رواية جديدة
المحتويات
الأساس.
اتجمدت مكاني.
ليه؟
لأن فريدة من أول يوم وهي بتعاملني بطريقة مختلفة عن كل الناس. في الأول افتكرت إنها مش بتحبني، وإنها شايفة إني مش مناسبة لزياد. بس بعدين بدأت تطلب مني حاجات غريبة.
زي إيه؟
كانت عايزاني أتكلم معاكي عن شغلك، وعن الشركات اللي بتستثمري فيها، وعن الناس اللي بتقابليهم. وكانت بتسألني إذا كنتِ بتحتفظي بأصول شركتك في مصر، ولا عندك استثمارات بره، وإذا كنتِ بتوافقي تدخلي شركاء جدد.
حسيت ببرودة بتسري في ضهري.
وإنتِ قلتي لها إيه؟
قلت لها إن دي حاجات خاصة بيكي، وإن أنا معرفش تفاصيلها. في الأول كانت بتضحك وتقول إنها مجرد أسئلة عادية بين عيلتين هيتجوزوا. لكن بعد كده بقت تضغط عليا أكتر.
سكتت لحظة، وبعدين طلعت موبايلها من شنطتها.
من أسبوع تقريباً، بعتت لي رسالة وقالت لي إن رشدي عايز يقابلني لوحدي عشان يناقش موضوع مهم متعلق بمستقبلنا أنا وزياد.
مدتلي الموبايل.
فتحت الرسالة، وبدأت أقرأ.
كان نصها
إيما حبيبتي، بابا زياد عايز يتكلم معاكي في موضوع مهم يخص العيلتين. ياريت ما تقوليش لزياد دلوقتي، لأننا عايزين نفاجئه بحاجة حلوة بعد ما نتفق.
رفعت عيني.
قابلتيه؟
إيما هزت راسها.
أيوه. قابلته في مكتبه من يومين. قال لي إنه عايز يطمن على مستقبل ابنه، وإنه شايف إن ارتباط زياد بيا ممكن يفتح أبواب جديدة لعيلتهم. وبعدها سألني إذا كنت مستعدة أقنعك إنك تدخلي في مجموعة مهران كشريكة استراتيجية.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
شريكة استراتيجية؟
أيوه. قال إنهم محتاجين مستثمر طويل الأجل، وإن وجودك هيضمن استقرار المجموعة. ولما قلت له إن دي حاجة لازم تتناقش معاكي بشكل رسمي، اتغير أسلوبه فجأة.
قال إيه؟
نزلت إيما عينيها.
قال لي إن الجواز مش مجرد حب، وإن كل عيلة لازم تستفيد من العيلة التانية. وإنه مش منطقي إن واحدة زيي تدخل بيت مهران من غير ما يكون وراها حاجة تضيف للعيلة.
فضلت باصة لها من غير كلام.
كنت عارفة إن بنتي اتوجعت، لكن ما كنتش متخيلة إنها اضطرت تسمع الكلام ده لوحدها، من غير ما تقدر تحكيلي خوفاً من إنها تخسر الشخص اللي بتحبه.
سألتها
وزياد كان عارف؟
قال لي إنه ما يعرفش أي حاجة عن المقابلة دي.
وصدقتيه؟
إيما سكتت.
الصمت ساعات بيكون إجابة أوضح من أي كلام.
قربت منها، ومسكت كتفيها.
بصي لي يا إيما. أنا مش هحكم على زياد من كلام أبوه وأمه، لكن عايزاكي تفهمي حاجة. الجواز مش صفقة، ومش لازم تدفعي تمن وجودك في حياة حد من فلوسك، ولا من اسم عيلتك، ولا حتى من كرامتك.
هزت راسها وهي بټعيط.
أنا بحبه يا ماما.
حضنتها.
عارفة يا حبيبتي. وعشان كده مش هقولك دلوقتي تسيبيه ولا تكملي معاه. أنا عايزاكي تشوفيه على حقيقته، من غير ما الحب يخليكي تبرري كل حاجة.
وفجأة، سمعت صوت خطوات جاية من ناحية الباب.
التفتنا، لقينا زياد واقف عند مدخل الحديقة.
كان وشه متوتر،
وإيده في جيبه، وعينيه بتتنقل بيني وبين إيما.
ممكن أتكلم مع خطيبتي لوحدنا؟
إيما مسحت دموعها وبصت له.
اتفضل. اتكلم قدام ماما. أنا ما عنديش حاجة أخبيها عنها.
زياد اتفاجئ من ردها.
إيما، الموضوع عائلي، ومش كل حاجة لازم تتحكي قدام الناس.
قلت له
أنا مش الناس يا زياد. أنا أمها. ولو الكلام اللي هتقوله ليها محترم وواضح، مش هيضايقك وجودي.
أخذ نفساً عميقاً، وبعدين بص لإيما.
إنتِ بتشكّي فيا بسبب اللي حصل جوه؟
إيما ردت بصوت متعب
أنا بشك فيك عشان سكت. وبشك فيك عشان كل مرة أمك تهينني، تقول لي إنها كده مع الكل. وبشك فيك عشان لما أبوك قال لأمي تروح تقعد مع العمال، ما سمعتش منك كلمة واحدة.
زياد قرب خطوة.
أنا كنت بحاول أحافظ على شكل العيلة قدام الضيوف.
إيما ابتسمت بحزن.
يعني كنت مستعد تحافظ على شكل عيلتك حتى لو ده معناه إنك تكسرني قدامهم؟
ما ردش.
ولما حاول يتكلم، رن موبايله.
بص للشاشة، وبعدها بص لأبوه اللي ظهر واقف عند باب القصر.
رشدي أشار له يرجع فوراً.
زياد قال بسرعة
أنا لازم أدخل. بابا عنده مشكلة كبيرة، ولازم أكون معاه.
إيما بصت له باستغراب.
وإحنا؟
هنكمل كلامنا بعدين.
ثم مشي.
فضلت بنتي واقفة مكانها، بتتابعه لحد ما اختفى جوه القصر.
وبعدين همست
حتى دلوقتي، لسه اختارهم هما.
ما حاولتش أقول لها إنه ممكن يكون عنده عذر. ما كنتش عايزة أظلمه، لكن ما كنتش هظلم بنتي كمان.
رجعنا للعربية، وقبل ما السواق يتحرك، وصلني اتصال من ماهر.
المرة دي، صوته كان أكثر جدية.
مدام كامليا، أنا محتاج أقابل حضرتك الليلة، مش بكرة.
إيه اللي حصل؟
راجعنا جزءاً من المستندات القديمة الخاصة بمجموعة مهران. فيه شركة اسمها النور للاستشارات، كانت بتتعامل معاهم قبل ما تبدأ مفاوضات الاستحواذ. الشركة دي ظهرت في تحويلات مرتبطة بصفقة تانية، والاسم الموجود في سجل المساهمين خلانا نراجع الموضوع من أوله.
مين صاحب الشركة؟
قال لي الاسم.
إيما ثابت.
لثواني، ما قدرتش أتكلم.
بنتي كانت قاعدة جنبي، بتبص من الشباك، ومش واخدة بالها من اللي سمعته.
قلت لماهر
مستحيل. بنتي عمرها ما قالت لي إنها عندها شركة.
رد عليّ
أنا فاهم حضرتك، وعشان كده ما اتخذناش أي إجراء غير المراجعة. ممكن يكون تشابه أسماء، وممكن تكون بيانات قديمة أو غير دقيقة. إحنا محتاجين نشوف المستندات الأصلية ونتأكد من مصدرها.
قفلت المكالمة، وفضلت باصة للطريق قدامي.
كنت أعرف إن إيما عمرها ما اشتغلت في الاستثمار، وإن كل حساباتها المالية تحت إشرافي من وقت ۏفاة أبوها، وإنها كانت مهتمة بدراستها وتصميم الديكور أكتر من اهتمامها بالأعمال.
إزاي اسمها يظهر في شركة بتتعامل مع مجموعة مهران؟
وإزاي رشدي كان بيتكلم معاها عن الشراكة والاستثمارات، قبل ما يعرف إني أنا صاحبة قرار الاستحواذ؟
بصيت لها.
إيما، تعرفي شركة اسمها النور للاستشارات؟
اتغير لون وشها في ثانية.
ما سألتنيش مين أصحابها، ولا إزاي عرفت اسمها.
كل اللي عملته إنها قفلت عينيها، وأسندت راسها على الكرسي.
وساعتها عرفت إن عندها إجابة.
لكن الإجابة دي كانت أكبر من قدرتها على الكلام.
وصلنا البيت بعد الساعة عشرة بالليل.
بيتنا ما كانش قصر، رغم إنني كنت أقدر أشتري قصور كتير. كان بيت واسع في منطقة هادية، فيه جنينة صغيرة زرعنا فيها أنا وجوزي الله يرحمه شجر ياسمين قبل ما يتوفى.
كل ركن في البيت كان بيفكرني بسنين تعبنا مع بعض، وبالوعود اللي قطعناها إننا نربي بنتنا على إنها ما تقيسش الناس بفلوسهم.
دخلت إيما أوضتها من غير ما تتكلم، وأنا طلعت مكتبي.
فتحت الخزنة الصغيرة اللي محتفظة فيها بأوراق شركتي القديمة، وبدأت أراجع الملفات اللي تخص الاستثمارات الجديدة.
كنت مؤسسة شركتي من سبعة وعشرين سنة، بعد ۏفاة جوزي المفاجئة. وقتها ما كانش عندي غير مبلغ محدود، وشقة صغيرة، وطفلة لسه بتتعلم تنطق اسمي.
اشتغلت في البداية في مكتب متواضع في وسط البلد. كنت أروح الصبح، وأرجع آخر الليل، وأحياناً أنام على الكنبة في المكتب عشان ألحق اجتماع بدري.
ما ورثتش إمبراطورية، وما حدش سلّمني مفاتيح النجاح.
كل خطوة كانت بتكلفني وقتاً ومجهوداً ومخاطرة محسوبة.
ومع السنين، دخلت في استثمارات في الصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، وبقيت أمتلك حصصاً مؤثرة في شركات مختلفة.
لكن كان عندي مبدأ واحد ما غيرتوش أبداً.
ما أشتريش شركة لمجرد إن سعرها مغري، وما أدخلش شراكة مع حد لمجرد إنه غني.
عشان كده، لما وصلني عرض مجموعة مهران، ما وافقتش عليه فوراً.
طلبت مراجعة مستقلة للديون، والعقود، والتزامات الموردين، وأوضاع العاملين، قبل أي اتفاق نهائي.
العرض المبدئي بقيمة أربعمية وعشرين مليون دولار كان مبنياً على بيانات قدمتها مجموعة مهران نفسها، ولسه ما كانش عقد استحواذ نهائي.
وده معناه إن سحب العرض مش معناه إني خسړت فلوس، ولا إن الشركة اتنقلت لملكيتي بالفعل.
لكن كان فيه سؤال أهم.
ليه رشدي مهران كان مستعجل بالشكل ده؟
وليه كان مهتم بموافقتي أنا تحديداً؟
فتحت اللابتوب، وبدأت أراجع التقارير اللي وصلتنا خلال الأسابيع الماضية.
في البداية، كل الأرقام كانت تبدو منطقية. مجموعة مهران عندها مصانع ومخازن وعقود توريد كبيرة، وقيمة أصولها الفعلية كانت تسمح بدراسة الصفقة.
لكن لما وصلت للتقرير الخاص بالالتزامات قصيرة الأجل، لاحظت اختلافاً بين رقمين.
رقم الديون المعلن في العرض، ورقم الديون الوارد في تقرير المراجعة الداخلية.
الفرق كان كبيراً بما يكفي لتعطيل الصفقة، لكنه ما كانش دليلاً على وجود چريمة في حد ذاته.
فتحت الملف التالي.
لقيت اسم شركة النور للاستشارات.
نفس الاسم.
وبجانبه رقم تسجيل، وعنوان في القاهرة الجديدة، وتوقيع إلكتروني منسوب إلى شخص اسمه إيما ثابت.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
فتحت المستندات المرفقة.
كانت فيه اتفاقية خدمات استشارية، وتحويلات مالية صغيرة في البداية، وبعدها تحويلات أكبر، كلها مرتبطة بعقود بين الشركة ومجموعة مهران.
لكن المشكلة ما كانتش في حجم التحويلات وحده.
المشكلة إن الشركة كانت مسجلة باسم إيما قبل بداية علاقتها بزياد بوقت قصير، بحسب البيانات الموجودة في الملف.
قفلت اللابتوب.
ما كنتش عايزة أبني اتهاماً ضد بنتي اعتماداً على أوراق لسه ما تأكدناش من صحتها.
اتصلت بمحامي الشركة، وطلبت منه يحتفظ بكل المستندات الأصلية، ويبدأ مراجعة قانونية مستقلة، من غير ما يتواصل مع أي طرف من مجموعة مهران قبل ما نحدد الوقائع.
بعدها طلعت من المكتب ووقفت قدام باب أوضة إيما.
خبطت مرتين.
إيما، ممكن أدخل؟
سمعت صوتها من الداخل.
ادخلي يا ماما.
كانت قاعدة على طرف السرير، وقدامها صندوق خشبي صغير.
لما دخلت، حاولت تقفل الصندوق، لكنني شفت أوراقاً وصوراً قديمة جواه.
قعدت جنبها.
أنا عرفت موضوع شركة النور.
نزلت عينيها للأرض.
كنت عارفة إنك هتعرفي في يوم من الأيام.
عايزة أسمع منك كل حاجة. من البداية. ومش هقاطعك.
إيما فضلت ساكتة شوية، وبعدها بدأت تحكي.
من حوالي سنة ونص، قبل ما أعرف زياد، كنت بعمل تدريب في مكتب استشارات صغير. كان عندهم مشروع لشركة ناشئة، وطلبوا مني أساعد في تنظيم ملفاتها وتجهيز عروض تقديمية للمستثمرين.
وبعدين؟
المشروع ما كملش. لكن صاحب المكتب عرض عليا أفتح شركة خدمات استشارية صغيرة، وقال إن فيه عميل محتاج حد يساعده في تنظيم مستندات التوريد والعقود.
العميل كان مجموعة مهران؟
هزت راسها.
في البداية ما كنتش أعرف إن الشركة دي تابعة ليهم. كل التعامل كان عن طريق مكتب وسيط. وبعد فترة، اكتشفت إنهم بيطلبوا مني أوقّع على مستندات مش فاهمة كل تفاصيلها، فرفضت أكمل.
رفضتي إمتى؟
من حوالي ست شهور.
بصيت لها باستغراب.
ست شهور؟ يعني قبل ما تتخطبي لزياد؟
أيوه.
أنا قفلت النشاط، وسلمت كل الملفات للمحاسب اللي كان متابع الشركة. افتكرت إن الموضوع انتهى.
طيب ليه ما قلتيليش؟
دموعها نزلت على خدها.
عشان كنت خاېفة يا ماما.
خاېفة من إيه؟
من إنك تفتكري إني كنت بحاول أعمل حاجة من وراكي، أو إني استغليت اسمك عشان أشتغل مع ناس في عالم الأعمال. أنا عارفة إنك تعبتي عشان تبني شركتك، وكنت عايزة أثبت لنفسي إني أقدر أعمل حاجة لوحدي.
مسكت إيدها.
إنك تحاولي تعملي مشروع خاص بيكي مش غلط. الغلط إنك تخافي من الكلام معايا لحد ما المشكلة تكبر.
هزت راسها.
عارفة.
سألتها
مين اللي طلب منك توقّعي على المستندات؟
إيما فتحت الصندوق، وطلعت منه ظرفاً أبيض.
الشخص ده.
أخدت الظرف، وفتحته.
كان جواه خطاب مطبوع على ورق رسمي، وعليه اسم مكتب الاستشارات اللي كانت بتشتغل فيه، وتوقيع شخص اسمه نبيل عادل.
وتحت الخطاب، كانت فيه صورة لبطاقة عمل تخص موظف في مجموعة مهران.
الاسم المكتوب عليها كان
ماجد رشدي مهران.
بصيت لإيما.
ماجد؟
هزت راسها.
أخو زياد الأكبر.
كنت أعرف إن رشدي عنده ولدين، زياد وماجد، لكن ماجد كان بعيد عن الأضواء، ونادراً ما بيظهر في المناسبات العامة.
إيما كملت
هو اللي رشحني للمشروع. قال لي إن الشركة محتاجة حد يراجع فواتير التوريد، وإنه عايز شغل منظم بعيد عن الروتين بتاع المجموعة. وبعد فترة، بدأ يطلب مني أوقّع على استلام ملفات، وبعدين أوراق تانية.
وإنتِ وقّعتي؟
على بعض الأوراق، أيوه. لكن لما لقيت إن فيه فواتير مش متطابقة مع العقود، وقفت
متابعة القراءة