رواية جديدة

لمحة نيوز

شيء بيحاول يحميه، لكنني لم أكن أعرف إذا كان بيحمي شركته، أو أحد أبنائه، أو نفسه.
في اليوم التالي، وصلني ظرف رسمي من مكتب محاماة مستقل.
كان جواه طلب لعقد اجتماع عاجل بخصوص مجموعة مهران، ومرفق معه نسخة من مستندات جديدة.
المفاجأة إن المستندات ما كانتش مقدمة من رشدي، ولا من ماجد.
كانت مقدمة من زياد نفسه.
طلبت من المحامي المسؤول عن الصفقة يراجع الأوراق، وبعدها وافقت على مقابلة رسمية في مقر شركتنا، بحضور المستشار القانوني وماهر.
وصل زياد في الموعد المحدد.
كان لابس بدلة رمادية، لكن شكله كان مرهقاً، وعينيه فيها سهر واضح.
دخل القاعة، وبص لي.
مساء الخير يا مدام كامليا.
أشرت له يقعد.
مساء الخير يا زياد. اتفضل.
حط ملفاً على الطاولة، وقال
أنا عارف إن حضرتك مش هتصدقي أي كلام مني بعد اللي حصل. وعارف إن وجودي هنا ممكن يبان محاولة مني لإنقاذ عيلتي بعد سحب العرض.
قلت
أنا مش هنا عشان أصدقك أو أكذبك. أنا هنا عشان أشوف المستندات، وأسمع تفسيرك، وبعدها كل حاجة هتتراجع بالطريقة القانونية المناسبة.
أومأ برأسه.
فتح الملف، وبدأ يشرح.
قال إن المجموعة كانت بتستعد لإعادة هيكلة بعض الشركات التابعة لها، وإن أخوه ماجد كان مسؤولاً عن جزء من العمليات الإدارية. وبعد فترة، ظهرت خلافات داخل الإدارة حول طريقة تسجيل بعض العقود والمصروفات.
أنا اعترضت على بعض الأرقام، وطلبت مراجعتها. لكن بابا قال إن كل
حاجة تحت السيطرة، وإن فيه تفاصيل مش لازم تدخل فيها الإدارة التنفيذية كلها.
سألته
وإنت عملت إيه؟
طلبت تقارير إضافية. لكن قبل ما أوصل لنتيجة، بدأت مفاوضات الاستحواذ مع شركتكم.
هل كنت عارف إن البيانات المقدمة لنا فيها اختلافات؟
خفض عينيه.
كنت شاكك إن فيه اختلافات في بعض البنود، لكن ما كنتش عارف حجمها الحقيقي.
وليه ما بلغتنيش أو بلغت المراجعين؟
فضل ساكتاً لثوانٍ طويلة.
ثم قال
لأنني كنت خاېف.
خاېف من إيه؟
من إن المجموعة ټنهار، ومن إن عيلتي تتفرق، ومن إن أي اعتراض مني يتحول لحرب داخل الشركة. كنت فاكر إننا نقدر نصلح كل حاجة من غير ما نوصل للمرحلة دي.
بصيت له بهدوء.
وأنت كنت فاكر إن الصمت هيحل المشكلة؟
هز راسه.
لأ. وأنا عارف إن ده كان غلط.
فتح صفحة جديدة من الملف.
بعد اللي حصل في الحفلة، بدأت أراجع كل المستندات بنفسي. ولقيت إن فيه عقداً اتقدم باسم شركة النور للاستشارات، لكن نسخة العقد اللي في ملفاتنا مختلفة عن النسخة اللي قدمها المكتب الوسيط. وفيه توقيع منسوب لإيما على ملحق مالي، وهي بتقول إنها ما وقعتش عليه.
سألته
إنت متأكد من كلامك؟
أنا مش خبير توقيعات، وعشان كده سلمت النسخ للمحامي. لكن عندي مراسلات بتثبت إن إيما طلبت وقف التعامل، وإن طلبها ما اتنفذش.
ثم أخرج ورقة أخيرة.
كانت رسالة إلكترونية بينه وبين والده، مؤرخة قبل الحفلة بأيام.
قرأت الرسالة.
كان رشدي بيسأله إذا كان متأكداً إن المستثمر الجديد هيوافق على إتمام الصفقة في موعدها، وزياد بيرد إن التقييم المبدئي مناسب، لكن المراجعة المالية ممكن تكشف اختلافات.
رد رشدي في الرسالة التالية
المهم إن الصفقة تتم قبل ما أي طرف يفتح الملفات القديمة.
رفعت عيني إلى زياد.
إنت كنت عارف إن فيه ملفات قديمة ممكن تؤثر على الصفقة؟
قال
كنت عارف إن فيه خلافات مالية قديمة، لكن ما كنتش عارف تفاصيلها. ولما سألت بابا، قال لي إنها اتقفلت من زمان.
وإنت صدقته؟
سكت.
ثم قال
أيوه.
كانت إجابته صريحة، لكنها لم تكن كافية لمحو كل ما حدث.
قلت له
أنا مقدرة إنك جيت وقدمت المستندات، لكن ده ما يغيرش إنك سكت في الحفلة، وإن إيما كانت لوحدها في موقف صعب.
نزل عينيه.
أنا عارف.
وهل جاي النهارده عشان الصفقة، ولا عشان إيما؟
رفع رأسه بسرعة.
عشان الاتنين.
قلت له
يبقى لازم تفهم إنهم موضوعان مختلفان. الصفقة هتتحدد بناءً على الحقائق والمراجعة، وعلاقتك بإيما هتتحدد بناءً على قدرتك إنك تكون صريح معاها وتحترمها حتى لو ده هيكلفك رضا عيلتك.
ما ردش.
ثم سألني
ممكن أشوف إيما؟
قلت له
ده قرارها هي، مش قراري.
قام من مكانه، وقبل ما يخرج، الټفت ناحيتي.
مدام كامليا، أنا مش هطلب من حضرتك ترجعي الصفقة. لكن لو فيه فرصة أثبت إنني ما كنتش عارف بكل اللي حصل، أتمنى تسيبيها للمراجعة.
قلت له
فرصتك في إثبات الحقيقة مش عندي. هي في المستندات اللي قدمتها، وفي استعدادك إنك تقول كل اللي تعرفه من غير ما تخفي أي حاجة.
خرج زياد.
وبعدها بدقائق، اتصلت بالمحامي وطلبت منه ضم المستندات الجديدة إلى ملف المراجعة، مع التأكيد إن كل الأطراف من حقها تقدم ردودها وأدلتها.
كنت بدأت أرى الصورة بشكل أوضح، لكن الجزء الأصعب كان لسه قدامي.
لأن بنتي كانت محتاجة تعرف إذا كان زياد يستحق فرصة جديدة، أو إن الحب اللي جمعهم انتهى قبل ما يبدأ زواجهم.
بعد أسبوع، طلبت إيما تقابلني في البيت.
كانت رجعت من عند خالتها، لكن ملامحها اتغيرت. بقت أهدى، وأكثر قدرة على الكلام من غير ما تعتذر عن كل جملة.
قعدنا في الجنينة، تحت شجرة الياسمين اللي زرعها أبوها.
قالت
زياد اتصل بيا كذا مرة، وبعت لي رسائل، وأنا ما رديتش.
سألتها
إنتِ عايزة تردي عليه؟
فكرت شوية.
أنا عايزة أسمعه، لكن مش عايزة أرجع لنفس العلاقة اللي كنت فيها.
قلت لها
يبقى اتكلمي معاه لما تكوني مستعدة، وحددي من الأول إيه اللي تقدري تقبليه وإيه اللي مش هتقبليه.
هزت راسها.
أنا طلبت منه يقابلني في مكان عام، بعيد عن البيت، ومن غير ما تكون أمه أو أبوه موجودين.
ابتسمت.
وده حقك.
ثم قالت
فيه حاجة كمان. ماجد بعت لي رسالة، وقال إنه مستعد يشهد بكل اللي يعرفه، وإنه عايز يعتذر لي عن اللي حصل في الشغل القديم.
وإنتِ رديتي عليه؟
قلت له إن أي معلومات تخص الشركة لازم تتقدم للمحامي، وإن اعتذاره الشخصي ممكن يحصل بعدين.
بصيت لها بفخر.
دي كانت نفس البنت اللي دخلت قصر مهران وهي خاېفة من خسارة خطيبها، وبقت دلوقتي قادرة تفصل بين مشاعرها وحقوقها.
في المساء، قابلت زياد.
ما كنتش موجودة معاهم، وما طلبتش من إيما تحكيلي كل كلمة اتقالت. اكتفيت بسماعها لما رجعت.
قالت إنه اعتذر عن سكوته في الحفلة، واعترف إنه كان بيحاول يحافظ على رضا أهله حتى لما ده كان على حساب راحتها.
وعدها إنه مش هيطلب منها تستحمل أي إهانة تاني، وإنه هيواجه عيلته بنفسه لو حاولوا يتدخلوا في حياتهم.
لكن إيما ما رجعتش لخطبته فوراً.
قالت له إنها محتاجة وقت، وإن الثقة مش بترجع بمجرد اعتذار.
ولأول مرة، قبل قرارها من غير ما يضغط عليها.
أما أنا، فكنت شايفة إن ده أقل شيء كان لازم يحصل من البداية.
مرت أسابيع، واستمرت المراجعة القانونية والمالية.
مجموعة مهران اضطرت تقدم توضيحات إضافية عن العقود والتحويلات، وبعض المعاملات اتوقفت لحين مراجعة المستندات. وفي النهاية، قرر مجلس إدارتها إجراء مراجعة مستقلة، وتغيير بعض إجراءات الرقابة الداخلية، وإحالة المستندات محل الخلاف إلى الجهات المختصة لفحصها.
ما كانش من حقي أعتبر ده دليلاً على إدانة شخص بعينه، وما كانش هدفي أوقع المجموعة أو أنتقم من عيلة كاملة بسبب تصرفات أفراد منها.
كان هدفي أعرف الحقيقة، وأحمي استثماراتي، وأضمن إن أي قرار تجاري يتاخد على أساس معلومات صحيحة.
وبعد انتهاء المراجعة الأولية، وصلني تقرير أكد إن العرض الأصلي للاستحواذ ما بقاش مناسباً في ضوء المخاطر والاختلافات اللي ظهرت، وإن أي تفاوض مستقبلي لازم يبدأ من جديد بشروط مختلفة، وبعد استكمال الفحص.
رفضت استئناف المفاوضات في الوقت الحالي.
ماهر سألني في الاجتماع الأخير
هل حضرتك متأكدة من القرار؟
قلت له
أيوه. مش كل فرصة استثمار لازم نتمسك بيها لمجرد إن قيمتها كبيرة. أحياناً أفضل قرار هو إننا نعرف إمتى نتوقف.
ثم طلبت منه أن يوجه جزءاً من وقت فريقنا إلى مراجعة الاستثمارات الأخرى، وأن نبدأ مشروعاً لدعم الشركات الصغيرة في تحسين أنظمتها المالية والإدارية، بشرط وجود رقابة مستقلة وشفافية كاملة.
كنت عايزة أرجع للسبب اللي بدأت عشانه شركتي من الأساس بناء أعمال ناجحة على أسس سليمة، مش مطاردة الصفقات الكبيرة لمجرد الأرقام.
وفي الوقت نفسه، وصلتني رسالة من فريدة.
كانت رسالة طويلة، بتقول فيها إنها نادمة على أسلوبها في الحفلة، وإنها لم تكن تتوقع أن أكون صاحبة الشركة التي تفاوضت مع زوجها، وإنها تتمنى أن أقبل اعتذارها.
قرأت الرسالة مرتين.
ثم رديت عليها بكلمات قليلة
أقدّر اعتذارك، لكن الاحترام لا يتوقف على معرفة مكانة الشخص أو حجم ثروته. أتمنى أن تكون التجربة دي سبباً في تغيير طريقة التعامل مع الناس عموماً، مش معايا أنا بس.
ما طلبتش منها أي شيء آخر.
وما كنتش مستعدة أعتبر الاعتذار نهاية لكل حاجة.
لأن الاعتذار الحقيقي مش جملة تتقال لما تتغير الظروف.
الاعتذار الحقيقي بيبان في التصرفات اللي بتيجي بعدها.
بعد شهرين، قررت إيما تنهي الخطوبة.
ما كانش القرار بسبب صفقة
الاستحواذ، ولا بسبب إن عيلة زياد خسړت فرصة استثمارية.
كان قرارها نابعاً من إنها اكتشفت إنها مش مستعدة تدخل جواز وهي شايلة خوفاً من تدخلات أهله، وشكوكاً حول صدقه، وأسئلة لسه ما لقتش إجابات مطمئنة.
زياد حاول يقنعها إنهم يقدروا يبدأوا من جديد، وإنه مستعد يبعد عن أي تدخلات خارجية.
لكن إيما قالت له إنها محتاجة تبني حياتها على ثقة حقيقية، مش على وعود جاية بعد سلسلة من الأزمات.
في يوم إنهاء الخطوبة، بعت لها رسالة أخيرة.
أنا آسف إني ما كنتش الشخص اللي احتجتيه في الوقت اللي احتجتيه فيه. أتمنى تلاقي السعادة اللي تستحقيها، حتى لو مش معايا.
إيما قرأت الرسالة، واحتفظت بيها، لكنها ما ردتش.
وبعدها بدأت تركز في مشروعها الخاص.
قررت تفتح مكتباً صغيراً لتصميم المساحات الداخلية، وهو المجال اللي كانت بتحبه من أيام الجامعة. ساعدتها في وضع خطة عمل، لكنني رفضت أكون المستثمر الوحيد في مشروعها.
قلت لها
أنا ممكن أساعدك تتعلمي إزاي تديري مشروعك، لكن لازم يكون عندك خطة واضحة، وميزانية، ومراجعة مستقلة. عايزاكي تنجحي لأنك شاطرة، مش لمجرد إنك بنت كامليا ثابت.
ضحكت وقالت
يعني حتى أنا مش هتديني معاملة خاصة؟
ابتسمت.
خصوصاً إنتِ.
وبدأت إيما من مكتب صغير، بموظفتين، وعدد محدود من العملاء.
ما كانتش البداية سهلة، لكن كل مشروع كانت بتنجزه كان بيزود ثقتها بنفسها.
وبعد ستة شهور، بقى عندها فريق أكبر، وبدأت تتعامل مع شركات وأفراد من خلال عقود واضحة، من غير ما تعتمد على اسم عيلتها أو نفوذ أي شخص.
أما أنا، ففضلت أراقب من بعيد، وأتدخل فقط لما تطلب نصيحة.
كنت فخورة بيها، مش لأنها ابتعدت عن عيلة مهران، لكن لأنها أخيراً بدأت تختار حياتها من غير ما تخاف من خسارة رضا حد.
في ذكرى الحفلة، كنت في مكتبي براجع تقارير نهاية السنة، لما دخلت السكرتيرة وقالت
مدام كامليا، فيه ضيفة حضرتك طلبت قبل كده إنها تقابل حضرتك.
مين؟
مدام فريدة مهران.
سكتُّ لحظة.
ثم قلت
خليها تتفضل.
دخلت فريدة، وكانت مختلفة عن الست اللي قابلتها في القصر.
ما كانش معاها مجموعة من الضيوف، ولا كانت بتوزع ابتساماتها على الموجودين. كانت لابسة ملابس بسيطة، وفي إيدها ظرف صغير.
قعدت قدامي، وحطت الظرف على المكتب.
أنا مش جاية أتكلم عن صفقة، ولا عن زياد وإيما.
بصيت لها من غير ما أتكلم.
كملت
أنا جاية أعتذر مرة تانية، بس المرة دي مش عشان أعرف إنتِ مين. أنا فهمت بعد اللي حصل إن طريقتي في التعامل مع الناس كانت غلط، وإنني كنت بربط قيمة الإنسان باللي يقدر يقدمه لينا.
سكتت شوية، ثم أضافت
إيما كانت بنت محترمة، وأنا ظلمتها. حتى لو كانت أمها مش صاحبة شركة استثمار، كان لازم أتعامل معاها باحترام.
قلت لها
أيوه. كان لازم.
هزت راسها.
أنا مش متوقعة إنك تسامحيني بسهولة، ومش جاية أطلب منك ترجعي أي صفقة. كل اللي عايزة أقوله إنني ندمت على اللي عملته.
بصيت للظرف.
إيه ده؟
قالت
رسالة كتبتها لإيما. مش عايزاكي تسلميها
ليها لو ده هيضايقها، لكن أتمنى تسمحي لي أعتذر لها من غير ما أضغط عليها.
أخدت الظرف، وحطيته على المكتب.
هسيبه عندي، وهسأل إيما إذا كانت مستعدة تستلمه. هي صاحبة القرار.
فريدة أومأت.
وقامت عشان تمشي، لكنها وقفت عند الباب.
مدام كامليا، ممكن أسألك سؤال؟
اتفضلي.
قالت بصوت منخفض
لو كنتِ مكان إيما، كنتِ هتدي زياد فرصة تانية؟
بصيت لها طويلاً.
ثم قلت
أنا مش إيما. ومش هقدر أقرر بدالها. كل اللي أقدر أقوله إن الحب وحده مش كفاية لبناء بيت، وإن الاعتذار مهم، لكن الأهم هو السلوك اللي يثبت إن الشخص اتغير. والباقي قرارها هي.
فريدة نزلت عينيها، وبعدها خرجت من المكتب.
ما حسيتش بانتصار، ولا برغبة إني أثبت لها إني أقوى منها.
حسيت فقط إنني أخيراً قلت الكلام اللي كان لازم يتقال من أول ليلة.
في مساء اليوم نفسه، رجعت البيت ولقيت إيما قاعدة في الجنينة، بتراجع رسومات مشروع جديد.
حطيت الظرف قدامها.
فريدة كانت عندي النهارده.
بصت للظرف، وبعدين بصت لي.
هي قالت إيه؟
حكيت لها باختصار عن اعتذارها، وقلت لها إنها مش مطالبة ترد أو تسامح لو مش مستعدة.
إيما فتحت الظرف، وقرأت الرسالة في هدوء.
كانت فريدة كاتبة إنها أخطأت في حقها، وإنها كانت بتتعامل مع الجواز باعتباره ارتباطاً بين عيلتين، بدل ما تشوفه علاقة بين شخصين لهم مشاعر وحقوق واختيارات.
وفي آخر الرسالة، كتبت
أنا مش بطلب منك ترجعي لزياد، ولا بطلب منك تنسي اللي حصل. كل اللي أتمناه إنك تعرفي إنني فهمت متأخر إن الاحترام مش هدية بنقدمها للي يعجبنا، لكنه واجب تجاه كل إنسان.
إيما طوت الرسالة، وفضلت ساكتة شوية.
ثم قالت
أنا مش قادرة أرجع زي الأول يا ماما.
مسكت إيدها.
مش مطلوب منك ترجعي زي الأول.
ابتسمت بحزن.
لكن يمكن في يوم أقدر أسامحها.
قلت لها
التسامح مش معناه إنك ترجعي لنفس المكان، ولا إنك تسمحي لحد يكرر نفس الأڈى. ممكن تسامحي، وتفضلي محافظة على حدودك.
حطت الرسالة في درج صغير، ورجعت لرسوماتها.
وبعد دقائق، رفعت راسها وقالت
ماما، فاكرة اللي حصل لما فريدة قالت لك إنك مش مهمة لدرجة تكلميها؟
ضحكت بهدوء.
طبعاً فاكرة.
قالت
أنا وقتها كنت فاكرة إنك هتزعلي، أو هتخرجي من الحفلة وتسيبيهم يكملوا حياتهم عادي. لكن لما كلمتي ماهر، فهمت إنك مش محتاجة تثبتي لأي حد إنك مهمة.
بصيت لها بحنان.
أنا ما ألغيتش الصفقة عشان أثبت لها إني مهمة يا إيما. أنا ألغيتها لأن القرار الاستثماري لازم يكون صح. ولو كنت سبت العرض قائم لمجرد إني عايزة أكسب تحدياً معاها، كنت هبقى بكرر نفس الغلط اللي هي عملته لما حكمت على الناس من شكلهم.
إيما ابتسمت.
يمكن دي أهم حاجة اتعلمتها من اللي حصل.
قربت منها، وبست راسها.
وأنا اتعلمت حاجة كمان.
إيه هي؟
قلت لها
إننا مهما كبرنا، ومهما بقينا أقوياء، لازم نفضل نسمع بعض. لو كنتِ حكيتي لي من البداية عن اللي حصل في شركة النور، كان ممكن نوفر على نفسنا كتير من الخۏف والقلق.
إيما حضنتني.
أنا آسفة يا ماما.
وأنا بحبك يا حبيبتي.
فضلنا قاعدين في الجنينة لحد ما الليل نزل، والهواء كان بيحرك أغصان الياسمين بهدوء.
لأول مرة من شهور، حسيت إن البيت رجع لهدوئه الطبيعي.
ما كانتش عندي صفقة ضخمة أحتفل بيها، ولا كنت محتاجة حد يصفق لي في قاعة مليانة أثرياء.
كان عندي بنت بدأت تعرف قيمة نفسها، وقرار اتخذته بناءً على الحقائق، وضمير مرتاح لأنني ما استخدمتش ثروتي للاڼتقام، ولا سمحت لغرور حد إنه يحدد لي أنا مين.
وبعد فترة، سمعت إن مجموعة مهران أعادت تنظيم إدارتها المالية، وإن رشدي اضطر يواجه أسئلة صعبة من مجلس الإدارة، وإن ماجد تعاون مع المراجعة القانونية لتوضيح دوره في الملفات القديمة.
أما زياد، ففضل فترة طويلة بعيداً عن إيما، وركز على شغله، وبدأ يحاول يصلح علاقته بأخوه وباقي أفراد عيلته.
ما رجعتش إيما ليه، لكنها ما فضلتش أسيرة للي حصل.
بعد سنة، افتتحت مكتبها الجديد، ودعتني لحفل الافتتاح.
وقفت وسط الموظفين والعملاء، بتتكلم عن مشروعها بثقة، من غير ما تشير لثروتي، ولا تذكر صفقة مهران، ولا تحاول تثبت إنها بنت واحدة من أغنى المستثمرين في مصر.
بعد انتهاء الحفل، حضنتني وقالت
أنا النهارده حاسة إني عملت حاجة تخصني أنا.
قلت لها
وده أحلى نجاح ممكن توصلي له.
وفي طريق العودة، سألتني
ماما، لو رجع بيكي الزمن لليلة القصر، كنتِ
هتعملي نفس الحاجة؟
بصيت لها من الشباك، وافتكرت فريدة وهي بترفض تسلم عليّ، ورشدي وهو بيطلب مني أقعد مع العمال، وزياد وهو واقف ساكت، واللحظة اللي اكتشفت فيها إن بنتي كانت شايلة خوفاً أكبر من اللي كنت أعرفه.
ثم قلت
كنت هعمل حاجة واحدة بشكل مختلف.
بصت لي باستغراب.
إيه هي؟
ابتسمت، وقلت
كنت هسألك من أول يوم إذا كنتِ مرتاحة فعلاً في العلاقة دي، بدل ما أكتفي إني أفرح إنك لقيتي حد بتحبيه.
إيما مسكت إيدي.
وأنا كنت هحكيلك كل حاجة من البداية.
وصلنا البيت، ونزلنا من العربية مع بعض.
وقبل ما ندخل، وقفت إيما فجأة، وبصت لي بجدية.
ماما، فيه حاجة عمري ما قلتها لك.
لفيت ناحيتها.
إيه يا حبيبتي؟
أخدت نفساً عميقاً، وقالت
قبل حفلة الخطوبة بيوم واحد، زياد بعت لي رسالة وقال لي إنه لازم يتكلم معايا في موضوع يخص مستقبلنا. ولما قابلته، قال لي إنه عايز يطلب مني طلب أخير قبل الجواز.
سألتها
طلب إيه؟
بصت في عيني مباشرة.
طلب مني أوقّع على توكيل مالي، وقال إن ده مجرد إجراء احتياطي عشان لو حصل أي ظرف، يقدر يتصرف في بعض الأمور نيابة عني.
حسيت إن كل حاجة جوايا سكتت.
وإنتِ وقّعتي؟
هزت راسها بالنفي.
لأ. طلبت منه أخد الورق وأراجعه مع محامي. لكنه اتضايق جداً، وقال لي إن لو أنا واثقة فيه، مش هحتاج أراجع أي حاجة.
فضلت باصة لها، ثم سألتها
والورق ده كان معاه؟
قالت
أيوه. وأنا صورت الصفحة الأولى قبل ما أرجعه له.
طلعت موبايلها، وفتحت الصورة.
قرأت العنوان، ثم اسم الشخص اللي أعد التوكيل، ثم تاريخ تحريره.
لكن الحاجة اللي خلت إيدي تبرد ما كانتش اسم زياد.
كانت الجملة الأخيرة المكتوبة أسفل الصفحة
يسري التوكيل فور التوقيع، ويشمل التعامل مع الأصول والحسابات والاستثمارات الحالية والمستقبلية للموكلة.
رفعت عيني ناحية إيما.
إنتِ متأكدة إنك ما وقعتيش على أي نسخة تانية؟
متأكدة يا ماما.
أخدت الموبايل منها، واتصلت بالمحامي المسؤول عن ملف مجموعة مهران، وطلبت منه يراجع المستند بشكل عاجل، ويتأكد إذا كان فيه أي توكيل مسجل باسم بنتي، أو أي مستند مشابه اتقدم لأي جهة.
وبعد ما قفلت، فضلت واقفة عند باب البيت، ماسكة موبايلها، وبفكر في كل اللي حصل من أول ليلة.
كنت فاكرة إن القصة انتهت لما سحبت عرض الاستحواذ.
وبعدين افتكرت إن الحقيقة انتهت لما ظهرت ملفات شركة النور.
وبعدين قلت لنفسي إن كل شيء اتكشف لما زياد قدم المستندات.
لكن الورقة اللي كانت على شاشة موبايل بنتي أثبتت إن فيه أسئلة لسه ما اتجاوبتش.
في الصباح التالي، وصلني اتصال من المحامي.
قال لي إنه راجع بيانات التوكيل، وإنه ما لاقاش دليلاً على تسجيل توكيل نافذ باسم إيما، لكنه اكتشف إن صورة المستند اللي قدمناها بتتضمن رقماً مرجعياً مرتبطاً بطلب سابق للاستعلام عن بعض بياناتها المالية.
طلبنا نسخة رسمية من السجل، وبدأنا الإجراءات اللازمة لمعرفة مين قدم الطلب، وبأي صفة، وعلى أي أساس.
ما اتهمناش حد، وما أعلنّاش أي استنتاج.
انتظرنا المستندات.
وبعد أيام، وصل التقرير الرسمي.
فتحت الظرف في مكتبي، وبدأت أقرأ.
وفي آخر صفحة، ظهر اسم مقدم الطلب.
ما كانش اسم زياد.
ولا اسم رشدي.
ولا اسم ماجد.
كان اسم شخص تاني تماماً، شخص ما ظهرش في القصر ليلة الحفلة، وما اتكلمش في صفقة الاستحواذ، وما كانش له أي علاقة ظاهرة بعيلة مهران.
وكان الاسم هو نفس الاسم اللي سمعته من ماهر في أول مكالمة بعد الحفلة.
الاسم اللي خلاني أعرف إن قصة شركة النور أعمق من مجرد خلاف بين أفراد عيلة.
رفعت الموبايل واتصلت بماهر.
ولما رد، قلت له
يا ماهر، افتح ملف شركة النور مرة تانية. إحنا محتاجين نراجع كل حاجة من البداية.
سألني
ظهر شيء جديد يا مدام كامليا؟
بصيت للاسم المكتوب في التقرير، وقلت
أيوه. ظهر الشخص اللي كان بيربط كل الخيوط ببعضها.
ثم سكتُّ لحظة، وأضفت
والشخص ده مش من عيلة مهران أصلاً.
قفلت المكالمة، وفضلت باصة للتقرير.
لأنني كنت أعرف أن الحقيقة لما تظهر كاملة، مش هتغير بس نظرتي لعيلة مهران.
هتغير كمان فهمي للي حصل من أول يوم دخلت فيه بنتي حياتهم.
والسؤال اللي فضلت أدور على إجابته ما بقاش مين كان عايز يشتري مجموعة مهران؟
لكن بقى
مين كان محتاج إن صفقة الاستحواذ تتم بأي ثمن، وليه كان اسم بنتي هو المفتاح اللي استخدمه عشان يوصل لهدفه؟

تم نسخ الرابط