رواية جديدة
المحتويات
كل حاجة وطلبت نسخة من الملفات الأصلية.
ولقيتي إيه؟
إيما مسحت دموعها، وقالت بصوت منخفض
لقيت إن فيه فواتير اتسجلت باسم شركات ما أعرفهاش، وإن بعض المستندات عليها توقيعات مش بتاعتي. لما واجهت نبيل، قال لي إن الموضوع مجرد أخطاء محاسبية، وإنهم هيصلحوها. لكن لما طلبت إنهاء التعاقد، ما ردش عليا.
حسيت إن الصورة بدأت تتجمع، لكن لسه فيه أجزاء ناقصة.
سألتها
ومتى ظهر زياد في حياتك؟
بعدها بشهرين تقريباً. اتعرفنا في مناسبة خيرية، وبدأنا نتكلم، وبعدها العلاقة اتطورت. ما كنتش أعرف في الأول إنه أخو ماجد. ولما عرفت، سألت ماجد عن الموضوع، فقال لي إن الشغل القديم ملوش علاقة بحياتنا الشخصية.
سكتت لحظة، ثم أضافت
لكن من يوم ما فريدة عرفت إني اشتغلت في شركة استشارات، وهي بتسألني عن كل حاجة تخص شغلي القديم. وأنا كنت فاكرة إنها مجرد فضول.
بصيت للخطاب مرة تانية.
هل عندك أي دليل إن زياد كان عارف إنك اشتغلتي مع أخوه؟
إيما هزت راسها.
مش عارفة. هو عمره ما اتكلم عن شغل ماجد. لكن فيه حاجة حصلت الأسبوع اللي فات.
إيه هي؟
طلعت موبايلها، وفتحت رسالة قديمة.
كانت الرسالة من رقم غير مسجل، ومكتوب فيها
لو عايزة تحافظي على علاقتك بزياد، ما ترجعيش تفتحي موضوع الشركة القديمة. فيه ناس ممكن تتضرر لو الملفات دي اتراجعت من جديد.
قرأت الرسالة مرتين.
مين بعتها؟
ما أعرفش. ولما حاولت أتصل بالرقم، كان مقفول.
سكتُّ.
ثم قلت لها
اسمعيني كويس. من اللحظة دي، ما تمسحيش أي رسالة، وما توقعيش على أي ورقة جديدة تخص الشركة دي، وما تتواصليش مع أي حد يطلب منك تغيّري كلامك. هنخلي المحامي يراجع كل حاجة، ولو فيه حق ليكي هنرجعه بالقانون، ولو فيه خطأ حصل من ناحيتك هنتعامل معاه بوضوح.
إيما هزت راسها، لكنني لاحظت إنها لسه مخبية حاجة.
سألتها
فيه حاجة تانية؟
فضلت ساكتة، وبعدها قالت
فيه تسجيل صوتي.
تسجيل لمين؟
لماجد. اتصل بيا بعد ما طلبت إنهاء التعاقد، وكان فاكر إن المكالمة اتقفلت بعد ما خلصنا كلامنا. لكن الموبايل سجل جزءاً من اللي قاله بعد المكالمة.
مدتلي الموبايل، وفتحت التسجيل.
في البداية، كان فيه صوت تشويش، وبعدها سمعت صوت رجل بيتكلم مع شخص تاني.
إيما دي مش هتسكت بسهولة.
جاءه صوت تاني
خليها في حالها. إحنا مش ناقصين مشاكل.
الأول رد بعصبية
إنت مش فاهم. لو الورق ده وصل لكامليا ثابت، كل اللي بنيناه هينهار. لازم نعرف هي محتفظة بنسخة من الملفات ولا لأ.
ثم انتهى التسجيل فجأة.
حسيت إن قلبي وقف للحظة.
كامليا ثابت.
اسمي أنا.
مش مجرد اسم مستثمرة ممكن تشتري مجموعة مهران.
هم كانوا عارفين من البداية إن بنتي مرتبطة بيا، وإن الملفات ممكن توصل لي في أي وقت.
لكن السؤال اللي كان بيطاردني أكتر من أي حاجة هو مين الشخص التاني اللي كان بيتكلم مع ماجد؟
وليه كان عارف إن وصول الملفات ليا ممكن ېهدد كل اللي بنوه؟
في صباح اليوم التالي، وصلت مكتبي بدري.
ماهر كان مستنيني، ومعاه المحامي المسؤول عن الصفقة، ومدير المراجعة المالية.
حطوا قدامي الملفات الأصلية، وبدأنا نراجعها واحدة واحدة.
في البداية، اكتشفنا اختلافات في تواريخ بعض الفواتير، ثم ظهرت عقود خدمات استشارية مكررة، وبعدها تحويلات مالية لشركات مسجلة بعناوين مشتركة.
ما كانش عندنا دليل كافي نقول إن كل ده احتيال متعمد، لكن كان عندنا ما يكفي لإيقاف أي التزام استثماري لحد ما المراجعة تكتمل.
سألت ماهر
هل فيه أي علاقة بين الشركات دي وبين شركة النور؟
رد
فيه تشابه في بعض بيانات التواصل، لكن لسه بنراجع الملكية الفعلية. كمان لقينا إن فيه مستندات منسوبة لإيما، لكن توقيعاتها مش متطابقة في كل النسخ.
قلت للمحامي
عايزة فحص مستقل للتوقيعات، ومراجعة لكل العقود المرتبطة بالشركة. من غير اټهامات، ومن غير ما نعلن أي حاجة قبل ما نعرف الحقيقة.
المحامي أومأ برأسه.
ثم فتح ملفاً آخر.
فيه موضوع تاني لازم حضرتك تعرفيه. مجموعة مهران طلبت من البنك تمديد بعض التسهيلات الائتمانية، وكانوا معتمدين في جزء من خطة التمويل على إتمام صفقة الاستحواذ.
يعني إيه؟
يعني سحب العرض هيجبرهم يعيدوا ترتيب خطتهم المالية. لكن ده لا يعني بالضرورة إن المجموعة هتنهار. الأمر يعتمد على حجم التزاماتهم والسيولة المتاحة عندهم.
بصيت لماهر.
هل رشدي كان يعرف إن البيانات دي فيها اختلافات؟
ماهر رد بحذر
ما نقدرش نجزم. ممكن يكون على علم، وممكن تكون فيه مشكلة داخل الإدارة المالية ما وصلتش لمجلس الإدارة. إحنا محتاجين نستكمل الفحص.
كنت مصممة ما أخليش ڠضبي الشخصي يخليني أخلط بين الإهانة اللي اتعرضت لها، وبين الحقائق المالية اللي لازم تتثبت.
أنا ما سحبتش العرض عشان رشدي أهانني.
سحبته لأنني اكتشفت مؤشرات تستوجب التوقف والمراجعة، ولأنني مش مستعدة أعرّض أموال المستثمرين اللي ائتمنوني على إدارتها لأي مخاطرة غير مفهومة.
أما إهانته ليا، فدي مسألة أخلاقية تخصني وتخص بنتي، ومش محتاجة صفقة بمئات الملايين عشان أعرف أتعامل معاها.
في نهاية الاجتماع، طلبت من ماهر يجهز تقريراً كاملاً، ثم اتصلت بمدير مكتبي.
عايزة موعد مع مجلس إدارة مجموعة مهران، لو طلبوا استكمال أي مفاوضات مستقبلية. لكن من دلوقتي، كل التواصل يكون مكتوباً ورسميّاً.
قبل ما أقفل، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت رجل هادي، لكنه متوتر.
مدام كامليا، أنا محتاج أقابل حضرتك.
مين معايا؟
ماجد رشدي مهران.
سكتُّ لحظة.
ثم قلت
خير يا أستاذ ماجد؟
الموضوع أكبر من اللي حضرتك فاهمه. وأنا مستعد أوضح كل حاجة، بس لازم أقابلك لوحدك.
لوحدي ليه؟
عشان فيه ناس من عيلتي ما ينفعش تعرف إني بتكلم معاكي.
لو عندك معلومات تخص صفقة تجارية أو مستندات، ابعتها للمحامي المسؤول عن المراجعة. أي مقابلة هتكون رسمية.
صوته اتغير.
حضرتك مش فاهمة. الموضوع متعلق بإيما.
قلبي انقبض.
إيما مالها؟
سكت لحظات، ثم قال
أخويا زياد مش هو الشخص اللي حضرتك فاكرة إنك تعرفيه.
وقبل ما أقدر أسأله يقصد إيه، قفل الخط.
طول اليوم، حاولت أوصل لماجد عن طريق
المحامي، لكنه ما ردش على أي اتصال.
وفي المساء، رجعت البيت ولقيت إيما قاعدة في الصالة، وقدامها شنطة سفر صغيرة.
وقفت مكاني.
إنتِ رايحة فين؟
رفعت عينيها ناحيتي.
هقعد عند خالتي يومين.
ليه؟
عشان محتاجة أفكر بعيد عن كل اللي حصل.
قعدت جنبها.
ده حقك. بس قبل ما تمشي، عايزاكي تعرفي إنك مش مضطرة تاخدي أي قرار الليلة دي. لا بخصوص زياد، ولا بخصوص الشركة، ولا بخصوص أي حاجة.
إيما ابتسمت بحزن.
أنا مش عارفة إذا كنت بحب زياد فعلاً، ولا بحب الشخص اللي كنت فاكرة إنه هو.
الجملة دي خلتني أحس إن بنتي بدأت تشوف الأمور بوضوح، حتى لو الوضوح نفسه بيوجع.
قالت
عارفة أكتر حاجة وجعتني في الحفلة؟ مش كلام فريدة، ولا كلام أبوه.
إيه هي؟
إن زياد كان عارف إني بتوجع، وكان كل اللي شاغله إن الضيوف ما يتكلموش عن عيلته.
حضنتها.
إنتِ تستاهلي حد يفتخر بيكي قدام الناس، مش حد يطلب منك تستحملي الإهانة عشان صورته تفضل حلوة.
فضلنا قاعدين شوية، وبعدها قامت إيما عشان تجهز نفسها.
وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب وقالت
ماما، فيه حاجة لازم أقولها لك. أنا لقيت ورقة في مكتب زياد من كام يوم، وكنت هنسى أحكي لك عنها.
رجعت قعدت، وفتحت موبايلها.
كانت مصورة مستنداً عليه شعار مجموعة مهران، وتحت الشعار عنوان واضح
خطة إعادة هيكلة الملكية بعد إتمام صفقة الاستحواذ.
قرأت العنوان، ثم بدأت أراجع البنود الظاهرة في الصورة.
كان المستند بيتكلم عن توزيع حصص بعض الشركات التابعة للمجموعة بعد دخول المستثمر الجديد، وعن نقل بعض الالتزامات إلى كيانات تانية.
لكن اللي لفت نظري هو تاريخ المستند.
كان سابقاً لتقديم العرض الرسمي لصفقة الاستحواذ بأكثر من شهر.
يعني إن خطة إعادة الهيكلة كانت موجودة قبل ما تبدأ مفاوضاتنا بالشكل اللي وصل إلينا.
سألت إيما
إنتِ صورتي الورقة دي ليه؟
قالت
لأن اسمك كان مكتوب فيها.
حسيت ببرودة في أطرافي.
اسمي أنا؟
أيوه. كان فيه جزء بيتكلم عن المستثمر المتوقع، وتحت اسمه مكتوب اسم شركتك. أنا ما فهمتش التفاصيل، لكن استغربت إن الورقة موجودة عند زياد قبل ما أي اتفاق رسمي يحصل.
بصيت للصورة مرة تانية.
ثم سألتها
هل زياد شافك وإنتِ بتصوريها؟
مش عارفة. لكنه دخل المكتب فجأة، وأنا قفلت الموبايل. سألني كنت بعمل إيه، فقلت له إني بدور على الشاحن.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
ماما، أنا مش عايزة أظلمه، بس من وقتها وهو بيتصرف بطريقة غريبة. بقى يسألني كتير عنك، وعن شركتك، وعن طبيعة علاقتك بالمستثمرين. ولما كنت بقوله إني مش بتدخل في شغلك، كان بيغير الموضوع.
أخدت نفساً عميقاً.
إيما، الصورة دي لازم تتسلم للمحامي، لكن مش هنستنتج منها حاجة قبل ما نعرف المستند كامل ومصدره.
هزت راسها.
ثم خرجت من البيت.
وقفت عند الشباك أتابع العربية وهي بتبعد، وحسيت إن الليلة اللي بدأت بإهانة في حفلة خطوبة، تحولت إلى اختبار حقيقي لكل حاجة كنت فاكرة إني أعرفها عن العيلة دي.
لكن لسه ما كنتش أعرف إن الحقيقة هتظهر في مكان ما كنتش أتوقعه أبداً.
بعد يومين، وصلني اتصال من ماهر.
مدام كامليا، تقرير المراجعة الأولي خلص.
كنت في مكتبي، فطلبت منه يدخل فوراً.
فتح الملف، وحطه قدامي.
قدرنا نثبت إن فيه اختلافات جوهرية بين بعض البيانات اللي اتقدمت لنا في العرض، وبين المستندات الأصلية. وفيه معاملات مرتبطة بشركات وسيطة محتاجة تفسيراً رسمياً من إدارة مجموعة مهران.
هل فيه علاقة مؤكدة بشركة إيما؟
فيه مستندات تحمل اسم الشركة، لكن مش كل التوقيعات اتثبتت صحتها، ولسه فحصنا مستمر. إحنا كمان لقينا مراسلات بتشير إلى إن بعض الملفات اتنقلت بين أكثر من مكتب استشاري.
سألته
هل فيه دليل إن إيما كانت عارفة بطبيعة المعاملات؟
لحد دلوقتي، لأ. بل بالعكس، فيه رسائل منها بتطلب توضيحاً لبعض الفواتير، وبتطلب وقف التعامل لحين مراجعة المستندات.
أغمضت عيني للحظة.
على الأقل، كان فيه ما يدعم كلام بنتي.
لكن ده ما كانش كفاية.
طلبت من ماهر نسخة كاملة من التقرير، وقلت له إننا هنكمل المراجعة القانونية لحد ما الصورة تبقى واضحة.
وبعد ما خرج، رن موبايل المكتب.
المتصل كان رشدي مهران.
رديت.
أهلاً يا أستاذ رشدي.
صوته كان مختلفاً تماماً عن اللي سمعته في القصر.
مدام كامليا، أنا بطلب من حضرتك فرصة نتقابل ونتكلم بهدوء.
لو بخصوص الصفقة، تقدر تتواصل مع ماهر أو المحامي المسؤول.
أنا مش بتكلم عن الصفقة بس. أنا بتكلم عن اللي حصل في الحفلة، وعن العلاقة بين أولادنا.
قلت له
العلاقة بين أولادنا مش محتاجة اجتماع مجلس إدارة عشان نعرف إذا كانت سليمة ولا لأ.
سكت لحظة، ثم قال
أنا عارف إن اللي حصل كان غلط، وفريدة تجاوزت حدودها. وأنا شخصياً ما كانش المفروض أتكلم بالطريقة دي. لكن أتمنى ما تخليش اللي حصل يأثر على مستقبل زياد وإيما.
رديت بهدوء
مستقبل زياد وإيما مش قرار عندي لوحدي. ده قرارهم هما، والأهم إن بنتي تكون مرتاحة وآمنة في حياتها.
أنا موافق. بس فيه موضوع لازم تعرفيه عن ابني ماجد.
اعتدلت في جلستي.
اتفضل.
ماجد بيمر بفترة صعبة، وعنده خلافات داخل المجموعة. وأخشى إنه يكون نقل لحضرتك معلومات ناقصة أو غير دقيقة.
سألته
هل تعرف إنه حاول يتواصل معايا؟
سكت.
ثم قال
أيوه.
وليه ما اتصلتش من الأول ووضحت موقفك؟
لأن الموضوع عائلي.
ابتسمت بسخرية خفيفة.
غريبة. لما الموضوع كان إهانة أم خطيبة ابنك، كان عائلي برضه، ومع ذلك اتكلمت قدام التلاتين ضيف. لكن لما الموضوع بقى متعلق بمستندات مالية، فجأة بقى خاص بالعيلة.
ما ردش.
ثم قال بصوت أخفض
أنا مستعد أقابلك، وأجيب كل المستندات اللي تثبت إن المجموعة ما ارتكبتش أي مخالفة.
قلت له
لو عندك مستندات، سلمها للمراجعة القانونية. الحقيقة مش هتتحدد حسب مين بيحكيها أحسن.
وقبل ما أقفل، سألني
هل إيما عندها أي أوراق قديمة تخص شركة النور؟
ثبتُّ عيني على المكتب.
ليه بتسأل؟
قال بسرعة
مجرد سؤال.
وأنا إجابتي إن كل المستندات المتعلقة بالشركة هتتراجع من خلال المحامي.
ثم أنهيت المكالمة.
لأول مرة، بدأت أشك إن رشدي مش مجرد رجل مغرور أهانني قدام ضيوفه.
كان فيه
متابعة القراءة