سر الغوايش

لمحة نيوز

الشهر الجاي، الحوالة تجيلي لحد باب بيتي كاملة مكملة ال 1500 جنيه، ورجلك متخطيش عتبة بيتي تاني، ولا أشوف وشك في مكان.

صُدمت نادية من الشرط المالي القاسي. الذهب الذي كان يمثل لها السلطة والأمان والشياكة أمام الناس، سيؤخذ منها عنوة وبنفس الطريقة التي ذلت بها صباح.
نظرت نادية إلى يدها، ثم إلى صباح التي تقف بثبات كالجبل. كانت تعلم أن أي محاولة للمراوغة تعني دمار حياتها الزوجية بالكامل.
الجزء الخامس والأخير نهاية الجبروت
ساد الصمت أركان الغرفة البسيطة، ولم يكن يُسمع فيه سوى صوت احتكاك الذهب بجلد نادية وهي تسحب الغوايش الثلاث بصعوبة وبأصابع ترتجف. كل غويشة تخلعها كانت كأنها قطعة تنزع من قلبها ومن كبريائها الذي جلست تبنيه لسنوات على حساب كرامة الآخرين.
وضعت نادية الغوايش الذهبية على الطاولة الخشبية بجانب رزمة النقود. كانت تلهث وكأنها كانت في معركة بدنية، ونظرت إلى صباح بعينين تملأهما دموع القهر والهزيمة، وقالت بصوت مخنوق
أهو.. حقك وزيادة يا صباح. التلات غوايش دول تمنهم يغطي كل مليم وزيادة. الحوالة هتوصلك من الشهر الجاي كاملة لحد عندك.. بس شريف ميعرفش حاجة، شريف لو عرف أنا هضيع.
لم تمد صباح يدها لتلمس الذهب بنهم أو بطمع، بل نظرت إليه بزهد وترفع، ثم رفعت عينيها إلى نادية وقالت بنبرة حاسمة
شريف مش هيعرف منك ولا مني طول ما أنتي ماشية سِيد وفي حالك. خدي شنطتك واخرجي من بيتي يا نادية.. ورجلك متخطيش العتبة دي تاني.
جمعت نادية حقيبتها الفاخرة الملقاة على الأرض، وخرجت من الشقة تجر أذيال الخيبة، مطأطأة الرأس، دون أن تجرؤ على إحداث أي شخللة بما تبقى في يدها من ذهب. خرجت وهي تعلم أن سلطتها الزائفة قد انكسرت إلى الأبد أمام عزة نفس امرأة ظنتها ضعيفة.
بعد رحيلها، دخل أحمد إلى الصالة، ونظر إلى الطاولة ثم إلى والدته بذهول ممزوج بالفخر. اقترب منها وقال
أمي.. إنتي قدرتي تاخدي حقنا وتكسري عينها من غير ما تخسري خالي شريف.. أنا مش مصدق إن الست دي انحنت قدامك كدة!
ابتسمت صباح ودموع الارتياح تفر من عينيها، واحتضنت ابنها قائلة
الحق يا ابني عامل زي الفلين، مهما تغطسه في المية وتضغط عليه بيطلع على الوش في الآخر. الفلوس والدهب دي أسباب، لكن الكرامة والستر هما الأصل. خدي يا أحمد الدهب ده، بكرة تبيعه في الصاغة، وتشتري أحسن طقم مدرسة، وتدفع مصاريف دروسك.. أنا عايزاك ترفع راسي وتتعلم أحسن علام عشان تفرح خالك الجدع اللي شقيان عشاننا.
ومرت الأيام، والشهور..
التزمت نادية بحدودها تماماً، وباتت الحوالة تصل إلى صباح كاملة مكملة في أول كل شهر عبر مكتب الصرافة دون نقص أو منّة. تبدل حال صباح وأحمد؛ اشترى أحمد ملابسه الجديدة ودخل امتحانات الثانوية العامة بكل ثقة واجتهاد، محاطاً بدعوات أمه وكرم خاله.
أما نادية، فكلما نظرت إلى معصم يدها الفارغ من الغوايش الثلاث، تذكرت تلك اللحظة التي انكسر فيها جبروتها، وعلمت أن مال الدنيا كله لا يشتري الأمان إذا بُني على ظلم اليتامى وأكل حقوق الناس بالباطل.

تم نسخ الرابط