سر الزجاجة محمد نور
بعد ما جوزي خرج من البيت ب دقيقة، صاحبه اتصل بيا وهو پيصرخ الحقيني يا فريدة! جلال حصله مصېبة! ولما وصلت، اكتشفت إن الست اللي كانت بتختنق قدامي هي آخر واحدة كنت أتخيل أشوفها معاه!
بعد أربعين دقيقة بالظبط من خروج جوزي جلال مهران بعربيته رايح الشغل، رن تليفوني. كان ممدوح، صاحبه المقرّب، وصوته بيرتعش من الړعب لدرجة إني بالعافية فهمت كلامه.
يا فريدة، تعالي بسرعة على محطة البنزين اللي في الكيلو أربعين! حصلت مصېبة لجلال!
بصيت على ساعة المطبخ، وحطيت فنجان القهوة بهدوء على الرخامة، رغم إن قلبي كان بيدق پعنف.
لأن في نفس الصبح، قبل ما جلال يخرج من البيت، كنت حطيت ست نقط من زيت الخردل الهندي الحارق في إزازة الشاي المثلج اللي دايمًا بيحتفظ بيها في عربيته.
عملت كده بعد ما اكتشفت في اليوم اللي قبله علامة روج أحمر لامع على فوهة الإزازة.
درجة أحمر جريئة مش من درجات الروج اللي عندي، والأغرب إن الإزازة دي بقالها سنين في عربيته، وكان بيتعامل معاها كأنها حاجة غالية جدًا، رغم إن نصها فاضي من زمان.
طول عمري كنت فاكرة إنها مجرد عادة غريبة عنده.
لكن أول ما شفت أثر شفايف ست تانية عليها، الشك بدأ ياكل قلبي.
ما واجهتوش، ولا صړخت، ولا فتشت موبايله. رجّعت الإزازة مكانها بالظبط، وقررت أراقب من بعيد.
كنت عايزة أعرف مين الست اللي بتشرب من إزازة جوزي، وليه؟
ما كنتش أعرف إن الإجابة هتيجي أسرع بكتير مما توقعت، وإنها هتقلب حياتي كلها في لحظة واحدة.
أنا وجلال متجوزين بقالنا تمان سنين. ولو كنت سألتني من كام شهر إذا كنت سعيدة معاه، كنت هبتسم من قلبي وأقول لك إني محظوظة بأحسن جوز في الدنيا.
جلال كان هادي وحنين، عمره ما علي صوته عليّا، وكان بيعرف يخليني أحس بالأمان من أبسط تصرفاته.
طول سنين جوازنا، عمرنا ما دخلنا في خناقة كبيرة، ولا حد فينا ساب البيت وهو زعلان من التاني.
وكان شغله كمستشار مالي حر بيخليه يسافر كتير، وأحيانًا كان بيروح المدينة الساحلية اللي جنبنا مرتين أو تلاتة في الشهر، عشان يقابل عملاء كبار.
كان دايمًا يشرح لي إن عنده حسابات شركات قديمة وحساسة، وإن العملاء دول متعودين يتعاملوا معاه شخصيًا من أول ما بدأ شغله.
وأنا عمري ما اعترضت على سفره.
بالعكس، كنت بنفسي أجهز له شنطته، وأطوي قمصانه، وأحط له كل حاجة ممكن يحتاجها.
جلال كمان كان بيعاني من التهاب مزمن في المعدة، وكان لو فوّت وجبة واحدة، بطنه توجعه لدرجة إنه ساعات ما يقدرش يقف مستقيم.
وعشان كده، كنت بحط له بسكويت وسناكس خفيفة في الجيوب الجانبية لشنطته، خوفًا من إن اجتماعاته تطول وما يلاقيش وقت ياكل.
وكان كل مرة يحضني ويهمس في ودني
أنا مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك يا فريدة. وجودك في حياتي نعمة كبيرة.
سمعت الكلام ده تمان سنين كاملة، وصدقته بكل قلبي.
كنت فاكرة إن جوازنا مبني على حب حقيقي، وإن مفيش حاجة في الدنيا ممكن تهز الثقة اللي بينا.
لكن كان فيه تفصيلة واحدة عمري ما قدرت أفهمها.
إزازة شاي بالليمون، رخيصة وعادية، كان دايمًا سايبها في جنب العربية.
الغريب إن السائل اللي جواها كان بيفضل نص الإزازة بالظبط، شهر ورا شهر، ومع ذلك جلال ما كانش بيرميها أبدًا.
في الأول ما اهتمتش. قلت يمكن بيحب يحتفظ بيها عشان يشرب منها وهو سايق في الطرق الطويلة.
وفي يوم، وأنا راجعة من السوبر ماركت، اشتريت له إزازتين جداد من نفس النوع، وحطيتهم جنب
الإزازة القديمة في العربية.
قلت لنفسي إنه أول ما يخلص اللي فيها، هيفتح واحدة من الجداد.
لكن بعد تلات أيام، فتحت شنطة العربية عشان أحط شوية حاجات، واكتشفت إن الإزازتين الجديدتين لسه مقفولين زي ما هما، بينما الإزازة القديمة اختفت!
افتكرت إنه أخيرًا اقتنع يرميها.
لكن بعد أسبوع، لقيتها رجعت مكانها تاني، بنفس الملصق المتقشر، وبنفس كمية السائل اللي جواها.
استغربت، وقررت أسأله.
في نفس الليلة، وهو بيخلع جزمة الشغل عند باب البيت، قلت له
بقولك يا جلال، هو إنت بتحب الشاي ده أوي كده؟ أنا اشتريت لك إزازتين جداد، ولسه ما فتحتهمش، ومتمسك بالإزازة القديمة دي ليه؟
رفع عينه ليا وضحك باستخفاف.
يا حبيبتي، دي حاجة بسيطة. ساعات ببقى سايق لساعات في طرق مفيهاش محلات، والإزازة دي بتبقى معايا لو عطشت فجأة.
بصيت له وقلت بقلق
بس السائل ده بقاله أسابيع جوه! البلاستيك مع الشمس ممكن يضرّك، وإنت أصلًا معدتك تعبانة.
ابتسم وقال بمنتهى الهدوء
عندك حق، ما تقلقيش. أول ما أقف في محطة بنزين، هغيّرها بواحدة جديدة.
كان بيتكلم بثقة وبنظرة صافية خلتني أحس إني مكبّرة الموضوع من غير داعي.
فسكت.
قلت لنفسي معقول أشك في جوزي وأهدّ بيتي عشان إزازة شاي رخيصة؟
وقتها، ما كانش عندي أي دليل حقيقي يخليني أشك في وفائه.
لكن الحقيقة بدأت تظهر من يومين بس.
كان يوم خميس حر، وعربيتي كانت في الورشة عشان صيانة الفرامل. ولما احتجت أجيب شوية طلبات ضرورية للعشا، أخدت مفاتيح عربية جلال وروحت السوبر ماركت.
بعد ما خلصت، حطيت الأكياس في الشنطة، ولما وصلت البيت وبدأت أطلع آخر الحاجات، خبط كوعي في الإزازة اللي كانت محطوطة في الجنب.
وقعت على الفرش، والغطاء ما كانش مقفول كويس، فاتسكب شوية من السائل على إيدي.
اتنهدت بضيق، ومسكت منديل عشان أنضف المكان، وبعدها رفعت الإزازة وأنا مقررة أرميها في الژبالة وخلاص.
لكن قبل ما أرميها، رفعتها ناحية نور الشمس عشان أشوف فوهتها كويس.
وفي اللحظة دي، جسمي كله اتجمد.
على الحافة الشفافة للإزازة، كان فيه أثر روج أحمر معدني لامع، واضح وطازة، كأن واحدة كانت لسه شربت منها من ساعات قليلة.
حسيت ببرودة غريبة بتسري في جسمي.
جلال عمره ما استخدم مرطب شفايف، وأنا ما كنتش ركبت عربيته من أسبوعين.
يبقى مين الست اللي شربت من إزازته؟
وليه الإزازة دي بالذات؟ وليه بيخبيها بالشكل ده؟
في اللحظة دي، كل الأعذار اللي كنت بقولها لنفسي بدأت ټنهار.
دخلت المطبخ، وجبت زيت الخردل الهندي المركز، اللي جلال عنده حساسية شديدة منه من وهو طفل، ونزلت ست نقط في الإزازة.
رجّيتها كويس. لون الشاي ما اتغيرش، وريحة الليمون غطت على أي ريحة غريبة.
كنت عايزة أعرف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.
لو جلال فعلًا بيحتفظ بالإزازة لمجرد إنه يشرب منها وقت العطش، مش هيكون فيه أي سبب يخليه يشرب منها بعد ما يلاقي مية جنبه.
لكن لو فيه حد تاني بيستخدمها سرًا، فممكن يمد إيده ليها من غير ما يفكر.
رجّعت الإزازة مكانها، وقفلت شنطة العربية، وفضلت مستنية.
ما كنتش متخيلة إن التجربة دي هتجيب لي الإجابة بعد ساعات قليلة، ولا إن الإجابة نفسها هتكون أقسى من أي خېانة كنت متوقعاها.
والآن، بعد مكالمة ممدوح المرعِبة، وصلت محطة البنزين في الكيلو أربعين.
كان المكان مليان ناس، وعربيتين شرطة واقفين بأنوارهم الزرقا، وإسعاف أبوابه الخلفية مفتوحة.
نزلت من عربيتي وجريت وسط المتجمعين، وقلبي پيصرخ من الخۏف.
كنت متوقعة أشوف جلال على نقالة، بيتلوى من الألم بسبب زيت الخردل.
لكن أول ما وصلت، سمعت صوت كحة عڼيفة، وصړاخ متقطع، وشفت المسعفين بيحاولوا يساعدوا واحدة
مرمية على الأرض، شفايفها وارمة، ووشها