رواية جديدة

لمحة نيوز

ما سلمتيهوش لأبويا؟
قالت
أبوك جه لي بعد ۏفاة جدك بفترة، وقال لي إن الصندوق مفيهوش حاجة مهمة، وإنه هياخده عشان يسلمه للمحامي. لكن جدي كان موصيني ما أديهوش لحد غير لما أتأكد إن الشخص اللي قدامي جاي عشان يرجع الحقوق لأصحابها، مش عشان يخبيها.
سعاد قربت من الصندوق.
هو جدي كان عارف إن فيه حد هيحاول ياخد حقي؟
منى ردت
كان خاېف من ده. وكان بيقول إن الطمع ممكن يخلي القريب ينسى إن اللي قدامه من دمه.
فتحت الصندوق بالمفتاح اللي كان معاها.
جواه أوراق قديمة، وصور عقود، وإيصالات بنكية، ومظروف كبير عليه أسماء أحفاد حسن منصور.
طلعت المظروف، وفتحته قدامنا.
كان فيه أربع ورقات.
الأولى صورة عقد ملكية الأرض.
التانية كشف حساب قديم.
التالتة وصية مكتوبة بخط جدي ومختومة من المحامي.
أما الورقة الرابعة، فكانت خطابًا موجهًا لأبويا.
مديت إيدي وخدته، وبدأت أقرأ.
يا ابني، أنا عارف إنك شايل هم البيت، وعارف إنك مريت بظروف صعبة، لكن فلوس ولادك مش حل لمشاكلك، وحق بنتك مش دين عليك تقدر تأجله لحد ما ترتاح.
أنا سايب لك إدارة الأرض لحد ما ولادي وأحفادي يكبروا، لكن مش سايب لك حق التصرف فيها من غير موافقتهم. لو احتجت فلوس، اطلب منهم، ولو رفضوا، يبقى ده حقهم. لكن إياك تبيع حاجة مش ملكك، أو تمضي على ورقة تخلي حد يفقد حقه وهو مش فاهم.
وقفت عن القراءة، وحسيت إن جدي كان شايف اللي ممكن يحصل من قبل ما يحصل.
سعاد كانت بټعيط، ومنى كانت ساكتة، وياسين بيقلب في بقية الأوراق.
فجأة، ياسين رفع ورقة وقال
استنوا، فيه حاجة هنا مش مفهومة.
قربنا منه.
كان ماسك كشف حساب بنكي، وفيه تحويلات مالية قديمة، لكن اللي لفت نظره إن الحساب ما اتقفلش بعد ۏفاة جدي، زي ما أبويا قال لنا.
بالعكس، كان فيه إيداعات مستمرة لسنوات طويلة.
قلت
الحساب ده كان باسم مين؟
ياسين بص في أول الصفحة.
باسم جدي، وبعد ۏفاته اتنقل لإدارة الوصي على التركة.
سألته
مين الوصي؟
قلب الصفحة، وقرأ الاسم.
وبعدين رفع عينيه وقال
الأستاذ فؤاد عبدالسلام.
سكتنا كلنا.
المحامي اللي كان مسؤول عن حفظ الوصية، هو نفسه اللي كان مسؤول عن الحساب.
منى قالت
عشان كده أنا كنت خاېفة أسلم الصندوق لأي حد. جدي كان بيقول إن المحامي ده يعرف كل حاجة عن الأرض والفلوس.
قلت
طيب، الفلوس اللي في الحساب راحت فين؟
ياسين بدأ يقلب في الأوراق، وبعد دقائق قال
الحساب اتسحب منه مبالغ كبيرة على فترات مختلفة، لكن فيه مبلغ اتحول قبل سنة لحساب شركة عقارية. نفس الشركة اللي نجلاء قالت إنها استقبلت جزء من ثمن الشقة.
بصيت لسعاد، وبعدها بصيت لياسين.
يعني فيه رابط بين بيع الشقة، وفلوس أختي، وحساب الميراث.
قلت
لازم نروح للمحامي ده فورًا.
منى اعترضت
أنا حاولت أكلمه من يومين، لكنه رفض يستقبلني، وقال لي إن كل الملفات القديمة اتقفلت، وإن أي حد عنده اعتراض يروح للمحكمة.
قلت
وده بالضبط اللي هنعمله. لكن قبل أي خطوة، لازم نعرف إذا كان فيه مستند أصلي يثبت إن الحساب لسه فيه فلوس، وإن الأرض اتباعت بطريقة غير قانونية.
ياسين رفع ورقة تانية.
فيه حاجة أهم من كده.
بصينا له.
قال
كشف الحساب ده فيه تحويل حصل من أسبوع واحد بس، بمبلغ كبير جدًا، من حساب التركة لحساب شركة عقارية. والتاريخ ده هو نفس تاريخ عقد البيع اللي منى قالت إن التوقيع عليه باسم جدي.
سعاد شهقت.
يعني الأرض اتباعت فعلًا؟
ياسين هز راسه.
غالبًا، لكن لازم نراجع العقد الرسمي. والأهم إن التحويل اتعمل بعد ۏفاة جدي بسنين طويلة، باستخدام تفويض إداري قديم.
قلت
مين اللي استخدم التفويض؟
ياسين قلب الصفحة الأخيرة.
كان فيها اسم الشخص اللي قدم طلب التحويل.
أول ما قرأ الاسم، سكت.
سألته
مين؟
رفع عينيه وقال
عادل منصور.
حسيت إن كل حاجة بقت واضحة، لكن في نفس الوقت، كان فيه شيء ناقص.
عادل ما كانش يقدر يعمل كل ده لوحده. لازم يكون فيه حد ساعده، وحد كان عنده إمكانية الوصول للمستندات والحسابات.
وقبل ما أقدر أسأل أي سؤال، تليفوني رن.
كان رقم أمي.
رديت بسرعة.
أيوه يا أمي، خير؟
صوتها كان بيرتعش.
محمود، أبوك مشي من البيت من شوية، وساب لي ورقة.
ورقة إيه؟
قالت
مكتوب فيها إنه مش هيرجع البيت غير لما يصلح اللي عمله، وإنه رايح يقابل الشخص اللي كان بيساعده في موضوع الأرض.
سألتها بقلق
قال لك رايح فين؟
لأ، بس ساب عنوان مكتوب على ظهر الورقة.
طلبت منها تبعتهولي، وبعد ثواني وصلتني رسالة فيها عنوان في مدينة طنطا.
بصيت لياسين، وقلت
العنوان ده قريب من مكتب الأستاذ فؤاد عبدالسلام؟
ياسين فتح الخرائط على تليفونه، وبعد لحظات قال
أيوه، قريب جدًا. ده عنوان مكتب قديم كان المحامي بيستخدمه قبل ما ينقل مكتبه الرئيسي.
حسيت إن أبويا رايح يقابل المحامي، وإن ممكن يكون عارف إننا اكتشفنا كل حاجة.
قررت أتحرك فورًا، لكن قبل ما نخرج، منى مسكت إيدي وقالت
يا محمود، استنى. فيه حاجة ما قلتهاش لك.
بصيت لها.
قالت
قبل ۏفاة جدك بأيام، جه عندي بالليل، وسلمني ورقة وقال لي أحافظ عليها بعيد عن كل الناس، حتى أولاده. وقال لي إن الورقة دي مش بس هتثبت حق سعاد، لكنها هتثبت كمان إن فيه شخص تاني من العيلة ليه حق في الأرض.
سألتها
مين الشخص ده؟
دخلت أوضتها، ورجعت بمظروف صغير، فتحته وطلعت شهادة ميلاد قديمة.
كانت الشهادة باسم عادل منصور.
لكن تاريخ الميلاد كان مختلفًا عن التاريخ اللي أعرفه، واسم الأم المكتوب فيها ما كانش اسم أمي.
رفعت عيني لمنى، وأنا حاسس إن قلبي هيتوقف.
قالت بصوت واطي
جدك كان عارف إن فيه سر كبير متعلق بعادل، وكان خاېف إن السر ده يضيع حقوقكم كلكم.
سعاد بصت للشهادة، وبعدها بصت لياسين، وقالت
يعني عادل مش ابن أمي؟
منى هزت راسها ببطء.
على حسب الورقة دي، لأ.
في اللحظة دي، فهمت إن القصة لسه فيها جزء أخطر من كل اللي عرفناه.
لو عادل مش ابن أمي، يبقى مين أمه الحقيقية؟ وليه أبويا مخبي الحقيقة دي؟ وهل ده له علاقة بالأرض والفلوس اللي اتسحبت من حساب التركة؟
مسكت الشهادة، وقرأت اسم الأم المكتوب فيها.
كان اسم منى.
رفعت عيني لها، فبدأت ټعيط.
قالت
أيوه يا محمود. عادل ابني أنا.
اتجمد ياسين مكانه، وسعاد حطت إيديها على بُقها، وأنا حسيت إن كل الأسرار اللي ظهرت لحد دلوقتي كانت مجرد بداية.
منى كملت وهي بټعيط
عادل اتولد قبل ياسين بسنين، وأبوك كان عارف إنه ابني، لكنه اتفق مع جدي إن الطفل يتربى بعيد عن المشاكل، وإن محدش يعرف الحقيقة غير لما يكبر. لكن بعد ۏفاة جدي، عادل بدأ يطالب بحقه، وأبوك وعده إنه هيساعده، ومن هنا بدأت كل المصاېب.
بصيت لها وقلت
يعني عادل أخويا من أبويا، وأخونا من الأم كمان بالنسبة لياسين؟
منى هزت راسها.
أيوه، لكن عادل عمره ما عرف إن جده كان سايب له حق زي باقي الأحفاد، ولا إن نصيبه محفوظ في الأرض. كل اللي كان يعرفه إن أبوه وعده إنه هيساعده، وإنه لازم ياخد فلوسه بأي طريقة.
سعاد قالت بحزن
حتى لو الطريقة دي كانت على
حسابي أنا؟
منى ما ردتش.
لأن الحقيقة كانت واضحة.
عادل ممكن يكون اتظلم في حاجات من حياته، لكنه اختار يظلم سعاد بدل ما يطالب بحقه بالطريقة الصحيحة.
وقبل ما نتحرك ناحية طنطا، ياسين رن على أمه من جديد، وقال لها
يا أمي، إحنا لازم نروح للمحامي ونواجهه بكل الورق.
لكن منى قالت فجأة
لأ، متروحوش مكتبه.
سألها ياسين
ليه؟
ردت بصوت خاڤت
لأن الأستاذ فؤاد ماټ من أسبوعين.
بصيت لها پصدمة.
ماټ؟! أمال أبويا رايح يقابل مين؟
منى سكتت لحظة، وبعدها قالت
أنا مش عارفة. لكن لو فؤاد ماټ، يبقى الشخص اللي أبوك رايح يقابله مش هو.
ياسين سألها
طب مين ممكن يكون في المكتب القديم؟
منى ردت
فيه شخص واحد بس كان يعرف كل أسرار الملفات، وكان هو اللي بيتعامل مع فؤاد في كل حاجة.
سألتها
مين؟
قالت الاسم ببطء، وكأنها خاېفة تنطقه
الأستاذ شريف... مساعد المحامي القديم.
بصيت لياسين، وبعدها بصيت للعنوان اللي أمي بعتهولي.
أبويا رايح يقابل شريف، الشخص اللي كان بيطلب المستندات، وظهر اسمه في كل الأوراق المشپوهة.
خرجنا من البيت بسرعة، وركبنا العربية، واتجهنا ناحية طنطا.
طول الطريق، كنت بحاول أتصل بأبويا، لكنه ما ردش.
اتصلت بعادل، مفيش رد.
أما سعاد، فكانت قاعدة جنبي، ماسكة الظرف اللي فيه وصية جدي، وكل شوية تبص لي وتقول
يا محمود، مهما حصل، أنا مش عايزة أخسر أبويا.
كنت عارف إنها رغم كل اللي حصل، لسه جواها حتة صغيرة بتتمنى إن أبوها يرجع زي زمان.
قلت لها
محدش هيجبرك تخسريه يا سعاد. لكن لازم كل واحد فينا يواجه الحقيقة، عشان نعرف نبدأ من جديد.
وصلنا العنوان بعد حوالي ساعة.
كان مبنى قديم، فيه مكتب محاماة في الدور التاني، واللافتة اللي على الباب باهتة، كأن المكان متساب من سنين.
طلعنا السلم، ولما وصلنا قدام المكتب، سمعنا صوت نقاش حاد من الداخل.
صوت أبويا كان واضحًا
أنا مش هسكت أكتر من كده! إنت وعدتني إن الورق هيتحل، وإن محدش هيعرف حاجة!
وصوت شريف رد عليه
وأنا عملت اللي اتفقنا عليه، لكن عادل هو اللي استعجل وفتح ملفات قديمة ما كانش المفروض يفتحها.
أبويا قال
إنت اللي قلت لي إن التوكيل سليم، وإن البيع هيعدي من غير مشاكل!
شريف رد بعصبية
التوكيل كان سليم، لكن عقد البيع الأخير اتعمل بتوقيع ما ينفعش يتستخدم، وده اللي ورطنا كلنا.
بصيت لياسين، وأشرت له يسجل الكلام على موبايله.
لكن قبل ما نقدر نسمع أكتر، سمعنا صوت خبط قوي على المكتب من الداخل، وبعدها صوت عادل وهو بيقول
خلاص، مفيش وقت للكلام. محمود عرف كل حاجة، وجاي في الطريق.
أبويا رد بسرعة
محمود هنا؟!
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة.
ظهر شريف قدامنا، وأول ما شافني، اتراجع خطوة لورا.
قلت له
صباح الخير يا أستاذ شريف. واضح إنكم كنتوا مستنييني.
حاول يبتسم، لكن ابتسامته كانت مرتبكة.
أهلًا يا أستاذ محمود، اتفضل. إحنا كنا بنتكلم في موضوع عائلي.
قلت له
موضوع عائلي فيه بيع شقة من غير علم صاحبها، وسحب فلوس من حساب تركة، وتوقيع باسم شخص متوفى؟!
وشه اصفر.
أبويا ظهر من وراه، ولما شاف سعاد واقفة جنبي، نزل عينيه.
أما عادل، فكان واقف في آخر المكتب، ماسك ملف أسود.
قربت منه وقلت
الملف ده فيه إيه يا عادل؟
رد بعصبية
مالكش دعوة.
قلت
بالعكس، أنا ليا دعوة بكل ورقة اتكتبت باسمي، وبكل جنيه اتاخد من حق أختي.
شريف حاول يتدخل
يا جماعة، إحنا ممكن نحل الموضوع وديًا، من غير ما ندخل أطراف تانية.
بصيت له وقلت
الأطراف التانية دخلت من زمان، وإنتوا اللي قررتوا تخبوا الحقيقة. دلوقتي مفيش حاجة هتتحل من غير مراجعة كل المستندات.
ياسين قرب من المكتب، وحط قدام شريف نسخة من الوصية.
دي وصية حسن منصور، ومعاها كشوف الحسابات والتحويلات. وعايز أعرف منك، بصفتك مساعد المحامي القديم، إزاي اتنقل الحساب من إدارة التركة لشركة عقارية من غير موافقة الورثة؟
شريف بص للأوراق، وبعدها بص لعادل.
عادل صړخ فيه
متتكلمش! إنت مش مطالب ترد على حد!
لكن شريف كان واضح إنه بدأ يفقد السيطرة على الموقف.
قعد على الكرسي، وقال
أنا مش هتحمل مسؤولية حاجة أنا ما عملتهاش لوحدي.
أبويا بص له پصدمة.
إنت بتقول إيه يا شريف؟
شريف فتح درج المكتب، وطلع ملفًا آخر.
قال
أنا عندي نسخ من كل المستندات، وعندي مراسلات تثبت مين طلب مني تجهيز الأوراق، ومين استلم الفلوس، ومين وقع على الإقرارات.
عادل اندفع ناحيته، وحاول ياخد الملف، لكن ياسين وقف بينه وبين المكتب.
قلت لعادل
سيبه.
عادل بص لي پغضب، وقال
إنت مش فاهم حاجة يا محمود! إنت فاكر إنك نازل من السفر هتقدر تحاسب الكل؟ إنت ما تعرفش اللي حصل قبل ما تتولد، ولا تعرف جدك عمل إيه فينا!
قلت له
لو عندك حق، هنرجعه لك. لكن مش من حقك تاخد حق سعاد، ولا تبيع شقتي، ولا تزور توقيع حد.
عادل سكت لحظة، وبعدها قال
طيب، اسأل أبوك مين اللي كتب اسم سعاد في الورقة، ومين اللي طلب إن نصيبها يتخصم من فلوس الأرض!
بصيت لأبويا.
كان واقف ساكت، وعينيه مليانة خوف.
قلت له
جاوبني يا أبويا.
أبويا أخد نفس طويل، وبعدها قال
أنا اللي طلبت من شريف يكتب الإقرار.
سعاد شهقت، ودموعها نزلت.
أبويا كمل
كنت فاكر إن دي الطريقة الوحيدة عشان أقدر أسدد الديون اللي عليا، وكنت ناوي أرجع لها حقها بعدين.
سعاد بصت له وقالت
يعني كنت عارف إن حقي موجود، وكنت عارف إني محتاجة الفلوس، ومع ذلك سيبتني أشتغل عند مرات أخويا عشان آخد ألفين جنيه؟
أبويا ما قدرش يرد.
سعاد مسحت دموعها، وقالت
أنا كنت فاكرة إنك مش عارف. كنت كل يوم أقول لنفسي يمكن بابا لو عرف اللي بيحصل لي، مش هيرضى. لكن إنت كنت عارف من الأول.
أبويا قرب منها، لكنه ما قدرش ېلمس إيدها.
سامحيني يا بنتي.
سعاد رجعت خطوة لورا.
أنا مش قادرة أسامحك دلوقتي يا بابا. يمكن في يوم أقدر، لكن مش النهارده.
شريف فتح الملف الأسود، وبدأ يطلع المستندات واحدة ورا التانية.
كان فيه عقود، وكشوف حسابات، وإيصالات استلام، ومراسلات مطبوعة.
لكن فجأة، وقف عند ورقة معينة، وبص لعادل.
قال
فيه مستند واحد لسه ما شفتوش يا محمود، وهو اللي هيحدد مين صاحب الحق الحقيقي في الأرض.
مد الورقة ناحيتي.
كانت صورة عقد قديم، وعليه توقيع جدي، وتوقيع شاهدين.
لكن في آخر الصفحة، كان فيه بند مكتوب بخط مختلف، بيقول إن الأرض تُعاد إلى مالكها الأصلي إذا ثبت أن أحد الورثة استخدم مستندات غير صحيحة للتصرف فيها.
سألت شريف
مين المالك الأصلي؟
شريف سكت.
عادل ابتسم ابتسامة غريبة، وقال
اقرأ الاسم اللي تحت يا محمود.
نزلت عيني لآخر الصفحة.
كان الاسم مكتوبًا بوضوح.
فاطمة حسن منصور.
اسم أمي.
رفعت عيني بسرعة ناحية أبويا، وبعدها ناحية أمي اللي كانت واقفة عند باب المكتب، وقد وصلت من غير ما نحس.
كانت بتبص للورقة وبتعيط في صمت.
قلت
أمي؟! الأرض باسم أمي؟!
شريف هز راسه وقال
حسب المستند ده، جدك نقل ملكية الأرض لزوجته قبل ۏفاته، واحتفظ بحق إدارتها فقط. وبعد ۏفاة جدتك، انتقلت الملكية إلى والدتك بموجب الوصية. لكن العقد اللي اتعمل الشهر اللي فات تجاهل المستند ده بالكامل.
بصيت لأبويا.
يعني الأرض مش
ملكك، ولا ملك عادل، ولا حتى ملكي أنا وسعاد لوحدنا؟
أبويا نزل عينيه.
أمي تقدمت خطوة وقالت
الأرض كانت ملكي يا محمود، وأنا عمري ما بعتُها، ولا مضيت على أي عقد ببيعها.
عادل صړخ
الكلام ده مش صحيح! جدك كان مدي أبوك حق التصرف!
أمي ردت عليه
حق الإدارة مش حق البيع. وجدك كان كاتب ده بنفسه.
شريف سكت، وبعدها قال
فيه مشكلة تانية لازم تعرفوها. العقد الأخير اتقدم بناءً على توكيل منسوب للسيدة فاطمة، لكن التوكيل ده عليه توقيع مش مطابق لتوقيعها في المستندات القديمة.
أمي حطت إيديها على صدرها.
أنا ما مضيتش أي توكيل!
بصيت لشريف وقلت
مين اللي قدم التوكيل؟
شريف فتح الملف، وطلع صورة من التوكيل.
في خانة مقدم الطلب، كان مكتوب اسم عادل.
لكن تحت الاسم، كان فيه توقيع تاني، وتاريخ مختلف.
قربت الورقة من عيني، وبدأت أقرأ البيانات.
وفجأة، لقيت حاجة خلتني أرفع راسي وأبص لعادل.
اسم المحامي اللي صدّق على التوكيل كان هو نفسه اسم المحامي اللي كان بيمثلني في قضية قديمة من سنين، قضية كنت فاكر إنها اتقفلت من زمان.
قلت لعادل
إنت استخدمت نفس المحامي اللي كان معايا في القضية القديمة؟
عادل اتلخبط.
معرفش إنت بتتكلم عن إيه.
قلت
القضية اللي اتعمل فيها توكيل باسمي وأنا مسافر، واللي بسببها اتنازلت عن نصيبي في أرض تانية. إنت كنت موجود وقتها، وكنت إنت اللي قلت لي إن المحامي خلص كل الإجراءات.
أبويا رفع عينيه بسرعة.
أمي بصت لي پصدمة.
أما شريف، فبدأ يقلب في أوراق الملف بعصبية.
قلت
يعني الموضوع مش شقة وبس، ولا أرض جدي بس. فيه أرض تانية اتنازلت عنها من سنين، وأنا كنت فاكر إني وافقت بنفسي.
عادل رد بعصبية
إنت كنت محتاج فلوس وقتها، وإنت اللي طلبت مني أتصرف!
قلت
أنا طلبت منك تساعدني أبيع جزء من الأرض، مش إنك تتنازل عن نصيبي كله!
عادل سكت.
وفي اللحظة دي، فهمت إننا مش قدام مشكلة عائلية بسيطة، لكن قدام سلسلة من التصرفات اللي لازم تتراجع واحدة واحدة.
شريف حاول يقفل الملف، لكني منعته.
قلت له
محدش هياخد ورقة واحدة من هنا قبل ما تتعمل نسخ منها، وكل حاجة هتروح للمحامي اللي هيمثلنا رسميًا.
عادل بص لي پغضب، وقال
إنت كده هتخرب العيلة كلها!
بصيت له وقلت
العيلة ما خربتش لما أنا عرفت الحقيقة. العيلة اټجرحت يوم ما كل واحد فيكم قرر ياخد حق غيره ويخبي عنه.
خرجنا من المكتب ومعانا نسخ المستندات، واتفقنا مع المحامي على مراجعة رسمية لكل العقود والتحويلات، من غير أي وعود أو اتفاقات شفوية.
وأثناء ما كنا نازلين السلم، أمي مسكت إيدي.
قالت بصوت مبحوح
يا محمود، أنا كنت عارفة إن فيه حاجات غلط، لكني ما كنتش أعرف إن الموضوع وصل لكده. أبوك كان بيقول لي إن كل حاجة تحت السيطرة، وإنه هيحل المشاكل واحدة واحدة.
بصيت لها بحزن.
يا أمي، أنا مش زعلان منك. أنا زعلان إننا كلنا كنا بنصدق بعض من غير ما نسأل، وإن اللي كان بيتظلم هو أكتر واحد ساكت.
أمي حضنتني، وفضلت ټعيط.
سعاد قربت منا، وحضنتنا إحنا الاتنين.
ولأول مرة من يوم ما رجعت من السفر، حسيت إننا بدأنا نواجه الحقيقة بدل ما نهرب منها.
لكن قبل ما نركب العربية، خرج شريف من المكتب ونادى عليا.
يا أستاذ محمود، فيه حاجة أخيرة لازم تعرفها.
لفيت له.
قال
في ملف القضية القديمة، فيه إقرار مكتوب باسمك، بتتنازل فيه عن نصيبك في الأرض التانية، لكن الإقرار ده مش موجود في النسخة الرسمية اللي اتقدمت للمحكمة. موجود في ملف داخلي عندي، وعليه توقيع شاهد واحد.
سألته
مين الشاهد؟
مد لي صورة الورقة.
نزلت عيني للاسم، وحسيت إن كل اللي حصل لحد دلوقتي كان مجرد مقدمة.
الشاهد كان اسم شخص ماټ من سنين طويلة، قبل تاريخ الإقرار نفسه.
رفعت عيني لشريف وقلت
يعني فيه مستند باسم شخص مېت، اتستخدم في قضية قديمة، زي ما حصل في عقد الأرض الشهر اللي فات؟
هز راسه ببطء.
أيوه، وده معناه إن اللي حصل مش مجرد خطأ في ورقة. فيه حد كان بيستخدم أسماء أشخاص متوفين عشان يمرر معاملات مالية وعقارية.
بصيت لأبويا، اللي كان واقف بعيد عننا، وبعدها بصيت لعادل.
لكن المرة دي، عادل ما حاولش ينكر.
بالعكس، قرب مني وقال بصوت واطي
يا محمود، لو عايز تعرف مين اللي بدأ كل ده، اسأل أمك عن أخوها.
اتجمدت.
أمي رفعت عينيها بسرعة.
إنت بتقول إيه يا عادل؟!
عادل ابتسم بمرارة، وقال
أنا ما قلتش حاجة غير الحقيقة. خالك ما ماتش وهو سايب الدنيا زي ما إنتوا فاكرين. هو كان شريك في الأرض، وكان فيه اتفاق قديم بينه وبين جدي، والاتفاق ده لو اتكشف، كل اللي إحنا بنتكلم فيه هيتغير.
بصيت لأمي، ولقيتها شاحبة، وبتحاول تمنع دموعها.
قلت لها
يا أمي، هو خالي كان له علاقة بالأرض؟
أمي ما ردتش.
فضلت باصّة لياسين، وبعدها بصت لي وقالت
محمود، فيه حاجة أنا مخبياها عنكم من سنين، وكنت فاكرة إنها ماټت مع أخويا. لكن واضح إن الوقت جه عشان تعرفوها.
أخدت نفس طويل، ومسكت إيدي.
خالك ما ماتش من عشرين سنة زي ما إحنا قلنا لكم. هو اختفى، وبعدها وصلنا خبر ۏفاته من غير ما نشوف جثمانه، ومن يومها وأبوك كان بيقول لنا إن أي حد يسأل عنه لازم نقول إنه ماټ.
سعاد شهقت.
ياسين بص لأمي پصدمة.
أما أنا، ففضلت باصص لها، مش قادر أنطق.
أمي كملت
وقبل اختفائه بأيام، سلمني ورقة وقال لي أخبيها في مكان محدش يعرفه، وقال لي إن فيه شخص من العيلة هيحاول ياخد الأرض، وإن الورقة دي هي الدليل الوحيد اللي ممكن يرجع الحق لأصحابه.
سألتها
والورقة فين يا أمي؟
أمي حطت إيديها في شنطتها، وطلعت مفتاحًا صغيرًا قديمًا.
قالت
الورقة في صندوق عندي في البيت، وأنا عمري ما فتحته من يوم ما خالك سلّمهولي.
بصيت للمفتاح، وبعدها بصيت لأمي.
طيب، نروح نفتح الصندوق دلوقتي.
هزت راسها، لكن قبل ما نتحرك، تليفونها رن.
بصت للشاشة، واتغيرت ملامحها.
كان رقم مجهول.
ردت بصوت متردد
ألو؟
سمعت صوت رجل كبير في السن، بيتكلم بهدوء شديد
فاطمة؟ أنا عارف إن محمود رجع، وعارف إنكم بدأتوا تفتحوا الملفات القديمة.
أمي شهقت، والموبايل كاد يقع من إيدها.
الرجل كمل
أنا مش هطلب منك تخبي حاجة تاني. لكن لازم تعرفي إن أخوكي لسه عايش، وإنه عايز يشوفك قبل ما يفوت الأوان.
أمي بدأت ټعيط، وقالت بصوت مرتعش
إنت مين؟!
رد الرجل
أنا الشخص اللي كان المفروض يوصلك خبر ۏفاته، لكني فشلت في المهمة دي من سنين.
وبعدين قال الاسم اللي خلانا كلنا نبص لبعض پصدمة
أنا فؤاد عبدالسلام... المحامي اللي ډفن سر أخوكي، والوحيد اللي يعرف مين اللي وقّع فعلًا على عقد بيع الأرض.
فاطمة فضلت ماسكة التليفون بإيد بتترعش، وعينيها متعلقة بمحمود اللي كان واقف قدامها، مش فاهم إيه اللي بيحصل ولا ليه اسم المحامي ده رجع يظهر بعد كل السنين دي.
قالت بصوت مخڼوق إنت بتقول إيه يا أستاذ فؤاد؟ إنت مينفعش تتصل بيا بعد عشرين سنة وتقول لي إنك دفنت سر أخويا! إنت كنت عارف إنه عايش؟
جالها صوته من الناحية التانية هادي
بشكل يخوّف كنت عارف إنه ما ماتش، لكن ما كنتش أعرف مكانه طول السنين دي. وآخر مرة شوفته فيها، طلب مني طلب واحد... إني ما أقولكيش أي حاجة غير لما الورق اللي اتاخد من بيتكم يظهر من جديد.
فاطمة سندت ضهرها على الكرسي، وكأن رجليها ما بقتش شايلة جسمها.
محمود قرب منها وخد التليفون من إيدها.
ألو، أنا محمود ابن فاطمة. إنت مين بالظبط، وإيه حكاية الورق اللي بتتكلم عنه؟
رد فؤاد إنت محمود؟ ابن حسن منصور؟
أيوه.
يبقى لازم أشوفك النهارده، قبل ما عادل يعرف إننا اتكلمنا.
محمود بص ناحية الباب، وبعدين رجع بص لأمه.
وليه عادل بالذات؟
سكت فؤاد لحظات، وبعدها قال لأن أخوك عادل مش هو الوحيد اللي كان عارف إن الأرض اتباعت بورق مش سليم. فيه حد تاني من عيلتك كان موجود يوم توقيع العقد، وحد تاني استلم الفلوس، وحد تالت شهد إن أمك وافقت على البيع،
تم نسخ الرابط