رواية جديدة
وبتستقوى بأخوها.
قلبي بدأ يدق بسرعة، مشيت لحد التسريحة، خدت شنطة إيدي، حطيت فيها بطاقتي، شهادة ميلادي، دهبي اللي كنت حاطاه في علبة صغيرة، وفلوس بسيطة كنت شايلاها على جنب. شلت الموبايل في جيبي الداخلي وقفلته عشان ميرنش في لحظة حرجة.
بصيت حواليا في الأوضة، كنت محتاجة أي حاجة أدافع بيها عن نفسي لو اعترضوا طريقي. عيني جت على فازة كريستال تقيلة كانت محطوطة على الكومودينو، مسكتها بإيدي اليمين وخبيتها ورا ضهري بطرف الإسدال اللي لبسته على عجل.
أخدت نفس عميق، استرجعت كل القوة اللي اتسلبت مني، وحطيت إيدي على كالون الباب.
فتحت الباب فجأة وبقوة، لدرجة إنه خبط في الحيطة وعمل صوت عالي!
حماتي ونورا اتفاجئوا ووقفوا في الصالة، نورا كانت ماسكة مج الشاي واتخضت لحد ما الشاي ادلق على الترابيزة. حماتي بصتلي بذهول، وقالت وهي بتتقدم ناحيتي بعصبية إنتي خارجة رايحة فين يا مقصوفة الرقبة؟ مش قلتلك مالكيش خروج من هنا؟ ادخلي جوة بدل ما أنده لأحمد يكمل عليكي!.
مشيت بخطوات سريعة وثابتة ناحية باب الشقة من غير ما أنطق بكلمة، نظرة عيني كانت كفيلة تخليهم يترددوا للحظة. بس نورا حاولت تستعرض شجاعتها، جريت ووقفت قدام باب الشقة وسدت السكة بجسمها، وقالت بصوت مليان حقد على جثتي لو عديتي من هنا، ده إنتي ليلتك مش هتعدي يا شيماء!.
رفعت إيدي بالفازة الكريستال ووجهتها لوشها مباشرة، وقلت بصوت حاد وواطي زي حد السيف ابعدي عن الباب يا نورا.. أقسم بالله العظيم، لو لمستي طرف هدومي لهكون قالباها في دماغك، وساعتها مش أحمد اللي هيلحقك، إسعاف القصر العيني هي اللي هتيجي تلمك.
نورا شافت الشرار اللي في عيني، شافت إني مبقتش البنت الغلبانة المستكينة اللي
بتسكت على الإهانة. وشها اصفر ورجعت خطوة لورا بخوف حقيقي. حماتي اتخضت وقالت بصريخ إنتي اتجننتي يا بت؟ هترفعي إيدك على بنتي قدامي؟.
استغليت اللحظة دي، مديت إيدي الشمال وفتحت كالون باب الشقة وسحبته لبرة. الهوا بتاع بير السلم لفح وشي، كان ريحته حرية بعد ليلة من الحبس والذل.
خرجت وجريت على السلم بأقصى سرعة أقدر عليها، الوجع في ضهري كان بيموتني، كل خطوة على الدرج كانت بتسمع في عمودي الفقري زي السكاكين، بس الأدرينالين اللي في دمي كان مخليني مش حاسة بحاجة غير الرغبة في النجاة.
من ورايا، سمعت صوت حماتي وهي طالعة على السلم وبتصرخ من البلكونة اللي بتبص على الشارع أحمد! الحق يا أحمد! البت هربت! امسكها يا ابني متخليهاش تخرج من الحارة!.
نزلت الدور التالت، التاني، الأول.. ووصلت لمدخل العمارة. وقفت ورا البوابة الحديد لثانية أستكشف الشارع..
كانت الساعة داخلة على ستة الصبح، الشارع لسه هادي والناس فيه قليلة. على بعد عشرين متر، عند ورشة الميكانيكا، كان أحمد سلفي واقف مع تلاتة من شباب الحارة، بيشربوا شاي ومعاهم عصيان وشوم مستخبية ورا الكراسي. أول ما سمع صوت أمه بتزعق من فوق، لف راسه بسرعة وبص ناحية مدخل العمارة.
عينه جت في عيني للمرة التانية، بس المرة دي مكنتش متشعلقة في شباك.. المرة دي كنت على الأرض، والمسافة بيني وبين الشارع العمومي اللي فيه النجدة كانت يادوبك مية متر.
أحمد صرخ في الشباب اللي معاه امسكوها! متخلوهاش توصل للشارع الرئيسي!.
طلعت أجري بكل ما فيا من عزم، صرخاتهم ورايا كانت بترن في الحارة، وصوت خطواتهم السريعة وهي بتدق على الأسفلت كانت بتقرب مني زي الكابوس. كنت بجري وأنا حاطة إيدي على ضهري اللي بينزف وجع، وحاطة الأمل كله في إني ألمح عربية أخويا أو أوصل لأقرب نقطة شرطة.
وصلت لأول الحارة، ولسه بلف عشان أدخل الشارع الرئيسي، لقيت إيد خشنة مسكتني من كتفي بقوة وشدتني لورا بعنف خلتني أقع على الأرض، ورجعت علامة الضرب تتخبط في الرصيف!
رفعت راسي وأنا بصرخ، لقيت أحمد، عيونه بتبخ سم، ومسكني من طرحتي وهو بيجرني على الأرض وبيقول بصوت مرعب إنتي فاكرة نفسك هتعرفي تفلتي مني؟ تعاليلي هنا بقى عشان أعلمك الأدب اللي نسيتي تتعلميه في بيت أبوكي!.
وفي نفس اللحظة دي بالظبط، سمعت صوت فرامل عربية بتصرخ على الأسفلت، ونزل منها تلات رجالة بيجروا زي الوحوش.. بس اللي صدمني مكنش وصول أخويا، اللي صدمني كان الراجل الرابع اللي نزل من الباب اللي ورا، راجل مكنتش متوقعة أشوفه نهائي في المشهد ده، ومكنش المفروض يكون موجود في مصر أصلاً في الوقت ده!
يتبع
الراجل اللي نزل من الباب اللي ورا كان مصطفى جوزي!
عقلي اتشل للحظات، مكنتش قادرة أستوعب إزاي ده واقف قدامي بلحمه ودمه. مصطفى المفروض مسافر بقاله شهور وميعاد إجازته بعد سنة، إيه اللي نزله مصر في التوقيت ده بالذات؟ كان وشه شاحب، لابس قميص وبنطلون باين عليهم بهدلة السفر وسهر الليل، ومعاه شنطة يد صغيرة رماها على الأرض أول ما رجله لمست الأسفلت.
أحمد أول ما شاف مصطفى داخل عليه ومعاه محمد أخويا وخالي سالم وعمي رجب، إيده فلتت من على طرحتي ببطء، وعينيه برقت بذهول مش مصدق اللي بيحصل. الشارع كله اتقلب في ثواني، صوت الفرامل مع الرزع على الأبواب وصريخ الناس في الحارة خلى بلكونات البيوت تتفتح كلها، والستاير تترفع عشان يتفرجوا على الفضيحة اللي حماتي كانت مرعوبة منها.
محمد أخويا مأداش لأحمد فرصة يستوعب الصدمة؛ جه زي الإعصار ووجهله لكمة في فكه طيرته على الرصيف قدام ورشة الميكانيكا، وصرخ بصوت زلزل الحارة إنت بتمد إيدك على أختي وبتجرجرها في الشارع يا واطي؟ ده أنا هخليك تشحت كرامتك من على الأرض!.
الشباب اللي كانوا واقفين مع أحمد ومعاهم الشوم حاولوا يتدخلوا عشان يعملوا معركة، بس عمي رجب وخالي سالم وقفوا قدامهم زي الجبال. عمي رجب راجل كبير وهيبته تخرس عشرة، شاور بإيده وقال بصوت جهوري ولا حركة منك له! اللي هيحط صباعه في المشكلة دي هيتحبس بتهمة شروع في قتل ومشاركة في بلطجة، البوليس مبلّغينه وعلى وصول، ومحدش فيكم يبلّط على حساب ولاد الشوارع دول!.
الشباب لما لقوا خالي وعمي مصممين، ولما شافوا منظر مصطفى وعربية التاكسي اللي وراهم باين إنها جاية من المطار، رجعوا خطوتين لورا وركنوا شومهم على الحيطة وفضلوا يراقبوا من بعيد؛ محدش منهم كان مستعد يتحبس عشان خاطر أحمد وأمه.
أنا كنت لسه واقعة على الأرض، هدومي متبهدلة تراب وطرحتي مفكوكة، وضهري حاسة إنه مكسور نصين من شدة الخبطة على الرصيف. بصيت لمصطفى بدموع مغرقة وشي، كنت مستنية أشوف هيعمل إيه، هيثبت إنه راجل ويقف مع الحق، ولا هيفضل الكائن اللي صدق أمه وقفل السكة في وشي من شوية؟
مصطفى فضل باصص عليا وأنا مرمية في الأرض، عينيه كانت بتتحرك ما بين وشي المتبهدل وبين أخوه اللي واقع تحت رجل محمد وعمال يتلوى. وفجأة، لقيت مصطفى بيقرب مني بخطوات سريعة، وطى على ركبه في التراب ومسك كتافي بإيدين بترتعش، صوته كان طالع مخنوق ومكسور شيماء.. إنتي كويسة؟ إيه اللي عمل فيكي كده؟.
زقيته بكل ما فيا من غيظ ووجع، صرخت في وشه والحرقة بتكوي في صدري ابعد