رواية جديدة
المحتويات
دخل في حياتنا من إمتى؟ وإيه اللي خلاكي توافقي على بيع شقتي من غير علمي؟
نجلاء رفعت عينيها، وبصت لي كأنها بتفكر تقول الحقيقة أو تكمل كڈب.
وبعد صمت طويل، قالت
فيه حاجة إنت متعرفهاش يا محمود... عادل ما كانش أول واحد كلمني في موضوع الشقة.
اتجمدت مكاني.
أمال مين؟
قامت من مكانها، ودخلت أوضة النوم، ورجعت بعد دقيقة ومعاها شنطة صغيرة كانت مخبياها في الدولاب.
حطتها قدامي وفتحتها.
كان جواها أوراق بنكية، وصور عقود، وإيصالات تحويل، وخطاب رسمي مختوم.
قالت وهي بټعيط
أنا كنت ناوية أخبي كل ده لحد ما أتصرف، بس بعد ما إنت رجعت، خلاص، مفيش فايدة من الكذب.
مديت إيدي ناحية الخطاب، لكن قبل ما أفتحه، تليفوني رن.
كان رقم غريب.
رديت، فسمعت صوت ست بتتكلم بتردد
ألو، هو ده رقم الأستاذ محمود، أخو مدام سعاد؟
قلت أيوه، مين معايا؟
قالت أنا جارتها القديمة، وفيه أمانة عندي لازم أوصلها لك، بس لازم تسمعني للآخر قبل ما تواجه أي حد. أنا كنت ساكتة طول الفترة اللي فاتت عشان وعدت سعاد إني ما أتكلمش، لكن النهارده عرفت إنك رجعت، وفيه حاجة لازم تعرفها عن الفلوس اللي كانت بتتبعت لها.
سألتها بقلق إيه الحاجة؟
ردت بصوت واطي
الفلوس اللي مراتك كانت بتقول إنها بتديها لسعاد، جزء منها كان بيتحول كل شهر لحساب باسم شخص تاني... والشخص ده مش عادل، ومش نجلاء.
بصيت لنجلاء، اللي كانت واقفة قدامي وبتسمع كلامي، ولما سمعت الجملة دي، غطت وشها بإيديها.
الست كملت
والأصعب من كده إن الشخص ده هو اللي كان بييجي بنفسه ياخد الفلوس من نجلاء، وكان بيقول لها إن محمود عمره ما هيعرف، لأن فيه سر قديم لو اتكشف، مش بس جوازك هو اللي هيتقلب، ده عيلتك كلها هتتفرق.
سألتها وأنا حاسس إن قلبي بيدق پعنف
مين الشخص ده؟
سكتت ثواني، وبعدين قالت الاسم.
وفي اللحظة اللي سمعته فيها، بصيت لنجلاء، ولقيتها بتقع على الكنبة وهي بتصرخ
لأ يا محمود، أرجوك... الشخص ده لو دخل في الموضوع، إنت مش هتسامحني أبدًا!
وكان الاسم اللي سمعته هو اسم أقرب إنسان ليا بعد أمي وأختي...
أبويا.
وقفت مكاني كأني اتسمّرت في الأرض، وبصيت لنجلاء وأنا مش قادر أستوعب اللي سمعته.
أبويا؟!
أبويا اللي طول عمره كان بيقولي إن أختي أمانة في رقبتي، وإن الراجل مهما كبر لازم يفضل سند لأهله؟ أبويا اللي كنت ببعت له فلوس كل شهر عشان مصاريفه وعلاجه، وكنت فاكر إنه عايش مستور ومرتاح؟
هو نفسه اللي كان بياخد فلوس أختي؟!
مسكت التليفون بإيد بتترعش، وقلت للست اللي على الناحية التانية
إنتِ متأكدة من الكلام ده؟ إنتِ عارفة إنتِ بتقولي إيه؟ ده أبويا!
ردت عليا بحزن عارفة يا أستاذ محمود، وعشان كده سكت كل ده. أنا مش عايزة أظلم حد، بس عندي حاجات تثبت كلامي. أنا شوفت بعيني مراتك وهي بتسلم الفلوس لوالدك أكتر من مرة، وكنت فاكرة في الأول إنه بيساعدها في حاجة تخص البيت. لكن لما عرفت من سعاد إنها مش بتاخد حقها، بدأت أشك.
بلعت ريقي بالعافية وسألتها
وإنتِ عرفتي منين إن الفلوس دي فلوس أختي؟
قالت في مرة كنت واقفة عند باب شقتي، وسمعت مراتك بتقول لوالدك إن محمود بعت المبلغ الشهري، وإنها هتديله نصيبه زي ما اتفقوا. أبوك رد عليها وقال لها إن الموضوع لازم يخلص قبل ما إنت تنزل إجازة. أنا ماكنتش فاهمة يقصدوا إيه، لكن بعد كده شوفت سعاد وهي طالعة من عند مراتك بټعيط، وسمعتها بتقول لنفسها إنها مش هتشتكي لأخوها عشان خاطر أبوه.
قفلت عيني لحظة.
أختي كانت عارفة إن فيه حاجة غلط، وأبويا كان عارف، ومراتي كانت عارفة، وأخويا كان عارف، وأنا الوحيد اللي كنت عايش في بلد تانية وبحسب إن كل جنيه ببعتُه بيرسم ابتسامة على وش حد من أهلي.
قلت للست
ممكن أشوفك بكرة؟
قالت طبعًا، وأنا هجيب لك كل اللي عندي.
قفلت المكالمة، وبصيت لنجلاء.
كانت قاعدة على طرف الكنبة، بتفرك إيديها في بعض، ومش قادرة ترفع عينيها في عيني.
سألتها بهدوء أبويا كان بياخد منك فلوس كل شهر؟
ردت وهي بټعيط أيوه.
من إمتى؟
من أول ما إنت سافرت تقريبًا.
ضحكت بمرارة.
يعني سنة ونص يا نجلاء؟ سنة ونص وأبويا بياخد فلوس أختي، وإنتِ عارفة، وأنا كل ما أكلمك وأسألك عن سعاد تقولي لي إنها بخير وإن الفلوس وصلت لها؟
قالت بسرعة أنا ماكنتش عايزة الموضوع يوصل لكده!
أمال كنتِ عايزاه يوصل لإيه؟ كنتِ عايزة تفضلي تدي أختي شغل بدل حقها، وتاخدي الفلوس اللي أنا ببعتها لها، وبعدين تدي أبويا جزء منها؟ وإنتِ وأخويا تتصرفوا في شقتي من ورايا؟!
نجلاء غطت وشها، وفضلت ټعيط.
لكن المرة دي أنا ما كنتش مستعد أسمع دموع من غير إجابات.
قربت منها وقلت
أنا مش هزعق، ومش همد إيدي على حد، ومش هعمل أي تصرف أندم عليه. لكن من اللحظة دي، كل واحد فيكم هيقول الحقيقة كاملة. وأي حق ضاع هيترد بالطريقة القانونية. إنما قبل كل ده، عايز أفهم أبويا دخل في الموضوع إزاي.
نجلاء رفعت راسها ببطء.
أبوك هو اللي طلب مني في البداية إني أخلي سعاد تساعدني في البيت.
حسيت إن قلبي اتقبض.
إيه؟!
قالت أول ما إنت سافرت، كان أبوك بييجي عندنا كتير. وفي مرة سألني إذا كنتِ بتدي سعاد الفلوس اللي إنت بتبعتها لها. قلت له أيوه، وإنك موصيني عليها. قال لي إن سعاد مش بتعرف تدبر فلوسها، وإنها لو أخدت المبلغ كله هتصرفه، وإن الأفضل إننا نمسك الفلوس ونصرف عليها على قد احتياجها.
صړخت من غير ما أحس وأنتِ صدقتيه؟!
قالت أنا غلطت، عارفة إني غلطت. لكن في الأول كنت فاكرة إن ده لمصلحتها. أبوك قال لي إنه هيكلمها بنفسه، وإنه مش عايزها تعرف إننا بنرتب الموضوع ده عشان ما تزعلش.
سألتها وبعدين؟
نجلاء مسحت دموعها، وقالت
بعد أول شهر، أبوك طلب مني مبلغ من الفلوس، وقال إن عليه ديون وإنه محتاج يسددها بسرعة. أنا رفضت في الأول، لكنه قال لي إنه أبوك، وإنك لو عرفت إنه محتاج فلوس ومساعدتوش هتزعل مني. اديته جزء من المبلغ. وبعدها بقى كل شهر يطلب، مرة بحجة الديون، ومرة بحجة مصاريف البيت، ومرة بحجة إنه بيساعد عادل.
وإنتِ كنتِ بتقولي لي إنك اديتي سعاد الفلوس!
هزت راسها وهي بټعيط.
أيوه.
واللي كنتِ بتديه لسعاد كان كام؟
قالت بصوت مكسور في الأول كنت بديها ألف جنيه، وبعدها لما بدأت تيجي تساعدني في البيت، بقيت أديها ألفين. وكنت بقول لها إن ده اللي إنت محدده ليها.
حسيت إني مش قادر أقف، فقعدت على الكرسي المقابل لها.
ألفين جنيه مقابل شهور من التنضيف والغسيل والطبخ، بينما أنا كنت ببعت أربعة آلاف مخصوص
عشان أختي تعيش بكرامتها، وفوقهم كنت ببعت لبس لولادها.
سألتها واللبس اللي كنت ببعتُه؟
قالت أبوك كان بياخد جزء منه، ويقول إنه هيوديه لسعاد بنفسه. وأنا كنت بديه له، وبعد كده ما كنتش بسأل.
غمضت عيني، وحسيت بۏجع أكبر من قدرتي على الاحتمال.
كنت فاكر إن أختي محرومة بسبب ضيق الحال، لكن الحقيقة إن فيه ناس من أقرب الناس ليا كانوا بيشاركوا في حرمانها، وكل واحد فيهم كان عنده حجة جاهزة.
فتحت عيني وسألت نجلاء
طيب، الشقة؟ إيه علاقة أبويا بالشقة؟
نجلاء سكتت.
بصيت لها بحدة.
أنا مش هكرر السؤال.
قالت أخيرًا أبوك هو اللي عرف عادل على المشتري.
وعادل هو اللي استخدم التوكيل؟
أيوه، هو اللي تولى الإجراءات، لكن أبوك كان عارف كل حاجة.
والفلوس راحت فين؟
نجلاء مسحت وشها وقالت جزء راح لعادل عشان يسدد ديون كانت عليه، وجزء أخده أبوك، والباقي...
سكتت.
والباقي إيه؟
قالت بصوت خاڤت الباقي موجود في حساب مشترك بيني وبين عادل.
بصيت لها وأنا مش مصدق.
يعني الفلوس لسه موجودة؟
جزء منها.
جزء منها قد إيه؟
ما ردتش.
وقفت وقلت
هتجيبي لي كشف الحساب كامل، وكل المستندات اللي عندك. ومش هتتصرفي في جنيه واحد من الفلوس دي لحد ما المحامي يراجع كل حاجة.
نجلاء قامت بسرعة ومسكت إيدي.
محمود، أرجوك، اسمعني. أنا غلطت، بس فيه حاجة لازم تعرفها عن أبوك. هو ما كانش بيطلب الفلوس لنفسه بس.
بصيت لها.
أمال لمين؟
قالت وهي بتترعش
كان بيحول جزء كبير منها لواحدة اسمها منى.
الاسم ما كانش غريب عليا، لكني ما قدرتش أفتكر مين منى دي.
سألتها مين منى؟
نجلاء هزت راسها وقالت أنا معرفش عنها غير إنها ست ساكنة في المنصورة، وإن أبوك كان بيقول إنها أمانة في رقبته، وإنه لازم يفضل يساعدها. ولما كنت بسأله هي مين، كان بيزعق ويقول لي إن ده مش من شأني.
بصيت لها طويلًا.
وإنتِ بتقولي لي الكلام ده دلوقتي ليه؟
قالت لأن منى دي هي اللي كانت بتبعت رسائل لأبوك، وأنا شفت رسالة منها بالصدفة من كام يوم. كانت بتقوله إن الولد كبر، وإنه لازم يعرف الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.
حسيت بصداع شديد.
ولد مين يا نجلاء؟!
قالت معرفش يا محمود، والله ما أعرف. لكن أبوك لما قرأ الرسالة اتعصب جدًا، وقال إن محدش لازم يعرف بالموضوع ده، خصوصًا إنت.
فضلت واقف مكاني، ودماغي بتعيد كل كلمة قالتها.
فلوس أختي، شقتي، عادل، أبويا، وست اسمها منى، وولد لازم يعرف الحقيقة.
كل باب كنت بفتحه كان وراه باب تاني، وكل إجابة كانت بتولد أسئلة أصعب منها.
في اللحظة دي، تليفوني رن.
كان عادل.
رديت من غير ما أقول ألو.
سمعته بيتكلم بسرعة
محمود، أنا جاي لك. لازم نتكلم قبل ما أبوك يعرف إنك عرفت كل حاجة.
سألته أبويا يعرف إيه؟
سكت لحظة، وبعدها قال
محمود، الموضوع مش فلوس وبس. فيه حاجة حصلت من سنين، وأبوك طول عمره خاېف إنها تتكشف.
إيه هي؟
قال أنا مش هقدر أقول لك في التليفون. استناني نص ساعة، وهجيلك ومعايا الورق اللي يثبت كل حاجة.
قفلت المكالمة، وقررت إني أروح لأمي الأول.
مشيت من البيت من غير ما أقول لنجلاء هروح فين، واتجهت لبيت العيلة، البيت اللي اتربيت فيه، واللي كنت فاكر إنه مهما الدنيا لفت بينا، هيفضل المكان الوحيد اللي مفيهوش أسرار.
وصلت، وخبطت على الباب.
أمي فتحت، وأول ما شافتني، حضنتني وهي بټعيط من الفرحة.
يا حبيبي! إنت جيت إمتى؟ وليه ما قلتليش؟
حضنتها، لكني ما قدرتش أرد بنفس الفرحة.
دخلت الصالة، ولقيت أبويا قاعد على كرسيه المعتاد، بيقرأ الجرنال.
رفع عينيه، وابتسم.
أهلاً يا محمود، نورت البلد يا ابني.
قربت منه، وبوست إيده، رغم إن جوايا كان فيه ألف سؤال.
بص لي وقال مالك؟ وشك مخطۏف ليه؟ تعبان من السفر؟
قلت شوية إرهاق يا حاج، بس هرتاح.
قعدت قصاده.
أمي دخلت المطبخ تعمل لنا شاي، وأبويا رجع يطوي الجرنال.
بصيت له وقلت
كنت عايز أسألك عن سعاد.
ملامحه ما اتغيرتش.
مالها سعاد؟ ربنا يستر عليها، دي غلبانة ومحتاجة اللي يقف جنبها.
قلت أيوه، محتاجة اللي يقف جنبها فعلًا.
سكت لحظة، وبعدين كملت
أنا كنت ببعت لها أربعة آلاف جنيه كل شهر. الفلوس دي كانت بتوصل لها كاملة؟
أبويا رفع عينيه من الجرنال، وبص لي باستغراب مصطنع.
أمال إيه؟ مراتك كانت بتديها الفلوس، وأنا كنت بسأل عليها من وقت للتاني.
قلت وكنت بتاخد منها فلوس؟
اتغيرت ملامحه.
مين قال لك الكلام ده؟
جاوبني يا أبويا. كنت بتاخد منها فلوس؟
حط الجرنال على الترابيزة، وقال بحدة
إنت جاي من السفر عشان تحقق معايا؟ أنا أبوك يا محمود، مش واحد غريب!
قلت بهدوء وأنا ابنك، ومن حقي أفهم ليه أختي كانت بتشتغل عند مراتي عشان تاخد جزء من الفلوس اللي أنا ببعتها لها.
أبويا سكت.
وبعدين قال سعاد كانت محتاجة تتعلم تدبر أمورها، ومراتك كانت بتساعدها. إنت فاهم الموضوع غلط.
ضحكت بمرارة.
بتساعدها؟ كانت بتغسل السجاجيد بإيديها، وبتنضف الشقة، وبتطبخ، وبتغسل الهدوم. ده اللي إنت بتسميه مساعدة؟
أبويا رفع صوته
وإيه يعني؟ ما هي أختك، ومراتك، والستات بتساعد بعض. هو إنت عايزها تقعد من غير شغل وتاخد فلوس على الجاهز؟
بصيت له وقلت
الفلوس كانت حقها، مش صدقة منك ولا من مراتي.
رد بعصبية
أنا كنت بحافظ على الفلوس عشان مصلحتها!
وفلوس الشقة كمان كنت بتحافظ عليها لمصلحتي؟
الجملة خرجت مني فجأة.
أبويا اتجمد.
بص لي، وبعدها بص ناحية المطبخ، كأنه بيتأكد إن أمي مش سامعة.
قال بصوت واطي
إنت عرفت إيه بالظبط؟
قلت عرفت إن الشقة اتباعت من غير علمي، وإنك كنت عارف، وإن فلوس أختي كانت بتروح لك، وإن فيه ست اسمها منى.
أول ما قلت اسم منى، لون وشه اتغير تمامًا.
وفي اللحظة دي، أمي ظهرت عند باب المطبخ، وكانت ماسكة صينية الشاي.
الصينية وقعت من إيديها، والكوبايات اتكسرت على الأرض.
بصت لأبويا، وبعدها بصت لي، وقالت بصوت مليان ړعب
مين اللي قال لك اسم منى يا محمود؟
قمت من مكاني، وبصيت لها.
إنتِ تعرفيها يا أمي؟
أمي بدأت ټعيط، وحطت إيديها على صدرها.
أبويا قام بسرعة، وقال لها
ادخلي جوه يا أم محمود، إحنا بنتكلم في موضوع خاص.
لكن أمي ما اتحركتش.
بصت لي وقالت
لا يا محمود، خلاص. إنت كبرت، ومن حقك تعرف.
أبويا صړخ فيها
إنتِ هتعملي إيه؟ هتفضحي البيت بعد العمر ده كله؟!
أمي ردت عليه لأول مرة بصوت عالي
البيت اتفضح من يوم ما قررت تخبي الحقيقة عن ولادك!
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
بصيت لأمي، وقلت حقيقة إيه يا أمي؟
قربت مني، ومسكت إيدي، وقالت
منى دي ست كان أبوك يعرفها من قبل ما يتجوزني. وبعد جوازنا بسنين، رجعت ظهرت في حياته، ومعاها طفل صغير.
أبويا قاطعها
كفاية يا فاطمة!
لكن أمي كملت وهي بټعيط
الطفل ده كان عنده شهور، وهي قالت إن أبوه ماټ، وإنها مش قادرة تصرف عليه. أبوك وقف جنبها، وكان بيبعت لها فلوس من وقت للتاني. وأنا كنت فاكرة إن الموضوع مساعدة إنسانية، لحد ما اكتشفت إن فيه سر أكبر من كده.
بصيت لأبويا، وقلت
الطفل ده ابنك؟
أبويا ما ردش.
لكن سكوته كان كفاية عشان أحس إن الدنيا كلها وقعت فوق دماغي.
أمي كملت
أنا عرفت بالحكاية دي من سنين طويلة، وواجهته. وقتها حلف لي إن الطفل مش ابنه، وإنه مجرد بيقف جنب الست عشان ظروفها. وأنا صدقته، أو يمكن كنت عايزة أصدقه عشان أحافظ على بيتي وعيالي.
بصيت لها بۏجع.
يعني إنتِ كنتِ عارفة إن فيه ست تانية في حياته؟
قالت كنت شاكّة، لكن ما كانش عندي دليل. ولما سألت أبوك عن الفلوس اللي بيبعتها لها، قال لي إنها ديون قديمة، وإنه لازم يسددها.
لفيت ناحية أبويا.
والفلوس اللي كنت ببعتها لك كل شهر عشان مصاريفك وعلاجك؟ كنت بتحول منها لمنى؟
أبويا رد أخيرًا
أيوه، كنت بساعدها. لكن ده مش معناه إن كل اللي بتقوله أمك صح.
قلت والولد؟
سكت.
قربت منه، وقلت بصوت مبحوح
يا أبويا، أنا مش هقدر أتحمل كڈبة جديدة. الولد ده ابنك؟
أبويا قعد على الكرسي، وحط وشه بين إيديه.
ولأول مرة في حياتي، شفت الراجل اللي كنت فاكره جبل، عاجز إنه يبص في عيني.
قال بصوت خاڤت
أيوه يا محمود. الولد ابني.
حسيت إن نفسي انقطع.
أخويا اللي طول عمره كان بيقول لي إننا لازم نفضل إيد واحدة، ومراتي اللي كنت فاكرها شريكة عمري، وأبويا اللي كنت معتبره قدوتي... كل واحد فيهم كان مخبي عني جزء من الحقيقة.
لكن اللي وجعني أكتر من وجود أخ غير معروف ليا، إن أبويا كان مستعد ياخد من حق أختي عشان يصرف على حياة تانية، وفي نفس الوقت يسيبني أشتغل بره وأتعب وأنا مطمن إنه محتاج فلوسي.
سألته الولد عنده كام سنة؟
قال تلاتة وعشرين سنة.
رجعت خطوة لورا.
تلاتة وعشرين سنة!
يعني الولد كان موجود قبل ما أختي تتجوز، وقبل ما أنا أسافر بسنين طويلة.
سألته وإنت كنت بتصرف عليه طول السنين دي؟
قال كنت ببعت له ولأمه على قد ما أقدر.
ضحكت بمرارة.
على قد ما تقدر؟ ولا على قد ما تقدر تاخد مننا من غير ما حد يعرف؟
أبويا رفع صوته
أنا غلطت، أيوه، لكن الولد مالوش ذنب. أمه ربته لوحدها سنين، وأنا كان لازم أقف جنبه.
قلت وأنا مش بلوم الولد على حاجة. ده لو كان أخويا فعلًا، فهو مالوش ذنب في أي حاجة حصلت. لكن ليه خبيتوا عننا؟ وليه فلوس أختي دخلت في الموضوع؟
أبويا سكت.
وفي اللحظة دي، جرس الباب رن.
أمي مسحت دموعها، وراحت تفتح.
سمعت صوت رجل بيسلم عليها، وبعدها دخل الصالة.
كان شاب طويل، لابس قميص بسيط وبنطلون غامق، وفي إيده ملف أزرق.
أول ما شافني، وقف مكانه.
بص لأبويا وقال
أنا جيت يا بابا، زي ما طلبت مني.
كلمة بابا نزلت عليا تقيلة.
أبويا قام من مكانه، وقال
تعالى يا ياسين.
الشاب بص لي، وبعدها سأل
هو ده محمود؟
أبويا هز راسه.
ياسين قرب مني، ومد إيده.
أنا ياسين. أخوك منى قالت لي إنك رجعت، وإن فيه كلام لازم نتكلم فيه.
بصيت لإيده، وبعدها بصيت في عينيه.
ما كانش عندي أي كراهية ناحيته. بالعكس، كان واضح إنه داخل البيت وهو متوتر، ومش عارف إيه اللي مستنيه.
سلمت عليه، وقلت
اتفضل اقعد يا ياسين.
قعد قصادي، وحط الملف الأزرق على الترابيزة.
قال أنا مش جاي أطلب منك فلوس، ولا جاي أزاحمك على حاجة. أنا عرفت من فترة إن أبويا عايش، وإن عندي إخوات. ومن يوم ما عرفت، وأنا بحاول أفهم ليه كل السنين دي كنت بعيد عنكم.
أبويا نزل عينيه.
ياسين كمل
أمي قالت لي إن أبويا كان بيساعدنا من بعيد، وإنه كان خاېف من المشاكل. لكن من شهرين، لما تعبت أمي ودخلت المستشفى، اكتشفت إن فيه تحويلات مالية باسمها، وإن جزء منها جاي من حساب شخص تاني.
بصيت له باهتمام.
حساب مين؟
فتح الملف، وطلع ورقة.
حساب أختك سعاد.
قلبي اتقبض.
إزاي؟
قال أنا ما كنتش أعرف إنها أختي، ولا كنت أعرف إن الفلوس دي جاية من حقها. أمي كانت فاكرة إن الفلوس دي مساعدة من أبويا، لكن لما سألتها عن التفاصيل، قالت لي إنها كانت بتستلم المبالغ من شخص اسمه عادل، وإنه قال لها إنها فلوس مخصصة لمصاريف علاجها ومصاريفي.
بصيت لأبويا، اللي كان قاعد ساكت.
ياسين كمل
لما عرفت إن التحويلات مرتبطة بحساب سعاد، بدأت أراجع الورق. واكتشفت إن فيه مبالغ كانت بتدخل حساب أمي، وبعدها تتحول لحساب تاني. أنا جاي النهارده عشان أسلمك كل المستندات اللي عندي، وأقول لك إن أمي نفسها ما كانتش تعرف إن الفلوس دي جاية من أختك.
مد إيده بالملف.
فتحته، وبدأت أقلب الأوراق.
كانت فيه صور تحويلات، وتواريخ، وأرقام حسابات، ومبالغ متفرقة على مدار شهور طويلة.
لكن وسط الأوراق، لقيت صورة مستند قديم، عليه توقيع عادل، وتوقيع أبويا، وتوقيع شخص تالت.
قربت الورقة من عيني، وقرأت المكتوب.
كان اتفاقًا مكتوبًا بين ثلاثة أشخاص، متعلقًا ببيع الشقة، وتوزيع ثمنها، وتسوية ديون قديمة.
لكن اللي خلاني أحس إن قلبي وقف، إن اسم سعاد كان مكتوب في آخر الصفحة، وتحت الاسم جملة واضحة
تُستخدم حصة سعاد من المبلغ لسداد المديونية المستحقة عليها، ولا يحق لها المطالبة بأي مبالغ مستقبلية.
رفعت عيني بسرعة.
إيه الورقة دي؟!
ياسين قال دي كانت ضمن مستندات وصلت لأمي بالغلط. هي احتفظت بيها لأنها خاڤت تكون سبب في مشكلة، ولما عرفت الحقيقة قررت تديهالي عشان أوصله لك.
بصيت لأبويا.
حصة سعاد؟! سعاد ليها حصة في الشقة اللي اتباعت؟!
أبويا قام، وقال بعصبية
الورقة دي مش معناها اللي إنت فاهمه!
قلت أمال معناها إيه؟!
ما ردش.
مسكت الورقة ورفعتها قدامه.
إنتوا كتبتوا إن سعاد عليها مديونية، وإن حصتها من ثمن الشقة هتتخصم منها، مع إن الشقة دي شقتي أنا! إيه علاقة سعاد بالموضوع؟!
أبويا حط إيده على راسه، وقال
لأن الشقة ما كانتش ملكك لوحدك من البداية.
سكتت الصالة كلها.
حتى أمي بطلت عياط.
بصيت له وأنا مش فاهم.
إنت بتقول إيه؟
أبويا رفع عينيه وقال
الشقة دي أنا اللي اشتريتها من فلوسي، وسجلتها باسمك لما كنت صغير، لكن جزء من ثمنها كان من ميراث أمك، وجزء كان من فلوس جدك اللي كان ناوي يقسمها بينك وبين سعاد.
حسيت إني مش قادر أتنفس.
يعني إيه؟
أمي قربت مني وقالت
جدك قبل ما ېموت كان سايب مبلغ ليك ولمحمود وسعاد، وأبوك كان مسؤول عن إدارة الفلوس دي. هو استخدم جزء منها في شراء الشقة، وسجلها باسمك، وكان المفروض لما سعاد تكبر وتتجوز، ياخدوا حقها من باقي الممتلكات.
بصيت لأبويا.
وإنت ليه ما قلتليش؟
رد بصوت مكسور
كنت ناوي أرجع لها حقها، لكن الظروف اتعقدت، والديون زادت، وبعدها دخلت في مشاكل كتير، وكل مرة كنت بقول الشهر الجاي هحل الموضوع.
قلت له فقررت تاخد الفلوس اللي أنا ببعتها لها عشان تسدد ديونك؟ وتخليها تشتغل عند مراتي؟ وتبيع شقتي من غير علمي؟
أبويا ما ردش.
ياسين كان قاعد ساكت، وعينيه بتتنقل بيننا، وكأنه بيشوف عيلته لأول مرة.
وفجأة، تليفون أبويا رن.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
كان المتصل عادل.
أبويا رد بسرعة، وحط التليفون على ودنه.
أيوه يا عادل.
سمعنا صوت عادل من الناحية التانية، وكان بيتكلم بعصبية
بابا، إنت فين؟ أنا لازم أشوفك حالًا. محمود عرف كل حاجة، والموضوع خرج من إيدينا. فيه مشكلة أكبر من الورق اللي عنده!
أبويا بص لي، وحاول يقفل المكالمة، لكن عادل كمل
اسمعني كويس، المشتري بعت إنذار رسمي، والمحامي بيقول إن فيه مستند جديد ظهر في الشهر العقاري. لو المستند ده اتقدم، مش بس البيع هيتوقف، ده ممكن يثبت إن التوكيل اتستخدم بشكل مخالف. وإنت عارف إن التوقيع اللي على الإقرار مش توقيع سعاد الحقيقي!
حسيت إن الدنيا سكتت حواليّ.
توقيع سعاد مش حقيقي؟!
بصيت للورقة اللي كانت في إيدي، وافتكرت كلام أختي إنها مضت على إقرار استلام فلوس.
يعني فيه ورقة تانية مزورة، أو فيه توقيع اتستخدم باسمها من غير علمها.
أبويا قال بصوت حاد
اسكت يا عادل، ومتتكلمش في التليفون!
لكن عادل كان كمل
وبعدين، إنت لسه ما قلتش لمحمود مين اللي طلب منك تحط اسم سعاد في عقد البيع من البداية!
أبويا قفل المكالمة پعنف.
وقام من مكانه، ووقف قدامي.
محمود، اسمعني. أنا عارف إنك مصډوم، وعارف إنك مش هتسامحني بسهولة، لكن فيه حاجات حصلت ڠصب عني، وفيه ناس ضغطت عليا، وأنا كنت بحاول أحافظ على البيت.
قلت له مين اللي طلب منك تحط اسم سعاد في عقد البيع؟
أبويا
متابعة القراءة