رواية جديدة

لمحة نيوز


نقدر نسبق ونعمل فيكي تقرير طبي إنك اللي اتهجمتي عليها، وساعتها ابننا اللي برة ده أول واحد هيبعت ورقة طلاقك في ظرف ويسيبك تلفي حوالين نفسك.
الكلمة نزلت على دماغي زي المطرقة.. جوزي! مصطفى اللي وثقت فيه وسبت أهلي وشقتي عشانه، بقى السلاح اللي بيهددوني بيه.
الصوت اختفى من ورا الباب، ورجع الهدوء القاتل يعم الشقة تاني، بس أنا كنت عارفة إن ده مش هدوء أمان، ده هدوء المتربص اللي مستني الفريسة تستسلم.
رجعت سريري، قعدت وأنا باصة للسقف. شريط السنتين اللي عشتهم مع مصطفى بدأ يمر قدام عيني؛ افتكرت يوم ما اتقدملي، كان راسم دور الملاك، الراجل الطيب الغلبان اللي مالوش غير شغله وبيته. افتكرت شقتنا الإيجار البسيطة اللي فرشناها حتة حتة على قد إيدينا، كنت راضية باللقمة الناشفة وبقول بكرة ربنا يفرجها. لحد ما ربنا فتحها عليه وجاله عقد العمل في السعودية.. يومها زغردت وفرحت وافتكرت إن باب الفرج اتفتح، مكنتش أعرف إنه فتحلي باب القبر.
أول ما مسك القرشين في إيده، اتغير. بدأت أمه تزن عليه ليه تدفع إيجار كل شهر لشقة غريبة وإنت مسافر ومراتك قاعدة لوحدها؟ ما توفر الفلوس وتيجي تقعد في شقتنا، تونسنا وتخدمنا والقرشين يبقوا لأولادكم بعدين. ومصطفى، كعادته، مبيكسرش كلمة لأمه، جه وضغط عليا وقالي عشان خاطري، ده مؤقتاً لحد ما أرجع في أول إجازة ونشتري شقة تمليك. صدقته.. ووافقت، ومن يومها وأنا عايشة في كابوس.
أخته نورا كانت مطلقة وراجعة تعيش مع أمها، شايفة فيا كل حاجة هي خسرتها؛ كرهها ليا كان غير مبرر، كانت تطلب مني أغسل هدومها بالاسم، ولو اتأخرت في فنجان قهوة لحماتي تسمعني كلام يسم البدن. ومصطفى لما كنت أشتكيله في التليفون كان يقولي معلش يا شيماء، استحملي عشان خاطري، دول أهلي برضه، بلاش مشاكل عشان أعرف أركز في شغلي. كان بيموتني بالبطيء بكلامه ده.
الوقت كان بيعدي، والساعة دقت أربعة ونص، آذان الفجر بدأ يتردد من الجامع اللي في آخر الشارع.. صوت الشيخ كان بيطمن القلوب الخايفة، بس قلبي كان بيعتصره الرعب.
فجأة، تليفوني نور.. بصيت لقيت الشاشة بتنور برقم مصطفى الدولي!
اتنفست بارتياح للحظة، قلت لنفسي أكيد حس بيا، أكيد ربنا ألهمه يتصل عشان ينجدني، فتحت الخط بسرعة ولسه هقول الحقني يا مصطفى، أهلك كسروني، لقيت صوته طالع زي الرصاص، قاطعني من غير حتى ما يقول سلام عليكم إنتي اتهبلتي يا بت ولا إيه الحكاية في نافوخك بالضبط؟.
اتصدمت، بلعت ريقي بصعوبة وقلت مصطفى.. إنت مش عارف إيه اللي حصل، أخوك ضربني بعصاية... أخويا راجل وبيحمي أخته وبيته!.. صرخ في التليفون لدرجة ودني وجعتني.. أمي اتصلت بيا من شوية منهارة، قالتلي إنك اتطاولتي على نورا وقطعتي هدومها، ولما أحمد دخل يحوش اتطاولتي عليه وقلتي أدبك، ده إنتي فاجرة وصوتك طالع لآخر الشارع!.
الدموع خانتني وبقيت أشهق إنت بتصدقهم عليا؟ إنت عارفني وعارف أخلاقي، أنا اللي اتضربت وضهري وارم ومحبوسة في الأوضة وخايفة أخرج، هما اللي متبلين عليا يا مصطفى، افتح كاميرا وأوريك ضهري معمول فيه إيه!. مش فاتح زفت، ولا عايز أشوف حاجة!.. رده كان فيه قسوة تقطع القلب.. أنا ماليش غير أهلي، وكرامة أمي وأختي من كرامتي. إنتي لو فكرتي تعتبي برة باب الشقة دي قبل ما تعتذري لأمي راس نورا، هطلقك بالثلاثة وهسيبك في الشارع، وأخوكي اللي باعتاله يستقوى بيا ده، لو حط رجله في البيت، أحمد مجهزله رجالة الحارة ومش

هيطلع منها سليم! فاهمة ولا لأ؟.
وقبل ما أنطق بحرف، قفل السكة في وشي.
اللحظة دي كانت هي النقطة الفاصلة.. عارفين الإحساس لما تموت من جواك فتفقد الخوف من أي حاجة برة؟ أنا وصلت للمرحلة دي بالظبط. وجع ضهري مبقاش يفرق، خوفي من أحمد راح، كل حاجة اتبخرت وما فضلش غير غضب أعمى وكرامة مهدورة. الراجل اللي كنت شايلاه في عيني وعايشة عشان خاطره رماني عشان يرضي كبرياء أهله الباطل.
مسحت دموعي بكم بيجامتي بعنف. مفيش عياط تاني، مفيش استسلام.
وقفت على حيلي، الوجع كان لسه بيمزع في ضهري، بس القوة اللي نزلت عليا فجأة خلتني قادرة أتحرك. مشيت نحية مراية الدولاب، رفعت التيشرت وبصيت في الانعكاس.. كان فيه كدمة زرقا مايلة للسواد واخدة نص ضهري بالعرض، مع جروح سطحية من الخشب الخشن بتاع العصاية. طلعت التليفون، شغلت الكاميرا، وخدت كذا صورة وفيديو واضحة جداً للعلامات والضرب، وصورت وشي والدموع والبهدلة. الصور دي كانت سلاحي الوحيد اللي محدش هيقدر ينكره.
بعتت الصور دي فورا على الواتساب لمحمد أخويا، ورجعت بعتتهم على إيميل الشغل بتاعي عشان لو الموبايل اتكسر أو اتمسح منه حاجة تفضل الأدلة موجودة على الإيميل ومحدش يقدر يوصلها.
الساعة بقت خمسة وربع، النور بدأ يشقشق من ورا الستارة، وبدأت أسمع حركة في الشارع تحت؛ عربيات الفول، عمال اليومية، والناس اللي رايحة أشغالها. صوت الحياة برة فكرني إني مش لوحدي في الدنيا، وإن اللي جوة الشقة دول مجرد شوية بلطجية مستقويين على ست في أوضة مقفولة.
فجأة، تليفوني رن تاني.. كان محمد أخويا!
فتحت الخط، سمعت صوت أنفاسه عالية وصوت موتور عربية بيجري شيماء! إنتي بخير؟ إيه الصور دي يا نهار أسود ومنيل! مين اللي مد إيده عليكي كده؟. أحمد يا محمد.. وأمه حابساني، ومصطفى اتصل بيا يهددني بالطلاق لو فتحت بوقي. والله ما هسيبهم، والله لأدفعه تمن كل كدمة في جسمك!.. صوت محمد كان بيترج من الغضب الشديد.. أنا في الطريق ومعايا خالي سالم وعمي رجب، إحنا على الدائري أهو وقدامنا ربع ساعة بالكتير ونكون تحت العمارة. اقفلي على نفسك ومتفتحيش لحد نهائي.
محمد.... قلتله بصوت هادي غير عادتي.. هما محضرين رجالة في الحارة عشان أحمد كان عامل حسابه إنك جاي لوحدك، خلي بالك ومتنزلش من العربية إلا وإنت متأكد إن الناس حواليك. سيبك من أحمد ومن الحارة كلها، ربع ساعة وتلاقيني فوق.
قفلت مع محمد، حسيت بشوية أمان، بس في نفس الوقت الخوف من الدم اللي ممكن يسيل كان مرعب. خالي سالم وعمي ناس شداد، ومحمد دمه حامي ومبيقبلش الضيم، والموضوع كده هيتحول لمجزرة، وأنا مش عايزة أخويا يضيع مستقبله عشان حتة بلطجي زي أحمد.
فكرت بسرعة.. الحل الوحيد إني أخرج من الشقة دي قبل ما محمد يوصل، أخرج وأروح على القسم برجلي، ساعتها البوليس هو اللي هيجي يلمهم كلهم، ومحمد مش هيتورط في خناقة.
بس إزاي أخرج؟
رجعت بصيت على الشباك اللي بيبص على المنور.. مفيش فايدة، مش هنزل هناك، ده فخ. بصيت على باب الأوضة، كان في حركة برة، صوت حماتي وهي بتوزع التعليمات على نورا جهزي الشاي واقعدي في الصالة، وأخوكي نزل تحت عند ورشة عمك رمضان، مظبط كام راجل عشان لو حد جه من طرفها.. إحنا هنا في حتتنا ومحدش يقدر يدوسلنا على طرف.
يعني أحمد مش جوة الشقة دلوقتي! أحمد نزل تحت في الشارع!
دي كانت فرصتي.. حماتي وبنتها بس هما اللي جوة. اتنين ستات، واحدة عجوزة والتانية جبانة
 

تم نسخ الرابط