أول خيط في شبكة أكبر بكتير.
لما وصلت المستشفى، لقيت جلال واقف في الممر، بيلف حوالين نفسه وبيمسح وشه بإيديه.
أول ما شافني، جري ناحيتي.
فريدة، الحمد لله إنك وصلتي! الدكتور
قال إن حالتها كانت خطېرة جدًا. مجرى التنفس عندها ورم، ولولا حقنة الأدرينالين والكورتيزون، كان ممكن تختنق وټموت.
وبعدين قال من غير ما ياخد باله
كانت بين إيديا ومش عارف أعمل لها حاجة!
سكت لحظة، وبعدها حاول يصلح كلامه
أقصد أختك كانت بين إيدينا كلنا.
هزيت راسي كأني مصدقاه.
بعد شوية، خرج الدكتور وقال إن حالة إيمان استقرت، لكن لسه فيه تورم في اللسان والحلق، ولازم تفضل تحت الملاحظة أربع وعشرين ساعة.
مسموح لشخص واحد بس يدخل لها خمس دقايق.
قلت لجلال
ادخل إنت الأول. أكيد محتاجة تشوف حد تعرفه.
دخل، وأنا فضلت واقفة بره، ببص من الشباك الصغير اللي في الباب.
اللي شفته جمد الډم في عروقي.
جلال كان راكع جنب سريرها، ماسك إيدها وبيبوس صوابعها بحنان عمري ما شفته منه معايا. وإيمان كانت بتمسح دمعة من على خده، وباصاله بنظرة امتلاك واضحة.
طلعت موبايلي وصورتهم من خلال الزجاج.
صورة ورا صورة، لحد ما بقى معايا سبع صور واضحة، وكل صورة عليها وقتها وتاريخها.
لما خرج جلال، خبّيت الموبايل وفتحت مجلة كنت ماسكاها.
هي عاملة إيه؟ سألني.
هادية؟
آه، الدكتور قال إنها مستقرة. بس شكلها مش قادرة تتكلم كتير.
دخلت أنا بعدها.
إيمان كانت ممددة على السرير، والأجهزة حوالينها بتصدر أصوات منتظمة. أول ما شافتني، عينيها اتسعت، وحاولت ترفع راسها.
قربت منها وقلت بصوت واطي
ما تتحركيش. أنا جاية أقول لك حاجة واحدة بس.
بصت لي پخوف.
الشنطة الزرقا بتاعتك لسه في شنطة عربية جلال، تحت العجلة الاحتياطية.
وشها شحب.
كملت وأنا بابتسم ابتسامة صغيرة
ما تقلقيش، أنا ما قلتش له إني لقيتها. ومش هقول له لو إنتِ كمان عرفتي تفضلي هادية.
حاولت تفتح بقها، لكني رفعت إيدي أوقفها.
ما تتكلميش دلوقتي. أي توتر زيادة ممكن يرفع نبضك ويخلي الأجهزة تكشف إنك مضطربة. ارتاحي، وفكري كويس قبل ما تقرري هتقولي إيه لمين.
خرجت من الأوضة، ولما جلال سألني عنها، قلت له إنها كانت شبه نايمة ومش مركزة.
وبعدين قلت له
إنت عندك شغل في الساحل، صح؟ الأفضل تروح تخلصه وترجع الأحد بدري. أنا هفضل معاها، وهكلم ماما لما أطمن عليها أكتر.
بص لي بإعجاب واضح.
إنتِ أقوى واحدة أعرفها يا فريدة. مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك.
ابتسمت له.
وأنا كمان مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك يا جلال.
ما كانش عنده أي فكرة عن المعنى الحقيقي لكلامي.
بعد ما مشي، ما رحتش بيت أمي زي ما قلت له. ركبت عربيتي وتوجهت لمقر شركة الاتصالات الرئيسي.
كان معايا توكيل رسمي عام من جلال، عملناه من سنين لما فتح مكتب الاستشارات المالية بتاعه. كنت بتولى فواتير البيت والشركة والضرائب، وعشان كده قدرت أطلب كشف تفصيلي للأرقام المسجلة على حسابات الشركة.
طلبت سجلات آخر تلات شهور لثلاثة خطوط مرتبطة بالشغل، من ضمنها خط إضافي مفتوح من حوالي سنة ونص، باشتراك غير محدود.
لما الموظف سلمني البيانات، حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
أكتر من أربعة آلاف وخمسمية ساعة مكالمات بين رقم جلال الشخصي والرقم الثالث خلال تمنتاشر شهر.
مكالمات في نص الليل، والساعة سبعة الصبح، وليالي الجمعة، وفي أوقات كان بيقول لي فيها إنه في اجتماعات أو مسافر لمقابلة عملاء.
حفظت الرقم على موبايلي واتصلت بيه.
رد البريد الصوتي بصوت إيمان
أهلًا، ده الرقم الخاص بإيمان. لو إنت الشخص اللي في بالي، بطل تضيّع وقت وتعالى خدني دلوقتي.
قفلت المكالمة من غير ما أسمع باقي الرسالة.
صوتها كان كفاية.
افتكرت ليلة من حوالي سبع شهور، لما دخلت غرفة الغسيل ولقيت جلال بيساعد إيمان تخلع فستان
السهرة. كان ماسك كوباية، وهي بتضحك وبتقول إنها مش قادرة تفك السوستة.
جلال وقتها قال إنها كانت سکړانة بعد سهرة، وإنه كان بيحاول يساعدها من غير ما يبوظ
متابعة القراءة