رواية جديدة
المحتويات
سكت.
كررت السؤال
مين يا أبويا؟
في اللحظة دي، ياسين قام من مكانه، ومد إيده لجيبه، وطلع موبايله.
قال أنا عندي تسجيل لمكالمة بين أمي وعادل، سجلتها من غير ما أقصد، وكان فيها كلام عن الشقة. أنا ما كنتش فاهم وقتها المقصود إيه، لكن بعد اللي سمعته النهارده، أعتقد إنك لازم تسمعه.
فتح التسجيل، وحط الموبايل على الترابيزة.
في الأول سمعنا صوت عادل وهو بيتكلم بعصبية، وبعده صوت منى، أم ياسين، وهي بتقول
أنا ماليش دعوة بالمشاكل اللي بينكم، أنا كل اللي عايزاه إن الفلوس اللي وعدتوني بيها توصل، والولد ملوش ذنب في اللي حصل.
عادل رد
الفلوس هتوصلك، بس لازم الورق يخلص الأول.
منى قالت
وإنتوا ليه دخلتوا اسم البنت في الموضوع؟ هي مالها بكل ده؟
عادل رد بصوت واطي، لكنه كان واضح
لأن أبويا قال إن سعاد هي الوحيدة اللي ممكن تعطل البيع لو عرفت إن ليها حق في الشقة. فلازم نخليها تمضي على إقرار إنها استلمت كل فلوسها، وبعدها محدش يقدر يطالب بحاجة.
أمي حطت إيديها على بُقها.
أما أنا، فكنت باصص لأبويا، مستني منه ينطق.
لكن التسجيل كمل، وصوت منى قالت
طب ومحمود؟ ده لو عرف إنكم بتعملوا كده، مش هيسيبكم.
عادل ضحك وقال
محمود بعيد، ومش هيعرف حاجة. وبعدين، إحنا مش بناخد حقه، إحنا بنرتب الأمور لحد ما الديون تتسدد.
بعدها انتهى التسجيل.
الصمت اللي نزل على الصالة كان تقيل لدرجة إني كنت سامع صوت الساعة على الحيطة.
بصيت لأبويا، وقلت
يعني إنت كنت عارف إن لسعاد حق في الشقة، وعارف إننا بنخدعها، ومع ذلك كملت؟
أبويا قعد على الكرسي، ووشه بين إيديه.
أنا غلطت يا محمود.
قلت لأ يا أبويا، دي مش غلطة واحدة. دي سلسلة قرارات، كل قرار فيها كان بيكسر حد من ولادك عشان إنت تهرب من مواجهة الحقيقة.
أمي قربت منه، وقالت وهي بټعيط
ليه عملت فينا كده؟ أنا كنت مستعدة أساعدك لو كنت قلت الحقيقة. كنا كلنا ممكن نقف جنبك، لكنك اخترت تخدعنا كلنا.
أبويا رفع وشه، وقال
كنت خاېف.
سألته من إيه؟
رد بصوت مبحوح
كنت خاېف أخسر احترامكم ليا.
ضحكت بۏجع.
فقررت تخسرنا إحنا بدل ما تخسر صورتك قدامنا؟
ما ردش.
قمت من مكاني، وخدت الأوراق كلها، وقلت
أنا مش هتصرف في حاجة من غير ما أراجع محامي. وكل جنيه اتاخد من سعاد أو من حقي هيتراجع حسابه. واللي يثبت إنه أخد حاجة من غير حق، هيرجعها، مهما كان مين.
أبويا رفع عينيه وقال
هتدخل أبوك المحاكم يا محمود؟
وقفت عند باب الصالة، وبصيت له طويلًا.
أنا مش داخل أحارب أبويا. أنا داخل أرجع حق أختي، وأحمي بيتي، وأوقف الظلم اللي إنتوا كلكم سكتوا عليه. لو كنت عايزني أحافظ على اسمك، كان المفروض تحافظ إنت على حقوق ولادك.
خرجت من البيت، وياسين خرج ورايا.
وقف جنبي عند باب العمارة وقال
أنا عارف إن اللي حصل صعب عليك، بس أنا مش طرف في أي حاجة من دي. أنا عرفت الحقيقة قريب، وكل اللي عايزه إن حقي وحق أمي يكونوا واضحين، من غير ما حد يظلم حد.
بصيت له.
كان واضح عليه إنه مش مرتاح، وإنه نفسه يثبت لي إنه مش جاي ياخد حاجة مننا.
قلت له
أنا مش هحاسبك على ذنب غيرك. لو إنت أخويا، فإنت أخويا، وده شيء مالوش علاقة بأخطاء أبويا. لكن كل واحد لازم يتحمل مسؤولية اللي عمله بنفسه.
هز راسه، وقال
وأنا مستعد أقول كل اللي أعرفه قدام أي جهة مختصة.
مد إيده بالملف الأزرق وقال
خد ده معاك. فيه مستندات تانية، بس فيه ورقة واحدة أنا ما فتحتهاش، لأنها مكتوب عليها اسمك، وأمي قالت لي ما أسلمهاش لحد غيرك.
فتحت الملف، وطلعت ظرف أبيض صغير.
كان مكتوب عليه بخط قديم
إلى محمود، ابني، إذا عرف الحقيقة يومًا.
عرفت الخط فورًا.
كان خط جدي.
إيدي بدأت تترعش وأنا بفتح الظرف.
جواه ورقة واحدة، مكتوبة بخط جدي، وفي آخرها توقيعه.
بدأت أقرأ
يا محمود، لو الورقة دي وصلت لك، يبقى أنا ما قدرتش أقول لك الحقيقة وأنا عايش. أنا سايب لك أمانة عند أبوك، وأمانة تانية عند أمك، وأمانة تالتة تخص سعاد. الفلوس اللي اتقسمت بينكم مش هي كل الميراث، لأن فيه أرض في البلد اتباعت من سنين، وثمنها اتحط في حساب باسم شخص واحد، وكان المفروض الفلوس دي تتقسم عليكم بالتساوي.
لو لقيت إن حد فيكم بيقول إن سعاد مالهاش حق، أو إن نصيبها اتصرف، لازم تعرف إن فيه مستند أصلي عند المحامي اللي كتب الوصية، والمستند ده فيه أسماء الورثة الحقيقيين، وفيه شرط واضح إن أي تصرف في نصيب سعاد من غير موافقتها يعتبر باطلًا.
وقفت عن القراءة.
رفعت عيني لياسين، وسألته
إنت تعرف المحامي ده؟
هز راسه وقال
أيوه، أمي كانت بتقول إن جدي كان بيتعامل مع محامي في طنطا، لكن أنا ما أعرفش اسمه.
قلبت الورقة، ولقيت اسم المحامي وعنوان مكتبه القديم، وتاريخ الوصية.
لكن قبل ما أتحرك، تليفوني رن تاني.
المرة دي كانت أختي سعاد.
رديت بسرعة.
أيوه يا سعاد، خير؟ إنتِ كويسة؟
سمعت صوتها وهي بټعيط
محمود، عادل جه عندي، ومعاه أبوك.
قلبي اتقبض.
عملوا لك حاجة؟
قالت لأ، بس أبوك طلب مني أمضي على ورق جديد، وقال إن ده عشان يصلح كل حاجة، وإنه هيعوضني عن الفلوس اللي راحت.
قلت لها بسرعة
إوعي تمضي على أي ورقة، مهما قالوا لك. استنيني، أنا جاي لك.
لكن سعاد قالت جملة خلتني أقف مكاني
يا محمود، أنا مش خاېفة منهم. أنا خاېفة من الورقة اللي أبوك جابها معاه. عليها اسمك إنت كمان، ومكتوب فيها إنك موافق على بيع الشقة، وإنك استلمت نصيبك كامل.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
إيه؟!
قالت وفيه حاجة تانية يا أخويا. أبوك قال لي إن لو الورقة دي اتكشفت، إنت ممكن تخسر كل حاجة، وإن فيه حد تاني هيشهد ضدك.
سألتها مين؟
سمعت صوت عادل في الخلفية وهو بيقول لها بعصبية
هاتي التليفون يا سعاد!
سعاد صړخت
لأ! سيبني أكلم أخويا!
وبعدها سمعت صوت حركة، ثم انقطع الاتصال.
اتصلت
بيها تاني، لكن موبايلها كان مقفول.
جريت ناحية العربية، وياسين ركب جنبي، وانطلقنا في اتجاه بيت أختي.
طول الطريق كنت بحاول أتصل بسعاد، لكن مفيش رد.
وصلنا بعد دقائق، وطلعت السلم بسرعة.
باب الشقة كان مفتوح.
دخلت، ولقيت سعاد واقفة في نص الصالة، ووشها أحمر من العياط، وأبويا قاعد على الكنبة، وعادل واقف جنبه، وبين إيديهم ملف كبير.
أول ما شافوني، عادل حاول يخبي الملف وراه.
قلت بصوت حاسم
محدش يتحرك.
أبويا قام، وقال
محمود، إحنا كنا بنتكلم بهدوء، ومفيش داعي تكبر الموضوع.
بصيت لسعاد.
إنتِ مضيتي على حاجة؟
هزت راسها بسرعة.
لأ، والله ما مضيت.
حسيت براحة صغيرة.
قربت منها ووقفت جنبها.
وبعدين بصيت لأبويا وقلت
الورق اللي معاك ده إيه؟
رد ورق هينهي المشاكل كلها، ويثبت إن كل واحد أخد حقه.
قلت وريني.
عادل اعترض
مش من حقك تاخد الورق وتفتشه كده!
بصيت له.
وأنا من حقي أعرف ليه اسمي موجود في مستندات بيع شقتي من غير علمي. لو الورق سليم، مفيش حاجة تخوفكم.
أبويا بص لعادل، وبعد تردد مد لي الملف.
فتحته.
كان فيه إقرار جديد، مكتوب فيه إن سعاد استلمت كل مستحقاتها، وإنها لا تملك أي حقوق في الشقة أو الأرض أو أي أموال تخص العائلة.
وفي الصفحة التانية، كان فيه إقرار باسمي، بيقول إني وافقت على بيع الشقة، وإن ثمنها اتوزع بين أفراد العائلة بموافقتي الكاملة.
أما الصفحة التالتة، فكانت صورة بطاقة شخص، وتحتها توقيع شاهد.
رفعت عيني ناحية الاسم، وحسيت إن قلبي وقف للمرة التانية في نفس اليوم.
الشاهد كان اسمه ياسين.
بصيت لياسين، اللي كان واقف جنبي، وملامحه اتغيرت أول ما شاف الورقة.
قال بسرعة
أنا ما مضيتش على الورقة دي! ده مش توقيعي!
عادل ضحك ضحكة قصيرة وقال
طبعًا، كل واحد هيقول إنه ما مضاش. لكن الورق موجود، والتوقيعات موجودة، واللي عنده اعتراض يروح يثبت كلامه.
ياسين قرب من الورقة، وبص للتوقيع.
وبعدين قال بصوت متوتر
استنى... أنا شفت التوقيع ده قبل كده.
بصيت له.
فين؟
ياسين رفع عينيه ناحية أبويا، وقال
على عقد تاني كان عند أمي. عقد يخص الأرض اللي جدي كتبها في الوصية.
أبويا قام فجأة، وخطڤ الورقة من إيدي.
كفاية! الموضوع انتهى!
لكن ياسين مسك طرف الملف وقال
لأ يا بابا، الموضوع لسه ما انتهيش. لأن التوقيع ده مش توقيعي، وأنا أقدر أثبت ده. والأهم من كده إن فيه نسخة أصلية من العقد عند أمي، وعليها توقيع الشخص اللي استلم فلوس الأرض.
أبويا سابه من إيده، ورجع لورا.
عادل بص لياسين پغضب وقال
إنت مالك بالموضوع أصلًا؟ إنت جاي تعمل فيها بطل ليه؟
ياسين رد بهدوء
لأني تعبت من إني أعيش طول عمري في نص أسرار مش فاهمها. ولأن أمي قالت لي إن الراجل اللي بيسرق حق غيره عمره ما هيعرف يدي ابنه حقه.
الجملة دي خلت أبويا ينزل عينيه.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
سعاد، اللي كانت ساكتة طول الوقت، دخلت أوضتها ورجعت ومعاها ظرف قديم.
قالت
أنا كمان عندي حاجة لازم تشوفوها.
كلنا بصينا لها.
فتحت الظرف، وطلعت صورة ورقة قديمة، كانت مخبياها من يوم ما عادل جه لها يطلب منها تمضي على الإقرار الأول.
قالت
دي الورقة اللي جدي كان مديهالي وأنا صغيرة، وقال لي أحافظ عليها، وإنها هتبقى مهمة لما أكبر. أنا عمري ما فهمت معناها، ولما سألت أبويا عنها، قال لي إنها مجرد ورقة قديمة مالهاش لازمة.
مدت الورقة لي.
كانت شهادة من المحامي القديم، بتثبت إن جدي خصص مبلغًا ماليًا لسعاد، وإن المبلغ ده ما اتسلمش لها، وإنه لازم يفضل محفوظًا باسمها لحد ما تستلمه بنفسها.
وفي آخر الورقة، كان فيه رقم حساب قديم، واسم البنك، وتاريخ آخر مراجعة للحساب.
رفعت عيني، وقلت
يا سعاد، إنتِ كنتِ محتفظة بالورقة دي كل السنين دي؟
قالت أيوه. كنت بخاف أرميها، رغم إني مش فاهمة هي إيه. وكنت كل ما أفتكر كلام جدي، أحس إنه كان عايزني أحافظ عليها.
ياسين أخذ الورقة، وراجع بياناتها، وبعدها قال
الحساب ده ممكن يكون لسه موجود، أو يكون اتقفل واتحولت فلوسه لحساب تاني. لازم نراجع البنك والمحامي.
عادل حاول يضحك باستخفاف.
حساب إيه يا جماعة؟ إنتوا بتدوروا على وهم. الفلوس دي من زمان، ولو كان فيه حاجة كانت ظهرت.
لكن نجلاء، اللي كانت وصلت البيت بعد ما عرفت إننا كلنا مجتمعين، دخلت الصالة وهي ماسكة موبايلها.
قالت بصوت مرتعش
لأ يا عادل، الفلوس ما اختفتش.
كلنا بصينا لها.
كملت وهي بتبص لي
أنا لقيت كشف حساب قديم في الشنطة اللي كنت مخبياها. فيه تحويل حصل من الحساب المشترك بيني وبين عادل لحساب باسم شركة، وبعدها الفلوس اتحولت لحساب تاني. أنا كنت فاكرة إن الشركة دي بتسدد ديون عادل، لكن لما راجعت الاسم، اكتشفت إنها شركة مملوكة لشخص قريب من المحامي القديم.
أبويا قعد على الكنبة، ووشه بقى شاحب.
سألت نجلاء
اسم الشركة إيه؟
طلعت الورقة من شنطتها، ومدتها لي.
قرأت الاسم، وبعدها بصيت لأبويا.
لأول مرة، ما حاولش ينكر.
قلت له
إنت كنت عارف إن الفلوس دي لسه موجودة؟
أبويا فضل ساكت.
عادل بدأ يتراجع ناحية الباب، لكني وقفت قدامه.
رايح فين؟
قال بعصبية أنا مش هفضل واقف أسمع اټهامات طول الليل!
قلت محدش اتهمك بحاجة لسه. لكن لو إنت واثق من نفسك، استنى لحد ما نراجع المستندات.
عادل بص لأبويا، وكأنه مستني منه يتدخل وينقذه.
لكن أبويا ما اتحركش.
وفجأة، نجلاء قالت
فيه حاجة تانية لازم محمود يعرفها.
بصيت لها وأنا خلاص مش قادر أتحمل مفاجآت جديدة.
إيه تاني يا نجلاء؟
قالت
قبل ما إنت تنزل من السفر بأسبوع، عادل كلمني وقال لي إن فيه شخص هييجي يسأل عن الشقة، وإن لازم أقول له إنك وافقت على البيع، وإنك كنت عارف كل حاجة. وأنا وافقت، لأني كنت خاېفة لو رفضت يفضح موضوع الفلوس اللي كنت بديها لأبوك.
سألتها والشخص ده مين؟
نجلاء بلعت ريقها، وقالت
هو نفس الشخص اللي كان بييجي يقابل أبوك في البيت، واللي كان بيطلب منه كل شهر مبالغ كبيرة. وأنا شفته بعيني يوم ما جه ياخد آخر دفعة من فلوس الشقة.
ياسين قرب منها وسأل
تعرفي اسمه؟
هزت راسها.
أيوه. اسمه الأستاذ شريف، وكان بيقول إنه محامي العيلة، لكني اكتشفت من الورق إنه مش المحامي اللي كتب وصية جدك.
بصيت للورقة اللي في إيدي، وافتكرت إن جدي كان كاتب اسم محامي معين وعنوان مكتبه في طنطا.
يعني الشخص اللي كان بيدير المستندات ويجمع الفلوس، ممكن يكون مش المحامي الحقيقي أصلًا.
قلت
بكرة الصبح، هنروح للمحامي الأصلي، وهنراجع الحسابات كلها. لحد ما نعرف الحقيقة، محدش هيمضي على أي ورقة، ومحدش هيتصرف في أي مبلغ.
أبويا رفع عينيه وقال بصوت مكسور
محمود، أنا عارف إني غلطت، بس أرجوك، ما تخلّيش الناس تعرف اللي حصل. أنا أبوك، وسمعتي...
قاطعته بهدوء
سمعتك مش هتضيع لو رجعت الحقوق لأصحابها واعترفت بغلطك. لكن لو حاولت تخبي الحقيقة تاني، هتكون إنت اللي بتختار النتيجة.
سعاد قربت من أبويا، ووقفت قدامه.
قالت وهي بتحاول تمنع دموعها
أنا مش عايزة منك غير حقي يا بابا. أنا مش عايزة أفضحك، ولا عايزة أخرب بيت حد. أنا كل اللي كنت عايزاه إني لما أحتاج
حاجة، ما اضطرش أروح أنضف بيت أخويا عشان آخد فلوس هو بنفسه باعتها لي.
أبويا بص لها، ودموعه نزلت لأول مرة قدامنا.
مد إيده ناحيتها، لكنها رجعت خطوة لورا.
وقالت
لما ترجع لي حقي، ولما أعرف إنك مش هتظلمني تاني، ساعتها هقدر أقرب منك. إنما دلوقتي، أنا محتاجة وقت عشان أصدق إنك لسه أبويا اللي كنت أعرفه.
الكلام وجعه، لكن كان لازم يسمعه.
في الليلة دي، ماحدش نام.
كل واحد فينا كان قاعد مع نفسه، بيحاول يستوعب إن البيت اللي اتربينا فيه كان مليان أسرار، وإن الحقيقة اللي ظهرت مش نهاية الحكاية، لكنها بداية حساب طويل.
وقبل الفجر بشوية، كنت قاعد في الصالة مع ياسين، بنراجع الأوراق، لما تليفونه رن.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
قال دي أمي.
رد بسرعة.
أيوه يا أمي، إحنا كويسين. إنتِ عاملة إيه؟
سمعنا صوت منى من الناحية التانية، وكانت بتتكلم وهي بټعيط
ياسين، لازم تيجي لي حالًا. فيه حد جه البيت، وطلب مني أديه أصل الورقة اللي جدك كان سايبها عندي.
ياسين وقف.
مين اللي جه يا أمي؟
قالت بصوت مرتعش
الأستاذ شريف... ومعاه عادل.
بصيت لعادل، اللي كان قاعد في آخر الصالة، فرفع راسه بسرعة.
منى كملت
ولما رفضت أديهم الورقة، قالوا لي إنهم هيبلغوا عنك إنك سړقت مستندات تخص العيلة، وإنهم هيخلّوك تدخل في مشكلة مالكش دعوة بيها.
ياسين قال بعصبية
إوعي تديهم أي حاجة يا أمي! أنا جاي لك دلوقتي.
لكن منى صړخت فجأة
استنى يا ياسين! فيه حاجة أهم... أنا لقيت جواب قديم كان مخبي مع الورقة، وقرأت فيه اسم الشخص اللي جدي كان كاتب الأرض باسمه مؤقتًا.
سألها ياسين
مين؟
سكتت ثواني، وبعدها قالت
الاسم مش اسم أبوك، ولا اسم محمود، ولا اسم سعاد.
وبعدين همست بالجملة اللي خلتنا كلنا نقف مكاننا
الأرض كلها متسجلة باسم شخص ماټ من أكتر من عشرين سنة... لكن توقيعه موجود على عقد بيع اتعمل الشهر اللي فات!
فضلنا واقفين في الصالة، وكل واحد فينا بيبص للتاني، كأننا مستنيين حد يطلع يقول إن اللي سمعناه مجرد سوء فهم.
ياسين كان ماسك تليفونه بإيد بتترعش، وأنا واقف جنبه بحاول أستوعب إزاي شخص ماټ من أكتر من عشرين سنة يكون اسمه موجود على عقد بيع اتعمل الشهر اللي فات!
قلت له بسرعة
اسأل أمك اسم الشخص ده إيه، وخليها ما تديش أي ورق لحد مهما حصل.
ياسين رجع حط التليفون على ودنه.
يا أمي، ركزي معايا. اسم مين المكتوب في الجواب؟
سمعنا صوت منى وهي بتاخد نفسها بصعوبة، وبعدها قالت
الاسم اللي مكتوب هو حسن منصور... جدك يا ياسين، وجد محمود وسعاد.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
جدي؟!
ياسين بص لي باستغراب، وبعدها رجع سأل أمه
يعني إيه يا أمي؟ جدي ماټ من زمان، إزاي الأرض اتباعت باسمه الشهر اللي فات؟
منى ردت
مش عارفة يا ابني. أنا لقيت جواب قديم بخط إيده، بيقول فيه إن الأرض اللي في طريق المنصورة اتسجلت باسمه مؤقتًا، وإنها أمانة لحد ما أحفاده يكبروا، وبعدها تتقسم بينهم بالتساوي. لكن فيه عقد جديد، مكتوب فيه إن الأرض اتباعت بموافقة الورثة، والتوقيع اللي عليه توقيع جدك!
بصيت لأبويا.
كان قاعد ساكت، لكن وشه اتغير، وده خلاني أتأكد إنه فاهم أكتر مما بيقول.
قربت منه وسألته
يا أبويا، إنت تعرف حاجة عن الأرض دي؟
رد بسرعة
لأ، معرفش حاجة.
قلت له
بص في عيني ورد عليا. إنت كنت عارف إن فيه أرض باسم جدي؟
رفع عينيه ليا، وقال
كنت عارف إن جدك كان عنده أرض، لكن الأرض دي اتباعت من سنين طويلة، والفلوس اتصرفت في مصاريف العيلة.
سعاد، اللي كانت قاعدة جنب أمي، قامت فجأة.
اتباعت إزاي يا بابا؟ جدي كان بيقول لي إن ليّا نصيب فيها!
أبويا بص لها بحدة.
إنتِ كنتِ صغيرة، ومكنتيش فاهمة حاجة.
ردت عليه لأول مرة من غير خوف
كنت صغيرة، لكن مش للدرجة اللي تخليني أنسى كلام جدي. أنا فاكرة يوم ما ناداني في أوضته، واداني ظرف، وقال لي أحافظ عليه لحد ما أكبر. وقال لي إن حقي محفوظ، وإن محدش يقدر ياخده مني طول ما الورقة دي معايا.
أنا كنت عارف إن سعاد بتتكلم عن الظرف اللي ورّتهولي، لكن واضح إن فيه مستندات تانية ما زالت مستخبية.
سألتها
هو جدي قال لك إن الأرض اتباعت؟
قالت
لأ. قال لي إن الأرض موجودة، وإن نصيبي فيها محفوظ. لكن لما كبرت وسألت أبويا، قال لي إن جدي كان بيهذي قبل ما ېموت، وإنه مكنش فيه أرض أصلًا.
بصيت لأبويا وقلت
يعني إنت كنت عارف إن أختي ليها حق، وفضلت طول السنين دي تقول لها مفيش حاجة؟
أبويا رد بعصبية
أنا كنت بحاول أحميكم من مشاكل قديمة، وإنتوا مش فاهمين اللي حصل!
قلت له
طيب فهمنا يا أبويا. احكي لنا اللي حصل، بدل ما كل يوم نكتشف مصېبة جديدة.
لكنه قام من مكانه وقال إنه مش هيكمل الكلام، وإنه تعبان ومحتاج يرتاح.
قبل ما يخرج من الصالة، بصيت له وقلت
لو خرجت دلوقتي من غير ما تجاوب، أنا هعتبر إنك مش عايز تساعدنا نعرف الحقيقة، وهسيب المحامي يراجع كل ورقة باسمه، من غير ما أستثني حد.
وقف مكانه.
فضل باصص لي ثواني، وبعدها دخل أوضته وقفل الباب.
أمي قعدت على الكنبة وفضلت ټعيط.
أما عادل، فكان قاعد ساكت بطريقة مريبة. لا بيتكلم ولا بيبص لحد، وكل شوية يبص على تليفونه، كأنه مستني مكالمة.
قربت منه وقلت
إنت عارف حاجة عن عقد البيع اللي اتعمل الشهر اللي فات؟
رد من غير ما يبص لي
لأ.
طيب، ليه الأستاذ شريف راح لمنى يطلب الورق؟
معرفش.
وإيه علاقتك بالأرض دي؟
رفع عينيه فجأة وقال بعصبية
إنت عايز تطلعني أنا السبب في كل حاجة؟! أنا غلطت في موضوع الفلوس، ومعترف إني دخلت نفسي في مشاكل، لكن الأرض دي ماليش دعوة بيها.
كنت هرد عليه، لكن ياسين قطع كلامنا.
قال
أنا لازم أروح لأمي. هي لوحدها، ومش عايز أسيبها مع الناس دي.
قلت له
استنى، أنا هاجي معاك.
سعاد قربت مني وقالت
وأنا جاية معاكم.
بصيت لها.
إنتِ تعبتي بما فيه الكفاية، خليكي مع أمي وأنا هطمن على منى ونرجع.
هزت راسها، وقالت
لأ يا محمود. أنا مش هفضل طول عمري أستخبى من الناس اللي ظلمتني. لو الأرض دي فيها حقي، أنا عايزة أعرفه بنفسي.
حسيت بالفخر وأنا ببص لها. نفس الست اللي من ساعات كانت بټعيط وهي بتحكي لي إنها كانت پتخاف تشتكي، بقت دلوقتي مستعدة تواجه كل اللي حصل.
قلت لها
خلاص، هنروح كلنا، بس محدش هيتصرف بعصبية، ومحدش هيمضي على أي ورقة قبل ما المحامي يراجعها.
خرجنا من البيت، وركبنا العربية.
كانت الشمس بدأت تطلع، والبلد لسه بتفوق من النوم، لكن أنا كنت حاسس إن يوم طويل جدًا مستنينا.
طول الطريق، ياسين كان بيحاول يتصل بأمه، لكنها ما كانتش بترد.
بعد تالت محاولة، ردت أخيرًا.
أيوه يا ابني.
إنتِ كويسة يا أمي؟
أيوه، أنا كويسة. بس اسمعني، أنا رحت عند جارتنا أم هاني، عشان ما كنتش عايزة أفضل لوحدي في البيت.
ياسين اتنفس براحة.
الحمد لله. إحنا قربنا نوصل.
منى سكتت شوية، وبعدها قالت
يا ياسين، أنا لازم أقول لك حاجة قبل ما توصل.
قولي يا أمي.
الأستاذ شريف ما جاش لوحده. كان معاه واحد من موظفين المكتب اللي كان بيتعامل مع جدك زمان، والراجل ده أول ما شافني قال لي إن الورقة اللي عندي مش من حقي، وإن لو ما سلمتهاش لهم هيدخلوني في قضية.
سألتها أنا من مكاني
هو قال لك اسم المكتب اللي شغال فيه دلوقتي؟
منى سمعت صوتي، وردت
أيوه يا أستاذ محمود، قال إنه شغال في مكتب الأستاذ فؤاد عبدالسلام، المحامي اللي كان مسؤول عن أوراق جدك.
بصيت لياسين.
ده كان نفس الاسم اللي مكتوب في جواب جدي القديم.
يعني المحامي اللي كان المفروض يحفظ الأمانة، ممكن يكون له علاقة باللي بيحصل دلوقتي.
وصلنا المنصورة بعد حوالي ساعة، وطلعنا على بيت منى.
كانت ست في أواخر الخمسينات، ملامحها هادية، لكن التعب باين على وشها. أول ما شافت ياسين، حضنته بقوة، وبعدها بصت لي ولسعاد.
قالت
إنتوا أكيد أولاد حسن منصور؟
سعاد هزت راسها.
منى قربت منها، ومسكت إيديها.
أنا آسفة يا بنتي. والله ما كنت أعرف إن الفلوس اللي كانت بتوصل لي من عادل فيها حقك. أنا كنت فاكرة إن أبوك بيساعدني من فلوسه، وما سألتش كتير عشان كنت خاېفة أخسر المساعدة اللي كانت بتوصلني وقت ما أكون محتاجة.
سعاد بصت لها بحزن وقالت
إنتِ مالكيش ذنب لو مكنتيش تعرفي. أنا مش جاية ألومك، أنا جاية أعرف الحقيقة.
منى هزت راسها، وبعدها ډخلتنا الصالة.
كانت مجهزة كل الأوراق على الترابيزة، وحاطة جنبها صندوق خشب صغير.
قالت
جدي حسن سلمني الصندوق ده قبل ۏفاته بشهور. وقتها كنت بشتغل عنده في البيت، وكنت عارفة إن فيه مشاكل بينه وبين بعض أفراد العيلة، لكنه وثق فيا وطلب مني أحافظ عليه. وقال لي ما أفتحوش إلا لما ييجي حد من أحفاده يطلب حقه.
بصيت
للصندوق.
وإنتِ ليه
متابعة القراءة