رواية جديدة

لمحة نيوز

أمي كانت بتحاول تسممني كانت تقيلة أوي.
لكن الحقيقة كانت برضه مش سهلة.
هي كانت بتتدخل.
بتتجسس.
بتدخل بيتي من غير إذني.
بتحرض أخويا.
بتاخد حاجات من عندي.
وبتسببلي ضغط نفسي كبير.
حتى لو مكنتش ناوية تقتلني.
الأڈى النفسي كان حقيقي.
بعدها بدأت رحلة علاج حقيقية.
مش من السم.
ولا من السحر.
ولا من الحسد.
من الإرهاق.
الدكتور طلب مني أنظم نومي.
أقلل المسؤوليات.
أطلب مساعدة.
وأهم حاجة
أبطل أعيش طول الوقت وأنا حاسة إني لازم أثبت إني بنت كويسة.
الكلمة دي بالذات وقفت عندها كتير.
بنت كويسة.
أنا طول عمري كنت بعمل كل حاجة عشان أثبت لأمي إني مش خايبة.
أنضف.
أطبخ.
أشتري هدايا.
أسكت.
أتحمل.
أعتذر حتى وأنا مش غلطانة.
وأرجع لها حتى بعد ما تجرحني.
كنت فاكرة إن البر يعني إني أقبل الأڈى.
لكن بدأت أفهم إن البر مش معناه إني أسيب نفسي تتكسر.
بعد أسبوع، أمي جتلي.
وقفت على الباب.
وقالت
ممكن أدخل؟
أول مرة في حياتها تسألني.
بصيتلها.
ادخلي.
دخلت.
قعدت.
بصت حواليها.
وقالت
البيت حلو.
ابتسمت.
الحمد لله.
قالت
أنا كنت بزعل لما أشوفه حلو.
عارفة.
بس دلوقتي مش زعلانة.
بصيتلها.
بجد؟
هزت راسها.
يمكن أخيرًا فهمت إن نجاحك مش خسارتي.
دموعي نزلت.
لكن مكنتش عايزة أضعف بسرعة.
قلت
وأنا مش عايزة أخسرك.
وأنا مش عايزة أخسرك.
بس لازم حدود.
قالت
موافقة.
مفيش دخول من غير ما تقوليلي.
موافقة.
مفيش مفتاح.
سكتت.
وبعدين قالت
حاضر.
ومفيش تدخل في جوازي.
حاضر.
ومفيش كلام على شكلي، ولا بيتي، ولا جوزي، ولا بناتي.
ضحكت بخفة.
حاضر يا ست الكل.
ابتسمت.
ولأول مرة من سنين
ضحكت معاها.
أما أخويا
فالموضوع معاه كان أصعب.
أنا سامحته.
لكن مارجعتش أثق فيه زي الأول.
قلتله
أنا بحبك.
قال
وأنا بحبك.
بس اللي عملته غلط.
هز راسه.
عارف.
مهما كانت ماما بتقولك إيه، متدخلش بيتي من غير إذني.
مش هعملها تاني.
ولو ماما طلبت منك؟
قال
هقولها لأ.
وأنا عرفت إن ده أول اختبار حقيقي ليه.
بعد كام شهر، صحتي بدأت تتحسن.
مش في يوم وليلة.
لكن بالتدريج.
نومي اتحسن.
بقيت بطلب مساعدة.
جوزي كان بيساعدني.
وبناتي بقوا يشاركوا في حاجات بسيطة.
والأهم
بطلت أستنى موافقة أمي على حياتي.
لو اشتريت حاجة لبيتي، مبقتش أخاف إنها تقول غالية.
لو جوزي جابلي هدية، بقيت أفرح بيها.
لو خرجنا، مبقتش أحس بالذنب.
ولو أمي زعلت
بقيت أعرف إن زعلها مش دايمًا مسؤوليتي.
وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة مع بناتي.
الصغيرة كانت بتشربني مية زي زمان.
ضحكت وقلت
خلاص يا حبيبتي، ماما بقت تعرف تقوم تشرب لوحدها.
ضحكت وقالت
بس أنا بحب أسقيكي.
حضنتها.
وساعتها افتكرت نفسي وأنا طفلة.
البنت اللي كانت عطشانة ومش لاقية حد يجيب لها كوباية مية.
البنت اللي كانت بتسمع
يا ريتك كنتي ولد.
البنت اللي كانت بتنام وهي بټعيط من غير ما حد يعرف.
البنت
اللي كبرت وهي فاكرة إن الحب معناه الټضحية المستمرة.
وبصيت لبنتي.
وقلت لنفسي
أنا مش هكرر الحكاية.
لكن قبل ما أقول إن كل حاجة خلصت
حصلت حاجة.
حاجة صغيرة.
لكنها رجعتلي كل الأسئلة من أول وجديد.
كنت بنضف درج قديم في المطبخ.
لقيت ورقة مطوية.
ورقة كانت مستخبية تحت بطانة الدرج.
فتحتها.
كانت بخط أمي.
قلبي بدأ يدق.
قرأت أول سطر.
أنا عارفة إن بنتي بدأت تشك فيا.
وقفت.
كملت.
بس هي مش عارفة الحقيقة كلها.
إيدي بدأت ترتعش.
جوزي دخل.
في إيه؟
مردتش.
كملت القراءة.
أنا مش اللي عملت كل حاجة.
بصيت لجوزي.
تعال.
قرب.
قرأ الورقة.
وكان تحتها سطر أخير
اللي دخل البيت بالليل أكتر من مرة مش أخوها لوحده.
اتجمدنا.
بصيتله.
يعني إيه؟
قلبنا الورقة.
كان فيه اسم.
اسم شخص تاني.
شخص أنا أعرفه.
شخص كان بيزور بيتنا كتير.
شخص عمرنا ما شكينا فيه.
لكن قبل ما أقول الاسم
سمعنا جرس الباب.
جوزي بصلي.
مين؟
بصيت من العين السحرية.
واتجمدت.
لأن الشخص اللي واقف بره
كان هو نفسه المكتوب اسمه على الورقة.
فتحت الباب؟
لأ.
المرة دي
أنا مافتحتش.
لأني اتعلمت درس غالي جدًا.
إن حسن الظن مش معناه إنك تلغي عقلك.
وإن كون الشخص قريب منك مش معناه إنك تسيبه يدخل حياتك من غير حدود.
وقفت أنا وجوزي قدام الباب.
الشخص بره خبط تاني.
افتحي أنا عايز أتكلم معاكي.
بصيت لجوزي.
قلت
مش هفتح.
قال
وأنا معاكي.
بعد ثواني، سمعنا صوته
إنتي فاهمة غلط.
قلبي دق.
لأني كنت عارفة إن الحكاية لسه مخلصتش.
أخدت الورقة.
بصيت للاسم.
وبعدين بصيت لباب الشقة.
وساعتها فهمت إن اللي حصل مع أمي
مكنش هو كل الحكاية.
كان مجرد أول خيط.
الخيط اللي خلاني أخيرًا أبطل ألوم نفسي.
وأبطل أقول
يمكن أنا اللي مچنونة.
يمكن أنا اللي مكبرة الموضوع.
يمكن كل ده صدفة.
لأ.
أنا مكنتش مچنونة.
لكن برضه
أمي مكنتش وحشًا خارقًا.
كانت إنسانة غلطت.
وتأذت.
وأذت غيرها.
وأخويا غلط لما سمح لنفسه يبقى أداة.
وأنا غلطت لما سكت على حاجات كتير.
لكن الحقيقة الأهم
إن السكوت على الأڈى مش بر.
والخۏف من خسارة الناس مش سبب كفاية
إني أخسر نفسي.
بصيت لبناتي.
ولأول مرة حسيت إني مش بس بحميهم من اللي حصل.
أنا كمان بعلّمهم حاجة أهم
إن البيت اللي فيه حب
لازم يكون فيه أمان.
والحب من غير أمان
ممكن يتحول لحاجة تانية خالص.
بعد أسبوع، اتكشف باقي الموضوع.
الشخص اللي كان بييجي البيت طلع إنه كان على خلاف قديم مع جوزي بسبب شغل ومبلغ مالي.
وأخويا كان متورط في نقل كلام بين الطرفين.
أمي كانت عارفة جزء من الموضوع، وسكتت لأنها كانت مقتنعة إن جوزي بيبعدني عنها.
أما الدخول للشقة، فكان في الأساس عشان أخويا ياخد صور لبعض المستندات والأدوية والحاجات اللي كانت والدتي طلبتها منه.
أما بعض الأعطال اللي حصلت في البيت
فجزء كبير منها طلع صدفة فعلًا.
ماسورة قديمة.
جهاز كهربائي اتحرق.
مشكلة نمل بسبب رطوبة.
وحاجة اتكسرت بسبب سوء استخدام.
يعني أنا طول الوقت كنت بدور على سبب واحد يفسر كل المصاېب
بينما الحقيقة إن الحياة نفسها مليانة مصايب صغيرة.
لكن لما الإنسان يبقى مجروح
بيبدأ يربط كل حاجة ببعض.
وده اللي حصل معايا.
أنا كنت محتاجة أصدق إن فيه سبب واضح لتعب السنين.
ولما شفت أمي بتتصرف بطريقة غريبة
عقلي مسك فيها.
لكن ده مش معناه إن أذيتها كانت وهم.
لأ.
أذيتها كانت حقيقية.
كلامها كان حقيقي.
قسۏتها كانت حقيقية.
تدخلها كان حقيقي.
ودخولها بيتي من غير إذني كان حقيقي.
لكن مش كل مصېبة حصلتلي كانت بسببها.
وده كان أصعب درس اتعلمته.
بعد سنة تقريبًا
كنت واقفة في مطبخي.
بعمل الغدا.
بنتي الكبيرة كانت بتساعدني.
الصغيرة بتضحك.
وجوزي دخل شايل أكياس.
قال
جبتلك حاجة.
بصيتله.
إيه؟
طلعلي طقم أطباق جديد.
ضحكت.
ليه؟
قال
عشان القديم اتكسر.
ضحكت أكتر.
هتعمل مشكلة مع ماما.
ضحك.
ماماكي نفسها اللي اختارته.
بصيتله باستغراب.
بجد؟
أيوه.
وفعلًا بعدها بيوم، أمي جت.
دخلت.
بصت للأطباق.
قالت
حلوين.
قلت
عاجبينك؟
قالت
آه.
وبعدين سكتت.
أنا ابتسمت.
عايزة زيهم؟
ضحكت.
لأ.
ليه؟
قالت
عشان مش لازم كل حاجة عندك تبقى عندي.
بصيتلها.
الكلمة بسيطة.
لكن بالنسبة لي
كانت أكبر اعتذار سمعته منها.
مش لأنها قالت أنا
آسفة.
لكن لأنها أخيرًا فهمت.
إن حياتي مش منافسة لحياتها.
وإن فرحتي مش إعلان عن نقصها.
وإن بنتها لما تنجح
مش معناها إنها فشلت.
أمي اتغيرت.
مش ملاك.
ولا أنا بقيت أنسى.
لأ.
لسه ساعات بتقول كلمة تضايقني.
ولسه ساعات بتتدخل.
بس الفرق
إني بقيت أقول
ماما، الكلام ده مش مناسب.
من غير خوف.
ومن غير ما أقعد بعدها يومين ألوم نفسي.
ولو زعلت، بسيبها تهدى.
ولو احتاجتني، بروح.
لكن مش على حساب نفسي.
وده خلاني لأول مرة أحبها بشكل صحي.
مش حب الخۏف.
مش حب الذنب.
مش حب دي أمي ولازم أستحمل.
لكن حب فيه حدود.
أما أنا
فبقيت أعرف إن التعب اللي كان مالي جسمي جزء منه كان نتيجة سنين من الضغط والإرهاق وقلة النوم.
ولما بدأت أريح نفسي، وأطلب مساعدة، وأبعد عن المشاكل، وأهتم بأكلي ونومي، جسمي بدأ يرجعلي واحدة واحدة.
وفي يوم كنت واقفة قدام المراية.
بصيت لنفسي.
افتكرت البنت الصغيرة.
وقلت
أنا آسفة.
حسيت بغصة.
آسفة إني صدقت إنك مش نافعة.
آسفة إني فضلت أثبت نفسك لناس مش شايفين قيمتك.
آسفة إني خليت خۏفك من زعل أمك أكبر من خۏفك على نفسك.
وبعدين ابتسمت.
لأول مرة
مكنتش مستنية حد يقوللي إني كويسة.
أنا عرفت.
وماما؟
فضلت أمي.
يمكن مش الأم اللي كنت أتمنى تكونها.
لكنها أمي.
وأنا مش مضطرة أكرهها عشان أحمي نفسي.
ومش مضطرة أسمح لها تأذيني عشان أكون بنت بارة.
الاتنين ممكن يعيشوا مع بعض.
أحبها
وأحط حدود.
أسامحها
ومأنساش الدرس.
أقف جنبها
وأقف جنب نفسي.
وفي النهاية، اكتشفت إن أكبر ظلم عملته في حق نفسي مش إنها قالتلي زمان
يا ريتك كنتي ولد.
أكبر ظلم
إني صدقت كلامها.
لكن أنا دلوقتي أم.
وعندي تلات بنات.
وكل ليلة قبل ما يناموا، بدخل أبص عليهم.
أغطيهم.
أبوسهم.
وأقول لنفسي
أنا مش هورثهم ۏجعي.
مش هخليهم يكبروا وهم بيحاولوا يثبتوا إنهم يستاهلوا الحب.
ومش هخليهم في يوم يسألوا نفسهم هو أنا ليه مش كفاية؟
لأنهم كفاية.
من غير تنظيف.
من غير طبخ.
من غير هدايا.
من غير تنازلات.
من غير ما يسكتوا على الإهانة.
من غير ما يرضوا كل الناس.
كفاية لمجرد إنهم بناتي.
وده كان أول مرة في حياتي أفهم معنى الأمومة الحقيقي.
مش إنك تخلفي طفل.
لكن إنك تخليه يحس إن الدنيا، مهما كانت قاسېة بره
بيته مكان آمن.
وأنا أخيرًا
عملت لنفسي البيت اللي كنت محتاجاه وأنا صغيرة.
بيت مفيهوش دعوات وحشة.
مفيهوش مقارنة.
مفيهوش خوف.
ومفيهوش بنت بتنام وهي بتسأل نفسها
هو أنا خايبة؟
لأ.
في بيتي
أنا وبناتي بنتعلم كل يوم إن الحب مش ۏجع.
وإن القرب مش امتلاك.
وإن الأمومة مش سلطة.
وإن البر مش إلغاء للنفس.
وإن أحيانًا
أقوى كلمة ممكن تقولها لبني آدم بتحبه هي
أنا بحبك بس مش هسمحلك تأذيني.
ومن يومها
اتغيرت حياتي كلها.
مش لأن أمي اتغيرت بالكامل.
لكن لأن
أنا اتغيرت.
وبطلت أخاف من إن الناس تزعل مني.
وبقيت أخاف من حاجة واحدة بس
إني أرجع أخسر نفسي عشان أرضي حد.
ودي كانت آخر مرة
أسمح فيها لحد يخليني أشك في عقلي، أو في قيمتي، أو في حقي إني أعيش مرتاحة.
لأن الحقيقة اللي اتأخرت سنين عشان أفهمها
إن الإنسان ممكن يسامح أمه.
وممكن يفضل يحبها.
وممكن يبرها.
لكن ده كله
مش معناه أبدًا إنه لازم يعيش مكسور عشان يثبت إنه ابن كويس.

تم نسخ الرابط