رواية كامله
دموعه بكم التي شيرت وبص لي بثقة جديدة
ماما..
عيونها؟
أنا آسف.. إني قلت إني مكسوف من شغلك في المول.
حسيت بغصة حارة في زوّار حلقي
مقبولة يا حبيبي، وشكراً إنك قلتها بصدق.
بابا قال لي إنك بتشتري وتتعبي عشاننا كلنا، وإنه غلطان.
أنا بشتغل عشان أبقى قوية وأقدر أصرف على نفسي وعليك باحترام، قلتها بكل فخر. وشغل الشريف عمره ما كان عيب.. البيع والشراء زي أي شغل محترم تاني.
ياسين ابتسم وهز راسه بالموافقة.
وبعدين مسك إيدي بإحساس دافئ
تيجي نجري سوا تاني في المرة الجاية؟
ضحكت بصوت عالي
يلا لحد خط النهاية!
دخلنا السباق سوا، وخلصناه في الآخر خالص مع الناس الأواخر.
بس ابني كان بيجري وهو بيضحك ومتمسك في إيدي بكل قوته.
والضحكة دي كانت عندي بالدنيا وما فيها.
اللقاء الأخير مع العيلة القديمة
إجراءات الطلاق خلصت رسمياً بعدها بشهور.
اتفقنا على نظام حضانة مشتركة ومواعيد زيارة واضحة تضمن راحة ياسين النفسية ومصلحته أولاً.
الموضوع ما كانش انتصار طرف على التاني.
ده كان ميلاد جديد لطريقة عيش أصح وأسلم.
في يوم رحت البيت القديم عشان ألم آخر أوراق وأغراض تخصني، وحماتي هي اللي فتحت لي الباب.
كانت بانت أكبر سناً وظهرها منحني شوية.
حنان.. قالتها بصوت خاڤت مكسور. سمعت إنك بقيتِ مسؤولة كبيرة في شغلك.
الحمد لله يا طنط.
مبروك.. بجد فرحت لك.
سكتت مستنية أشوف هتقول إيه تاني.
بصت على إيدي اللي كانت لسه فيها آثار خفيفة للچرح القديم
يومها.. عمك ما كانش مفروض يمد إيده عليكِ ويضربك بالقلم.
فعلاً.. ما كانش المفروض.
حماتي نزلت عيونها في الأرض بأسف
ولا إحنا كان المفروض نتعامل معاكِ وكأنك جارية أُجبرت تخدمنا من غير رأي.
كلمات كنت بستناها وبحلم أسمعها سنين طويلة.
بس لما قالتها أخيراً، حسيت إني مبقتش محتاجة لسماعها عشان أكمل طريقي.
أتمنى تكونوا كلكم كويسين وبصحة جيدة، قلتها بإنسانية.
وكنت صادقة فيها.
أنا مبقتش محتاجة أشوفهم بيعطشوا عشان أحس إني كويسة.
ولا محتاجة أرجع للبيت ده عشان أثبت لحد إني كنت صح.
قبل ما أتحرك، سألتني بصوت يغلب عليه الندم
تفتكري يا حنان.. ممكن يجي يوم وتسامحينا على اللي عملناه؟
فكرت في الليالي الطويلة من غير نوم، الأكل اللي كنت بعمله وأنا مېتة من السخونية، والإهانات قدام ابني.
ممكن.. بس السماح مش معناه أبداً إني أرجع أعيش معاكم تاني.
خرجت من الباب، وقفلت ورايا من غير ما ألفت ورايا ولا مرة واحدة.
الحياة اللي اخترتها لنفسي
بعد سنة كاملة من الليلة دي في التاكسي، كانت حياتي اتبدلت ٣٨٠ درجة وبقت أحسن بكتير.
كنت لسه بشتغل وبتعب.
ولسه بتقابلني أيام صعبة
وفواتير ومسؤوليات.
بس الفرق إني بقيت أنا صاحبة القرار، وأنا اللي بقرر أوجّه وقتي وجهدي فين.
بدأت أخد كورسات في إدارة الأعمال وتطوير الذات. شقتي بقى فيها زرع أخضر جميل جنب الشباك، وأوضة مخصصة لياسين لوحده.
في الويك إند اللي بيقضيه معايا، بنعمل فطار مصري أصيل، بننزل نتمشى في النيل أو البارك، ونلعب مكعبات مع بعض.
وفي يوم، دخل عليّ وماسك في إيده علبة كرتون صغيرة
ماما.. جبت لك هدية.
فتحتها، ولقيت فيها مجسم مصنوع من مكعبات البلاستيك.
ست بشعر طويل أسود، لابسة جزمة حمراء وعباية زرقاء جميلة.
مين دي؟ سألت بضحكة.
ياسين ابتسم بفخر
أنتِ يا ماما.
ليه لابسة عباية فيها لون أزرق وطايرة كدة؟
علشان أنتِ بطلتي الخارقة.. وقوية جداً.
قعدت باصة للعبة الصغيرة المصنوعة بحب وإتقان
بس أنا بتعب وبعيا ساعات يا حبيبي.
عارف.. وعشان كده أنا بقيت أغسل طبقي لوحدي أول ما أخلص أكل!
حضنته بكل قوتي وباسني في خدّي.
ما كنتش عايزه ابني يشوفني خارقة لا تنهزم ولا تتعب.
كنت عايزاه يتعلم إن حب الإنسان واحترامه بيبدأ من احترام تعبه ومجهوده.
وبالليل، بعد ما نام في سريره الهادي، جالي رسالة على الواتساب من طارق
شكراً إنك جيتي حفلة المدرسة النهارده.. ياسين كان طاير من الفرحة وطول الليل بيحكي عنها.
رديت بهدوء
ده واجبي.. وإحنا الاتنين لازم نكون في ضهره دايماً.
وحطيت الموبايل على الترابيزة جنب السرير.
مبقيتش استنى من طارق كلمة مدح في شكلي.
ولا بقيت مستنية أهله يعترفوا أنا ضحيت بإيه عشانه وعشانهم.
ولأول مرة من أيام صباي البعيدة، مبقتش أقيس قيمتي الإنسانية بناءً على أنا بقدّم كم خدمة للناس اللي حواليا.
وقبل ما أغمض عيني وأنام، بصيت لصورة صغنونة لأمي الله يرحمها حطيتها فوق الكومودينو
أنا بقيت كويسة يا أمي.. والحمد لله مرتاحة.
وكنت صادقة جداً.
افتكرت ليلة التاكسي، لما طارق قال لي جملته القاسېة بقيتي كركوبة وشكلك مش لطيف.
زمان.. كنت مفكر أن الكلمتين دول هما اللي هدموا حياتي وخربوها.
لكن دلوقتي بقيت فاهمة حاجة تانية خالص.
جوازتي دي كانت بتهدّدني في صمت من سنين طويلة.. وكلماته القاسېة دي ما كانتش إلا الجرس اللي صحاني عشان أنقذ نفسي قبل ما أموت وأنا عايشة.
أنا ما سبتش البيت عشان فيه واحدة تانية شافوها أحلى.
ولا سبته عشان صندوق مانجو بألف جنيه.
ولا حتى عشان إهانة عابرة قالها وهو مش في وعيه.
أنا سبت البيت وعشت لوحدي، لأني فهمت أخيراً إني ما خلقتش عشان أفضل أتسول الاحترام والتقدير جوه بيتي وبين ناسي.
وأجمل حاجة في الموضوع كله.. لم تكن الفلوس، ولا الميراث، ولا الترقية في الشغل، ولا إثبات إن ياسين بيحبني.
أجمل حاجة كانت صحوة الصبح بدري يوم الجمعة، وأنا قاعدة أشرب كوباية شاي مظبوطة جنب الشباك المفتوح.
مفيش صړاخ.
مفيش نكد وتريقة.
ومفيش حد بيلزمني بحاجة ڠصب عني.
البيت كان هادي ورايق.
ولأول مرة من عشر سنين.. السكوت ده ما حسسنيش بالوحدة أبداً.
حسسني إني حرة.. وبس.
النهاية