حملت الحقيبة، وساعدت زهراء على الوقوف، وخرجنا من الغرفة وأمي ما تزال تصرخ خلفنا أنني ناكر للجميل وأن زهراء فرقتني عن أهلي وأنني سأندم لكنني هذه المرة لم أتوقف عند الباب فقط التفتُّ إليها آخر مرة يمّه إذا تريدين تشوفين حفيدچ مرة ثانية، تعلّمي أولًا تشوفين أمه كإنسانة ثم فتحت البابوأخذت عائلتي وخرجت من ذلك البيت ذهبنا مباشرة إلى المستشفى ليس إلى بيت أهل زهراء ولا إلى فندق ولا حتى إلى بيت صديق إلى المستشفى مباشرة لأنني وأنا أقود السيارة، وزهراء في الخلف تحتضن يوسف بصمت، فهمت أخيرًا حجم الكارثة التي سمحت بحدوثها داخل بيتي زوجتي لم تكن فقط متعبة كانت جائعة ضعيفة مرهقة وجسدها بالكاد يتعافى من الولادة، بينما الجميع يطالبها بالحليب دون أن يعطيها الطعام الذي يبقيها واقفة في الطوارئ فحصتها الطبيبة، ثم تغير وجهها فورًا شنو كانت تاكل؟خفضت زهراء عينيها بصمت وأنا أجبت بدلًا عنها، والخجل يخنق صوتيبقايا أكل أكل قديم تقريبًا ماكو بروتين ولا أكل طازج نظرت الطبيبة إليّ طويلًا ليس بغضب بل بخيبة جعلتني أشعر أنني أصغر رجل في العالم المرأة بعد الولادة تحتاج غذاء وراحة ودعم مو ضغط وتجويع هززت رأسي فقط لم يكن لدي أي دفاع حتى يوسف فحصوه كان وزنه أقل من الطبيعي وجسمه جاف قليلًا من قلة الحليب أعطوه حليبًا صناعيًا فورًا وجلست أراقبه وهو يشرب بجوع، ويداه الصغيرتان ترتجفان من اللهفة وزهراء كانت تبكي وهي تنظر إليه آسفة حبيبيهمست بصوت مكسور آسفة لأنني ما قدرتنزلت فورًا قربها لا تعتذرين مرة ثانية رفعت عينيها نحوي بخوف بس أناإنتِ سويتي كل اللي تقدرين عليه بالمكان اللي
حطيناچ بيه وقلتها لنفسي أيضًا لأنني لم أفعل كل ما أستطيع فعلت فقط الشيء الأسهلصدقت أمي، ولومت زوجتي تلك الليلة بقينا تحت المراقبة داخل المستشفى كنت جالسًا قرب سرير زهراء، ويوسف نائم داخل السرير الصغير بجانبها كانت بالكاد تبقي عينيها مفتوحتين عليهمست بصوت ضعيف نعم؟أمك راح تزعل هواي وأقسم أن تلك الجملة كسرتني من جديد حتى بعد كل شيءما تزال تخاف من غضب أمي أكثر من خوفها على نفسها خلي تزعل قلتها بهدوء بعد اليوم ما راح تتحكم بينا أغلقت عينيها بتعب ما كنت أريدك تخاصمها بسببي شعرت بغصة داخل صدري المشكلة إني ما وقفت وياچ من البداية فتحت عينيها ونظرت إليّ باستغراب أنا شفتچ تضعفين يوم بعد يوم ولومتچ بدل ما أحميچ. سمعت ابني يبچي وصرخت بوجهچ. كنت أظن إن إرسال المال يكفي حتى أكون زوجًا جيدًا بدأت تبكي بصمت أمسكت يدها سامحيني مو لازم اليوم. ولا باچر. بس أوعدچ إني راح أثبتلچ إني زوجچ مو عبء ثاني فوق تعبچ لم تجب لكنها لم تسحب يدها من يدي في اليوم التالي استأجرت شقة صغيرة قرب شغلي لم تكن جميلة جدران بيضاء قديمة غرفتان صغيرتان مطبخ ضيق وشباك يطل على شارع مزدحم لكنها كانت آمنة لا أحد سيدخل ليهين زهراء لا أحد سيقرر ماذا تأكل ولا أحد سيأخذ المال المخصص لها ولابني اشتريت كل شيء دفعة واحدة، وكأنني أحاول إصلاح كل أخطائي دفعة واحدةدجاج لحم خضار فواكه شوفان حليب فيتامينات حفاضات وحليب أطفال بدون أن أسمع صوت أمي يقول إنه تبذير حتى أنني استعنت بممرضة تساعد زهراء عدة أيام، رغم أنني اضطررت لبيع ساعتي وأخذ سلفة من العمل ولم أهتم أول وجبة طبختها لها كانت شوربة دجاج
مع خضار لم تكن مثالية الرز كان طريًا أكثر من اللازم والخضار شبه ذائبة لكن عندما وضعتها أمام زهراء، نظرت للصحن وكأنه شيء لا تصدقه هذا كثيرقالتها بخجل فأجبت فورًالا هذا أقل شيء تستحقينه بدأت تأكل ببطء بحذر وكأن أحدًا قد يدخل فجأة ويسحب الصحن منها وهذه الصورة بقيت محفورة داخلي ووعدت نفسي أنها لن تأكل بخوف مرة ثانية وأنا موجود الأيام التالية لم تكن سهلة الحليب لم يعد فورًا والطبيبة قالت إن الجوع والتوتر والتعب الشديد يؤثرون على الرضاعة بشكل كبير لكن يوسف بدأ يهدأ تدريجيًا وزهراء بدأ اللون يعود إلى وجهها ببطء شديدلكنّه عاد وفي يوم، ضحكت لأول مرة عندما أصدر يوسف صوتًا غريبًا أثناء شرب الحليب تلك الضحكة الصغيرة جعلتني أشعر أنها لم تختفِ بالكامل بعد أمي كانت تتصل باستمرار وأنا لم أرد ثم بدأت الرسائلمرتك فرقتك عن أهلك أنا كنت أوفر الفلوس حيدر محتاج أكثر أنت صرت ولد عاق في البداية كنت أقرأ الرسائل بغضب ثم بدأت أراها بوضوح أمي لم تكن تعتذر كانت فقط تريد السيطرة ترجع لها بعد أسبوع اتصل بي حيدر يمّه تعبانة وتبچي تكول إنك ظلمتها ضحكت بمرارة ظلمتها؟إنت تعرف طبعها يمكن بالغت بس مو قصدها تؤذي أحد حيدر إنت كنت تاكل من الأكل اللي المفروض يوصل لزوجتي بعد الولادة سكت والله ما كنت أعرفمنين جان يجيكم اللحم والفواكه والشوربات برأيك؟لم يجب مرتك كانت تاكل زين بينما زوجتي تاكل بقايا أكل خربانة ثم أغلقت الهاتف ولأول مرة في حياتيوضعت حدودًا حقيقية أمي ممنوعة تدخل البيت وممنوعة تشوف يوسف قبل أن تعتذر لزهراء وممنوعة تتدخل بحياتنا أو مصروفنا مرة ثانية مرّ شهر كامل
قبل أن تظهر جاءت إلى العمارة وهي تحمل كيس ملابس صغير للطفل، وعيناها منتفختان من البكاء نزلت إليها وحدي أريد أشوف حفيدي قالتها بصوت متعب أولًا لازم تعتذرين لأمه ضغطت شفتيها بعصبية رجعنا لنفس الكلام لا هسه بس بلشنا الكلام الصح نظرت نحو باب العمارة سويت اللي شفته مناسب لا. سويتي اللي كان مناسب لحيدر ومرته وعاقبتِ زهراء لأنها مو بنتچ سكتت كدتي تمرضينها فعليًا ويمكن كنتِ راح تأذين يوسف همين. وحتى يوم اكتشفت الحقيقة، أول شيء فكرتِ بيه مو صحتهم بل الصحن المكسور بدأت تبكي غلطتنظرت إليها طويلًا كنت أريد أن أصدقها لكنني لم أعد ذلك الابن نفسه قولي هالكلام لزهراء وهي تقرر إذا تريد تسمعه أو لا صعدنا إلى الشقة كانت زهراء جالسة في الصالة وتحمل يوسف وعندما رأت أمي، توتر جسدها فورًا جلست بجانبها ليس أمامها وأمي لاحظت ذلك زهراءقالتها بصوت منخفض آسفة لم تجب زهراء مباشرة ثم سألت بهدوءآسفة على شنو؟ارتبكت أمي على اللي صار شدت زهراء يوسف نحو صدرها أكثر لا احچيها عدل نظرت أمي نحوي وكأنها تنتظر أن أنقذها لكنني لم أفعل وبعد ثوانٍ طويلة، خفضت رأسها آسفة لأنني كنت أعطيچبقايا الأكل وآخذ الأكل الزين لبيت حيدر. وآسفة لأنني حسستچ إنچ ما تستحقين تهتمين بنفسچ أغلقت زهراء عينيها، ونزلت دمعة على خدها أنا صدقت كلامچ وظنيت نفسي عبء على الكل بدأت أمي تبكي أكثر ما كان لازم أسوي هيچ فعلًاقالتها زهراء بهدوء موجع ما كان لازم لم يحصل عناق ولا صلح كبير لكن لأول مرةظهرت الحقيقة كاملة داخل تلك الغرفة ومرّت ثمانية أشهر بعدها يوسف صار بصحة جيدة ممتلئ الوجه صوته يملأ البيت
ضحكًا وزهراء