رواية كامله
محامين يفهموه كويس.
سمعت أنفاسه الطويلة وهو مضغوط
يعني هتبلغي عني؟
أنا بكشف الحقيقة اللي داريتها سنين.
بعد كل اللي عملته عشانه وعشانك..
قطعت كلامه بصوت قاطع
يا طارق، طول عشر سنين عمري ما سألتني أنا بحب إيه أو نفسي في إيه. ودلوقتي لما قررت أعيش بكرامتي، متوقعة إني هسكت؟ انسى.
وقفلت السكة في وشه.
إيدي كانت بتترعش، بس لأول مرة.. ما نزلتش ولا دمعة.
العيل اللي مستني أمه في مكانها القديم
في يوم سبت بالليل، ياسين جه شقتي عشان يقضي كام ساعة معايا، زي ما الاتفاق المؤقت بيننا كان بيقول.
طار نزّله قدام الباب ومشي.
ابني دخل الصالة الصغيرة وبص حواليه بدهشة
هو أنتِ عايشة هنا؟
آه يا حبيبي.
دي صغيرة خالص!
على قدنا.. ومجهزا لك سرير وسلة لعب هنا عشان لما تيجي تنام عندي.
بص ياسين للسرير القابل للطيّ ببرود
في بيت بابا، أنا عندي أوضة لوحدي بكبيرها.
عارفة يا حبيبي.
قعد جنب الشباك ساكت.
فضلنا قاعدين فترة طويلة من غير ما نتكلم.
وبعدين سألني بصوت واطي
هو أنتِ ليه مبقتيش تطبخيلي الأكل بتاعي زي الأول؟
قعدت قدامه على الكرسي ونزلت لمستواه
عشان لما تكون مع بابا، هو مسؤول يعملك ده. ولما تكون معايا، أنا اللي هعملهالك بحب.
ياسين كشړ بحزن
طنط رشا بتقول إنك مشيتي عشان خلاص مبقتيش تحبيني.
الجملة دي وجعتني في صميم قلبي، أكتر من أي حاجة تانية.
مسكت إيديه بحنان
ياسين.. اسمعني كويس. أنا عمري ما بطلت أحبك، ولا عمري هبطل. بس أحياناً الكبار لما بيعيشوا في حياة بتوجعهم، لازم ينفصلوا عشان يقدروا يرتاحوا.
حتى لو عندهم أولاد؟
حتى لو عندهم أولاد.. ده معناه إننا مش هنسيبك، إحنا هفضل بابا وماما بتوعك دايماً، بس في بيتين مختلفين.
فضل باصص في الأرض مركز
يعني مش هترجعي لو بابا صالحك؟
لا يا حبيبي.. أنا وبابا هنفضل منفصلين.
عنيه اتملت دموع
للأبد؟
دي هى حياتنا الجديدة.. بس اتأكد إننا إحنا الاتنين سندك وضهرك دايماً.
بص في كف إيده
أنا كنت مفكر إنك زعلانة بس وهترجعي.
حضنته بكل قوتي.
في الأول نشّف جسمه وما رضيش يتفاعل، وبعدين رجع يدفن راسه في كتفي ويعيط
طنط رشا خلاص مش عايزة تيجي معايا حفلة المدرسة وتقول وراها شغل وخروج..
حسيت بغصة في حلقي
طب أنت نفسك في إيه؟
مش عارف..
وسكت شوية وبعدين بص لي بعيون مليانة رجاء
يا ماما.. ينفع إنتِ اللي تيجي معايا الحفلة؟
مسحت على شعره بابتسامة دافئة
طبعاً يا روح قلبي.. أنا هبقى معاك في الصف الأول.
ما عاتبتوش على رشا، ولا استغلت الموقف عشان أقول له أنا شوفت وصحيت وأنت كدبتني.
ابني كان محتاج يتعلم الفرق بين الحب الحقيقي والمظاهر الكدابة.. بس مش عن طريق الإهانة.
الورد ما يصلحش الغلط
بعدها بشهرين، جالي زيارة غريبة في المحل الجديد اللي بشتغل فيه.
طارق ظهر قدامي وماسك بوكي ورد أحمر غالي.
الزميلات في المحل بصوا لبعض بابتسامات جانبية وهو بيقرب من الكاونتر.
يا حنان.. لازم نتكلم
في الموضوع ده.
خرجت معاه برة المحل ناحية المدخل
سامعاك يا طارق.
أمي تعبانة ودايخة من أعصابها، وأبويا مش بيبطل شكوى، وياسين طول الوقت بيسأل عنك.. البيت بقى خربان ومتبهدل خالص من غيرك.
ورشا؟
ملامحه اتغيرت وبان عليها الڠضب
سابت البيت ومشيت.
سكت وما علقتش.
تعرفت على واحد وعايزة تستقل وتروح تعيش معاه.
افتكرت كم مرة هو دافع عنها وسابني أضرب طوب في عسير.
الحمد لله إنها بتسعى لمستقبلها.
وطّي راسه بحرج
يا حنان.. أنا اعترف إني غلطت في حقك.
استنيت يكمل.
ما كانش المفروض أقول الكلام ده عن شكلك..
ولا كان المفروض تسمح لأبوك يمد إيده عليّا ويضربني بالقلم في بيته!
طار بلع ريقه بصعوبة
فعلاً.. ما كانش المفروض.
ولا كان المفروض تعلم ابننا إنه يحتقر أمه عشان بتشتغل بياعة في محل.
حط إيديه الاتنين على ورا راسه بقلة حيلة
عارف.. عارف كل ده.
في لحظة كده، حسيت إني شايفة الشاب الطيب اللي حبيته أيام زمان.
بس الشعور ده راح بسرعة، لأنه مبقاش يكفي.
تعالي ارجعي البيت، قالها بصوت فيه رجاء متعب.
بصيت لبوكي الورد
ليه يا طارق؟
عشان إحنا عيلة.. ولازم نرجع زي الأول.
هل بتوحشك أنا.. ولا بيوحشك كل اللي كنت بعمله عشان تخدموا راحتكم؟
ما ردش بسرعة.. وسكوته كان هو الإجابة القاطعة.
يا حنان، نقدر نبدأ صفحة جديدة من أول وجديد.
لأ يا طارق.. أنت عايز ترجع للي كنا فيه، وأنا مبقتش عايزة الحياة دي نهائي.
حط بوكي الورد على الكاونتر ومشي.
ومخدش الورد معاه.
الحقيقة اللي ظهرت في الورق
التحقيقات واللجنة القانونية كملت شهور طويلة.
في الآخر، المحامين قدروا يجمعوا خيوط القضية ويثبتوا اللي حصل.
زمان، طارق كان وصله إخطار بخصوص مستحقات ورث وأطيان تخصني باسم أمي. وبدل ما يبلغني أو يصارحني، تدخل في الأوراق وبقى هو الشخص المسؤول عن المراسلات عشان يحول الفلوس لحسابات تانية تخصه.
وظهرت تحويلات مالية وتوقيعات مضړوبة محتاجة تدقيق جنائي.
الموضوع ما خلصش في يوم وليلة.
كان فيه طلبات بنكية، مراجعات أوراق، وبلاغات للنيابة لإثبات الحقوق.
بس في النهاية، طارق وأثناء المفاوضات القانونية، اعترف ضمنياً قدام المحامين إنه كتم الخبر ده عن عمد عشان أظل تحت إمرته وتحت سيطرته.
تبرير واجهه كان أصعب من السړقة نفسها
كنت خائڤ.. حسيت إنك لو عرفتِ إن عندك أملاك وعز، هتبطلي تحتاجي لي وتبعدي عني.
بصيت له من الناحية التانية للترابيزة
هو ده كان كل همك؟ إنك تخليني دايماً محتاجاك وذليلة لك؟
ما قدرش يرد.
أنا قضيت عشر سنين من عمري وأنا فاكرة إني لازم أبوس إيدين الجوازة دي عشان ستروني وقبلوني.
وهو كان مړعوپ إني أكتشف إني أقدر أقف على رجلي لوحدي!
مع الوقت، حقوقي في الميراث والممتلكات رجعت رسمياً، وتسويات مالية حصلت لتعويض الفترة اللي فاتت، من غير ما نوقف تتبع الإمضاءات المزورة.
أنا ما بقتش مليونيرة بين يوم وليلة.
دفعت أتعاب محاماة كتير، وخلصت إجراءات وتراخيص وأوراق متراكمة.
بس أول يوم نزل في حسابي أول عائد شرعي مظبوط يخص أمي، قعدت قدام الموبايل باصة للرسالة دقايق طويلة.
افتكرت أمي.
إيديها التعبة من التفصيل والخياطة.
وكل قرش حاولت تسبهوني من غير ما أعرف.
وعيطت.
بس المرة دي، مش قهر ولا ضعف..
دي كانت دمعة رضا وامتنان.
حفلة المدرسة واختيار مختلف
حفلة المدرسة بتاعت ياسين جت في صباح يوم ربيعي جميل.
كنت اترقيت بشكل رسمي وبقيت مسؤولة الفرع، وطلبت إجازة اليوم ده من بدري.
لبست بنطلون قماش واسع ومريح، تي شيرت أبيض بسيط، وكوتشي أبيض جديد.
مفيش أي تكلف.
ولا لبس غالي عشان أعاكس عين حد أو أبهر أمهات صحابه.
لما دخلت صالة الألعاب الرياضية بالمدرسة، لقيت
ياسين بيدور عليّ وسط الزحمة بعينيه.
أول ما شافني، ساب زمايله وجري عليّ بأقصى سرعة
ماما!
حضنني بقوة لدرجة إني كادت أن أقع على الأرض من فرحته.
كنت خائڤ ما تيجيش وتنسي.
أنا وعدتك.. وعمري ما أخلف وعدي معك.
طارق كان واقف بعيد جنب المدرجات.
سلمنا على بعض من بعيد بإشارة راس هادية وهادمة لأي توتر قديم.
من ساعة ما نظمْنَا أمور الحضانة والزيارات، الكلام بينا بقى أهدى وأعقل.. مش دايماً سهل، بس على الأقل مفيش صړاخ ومفيش أوامر تحكمية.
في وسط مسابقات الجري، ياسين تعثر وركض فجأة فوقع على ركبتيه قدام الكل.
الاطفال ضحكوا، وهو حس بكسفة كبيرة.
جريت عليه فوراً
جرى إيه يا بطل؟ عورت نفسك؟
هز راسه بلا، وعنيه اتملت دموع الۏجع والكسفة
الكل شافني وأنا واقع.
نزلت لمستواه وطبطبت على ظهره بحب
الوقعة قدام الناس مش عيب ولا كسفة.. العيب الحقيقي هو إن الواحد يفضل واقع وما يقومش تاني يا ياسين.
مسح