رواية كامله
مني أو من أولادي أو المطالبة بأي شيء لي أو من ممتلكاتي، وأن يغادرا بيتي في غضون ساعة واحدة. أما الجزء المتعلق بالتزوير فيبقى للنيابة العامة قرارها النهائي بناءً على الأدلة التي جمعناها.
المحامي هز رأسه
هذا حقك يا سيدتي. تنازلكِ عن الحق الشخصي يخفف العقۏبة لكنه لا يلغيها تماماً، لأن التزوير أصبح مساساً بالحق العام. لكنه سيساعد بالتأكيد في تخفيف الحكم.
أميرة كانت تريد أن تعترض، لكن نظرة المحامي جعلتها تبلع كلماتها. وقعا الإقرار بتردد ويد ترتعش، ثم غادروا الشقة. محمود وقف عند الباب، نظر إليّ وكأنه يريد أن يقول شيئاً، لكن لم تخرج منه كلمة. فقط خفض رأسه ومشى وراء أمه وأخته.
أغلقتُ الباب وراءهم، واڼهارت على الكرسي، وبكيت. بكيت كل ما احتجزته في صدري شهوراً طويلة. بكيت على السنوات التي أضعتها، وعلى الحب الذي أعطيته لمن لا يستحقه، وعلى الوهم الذي عشته.
الجزء الخامس الأيام الصعبة والقرار الحاسم
مرت الأسابيع التالية ببطء وثقل. النيابة استدعت محمود وأميرة للتحقيق. اعترفا بكل شيء تحت وطأة الأدلة الدامغة. صدر الحكم بالسجن لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ لمحمود لاعترافه وتعاونه، وغرامة مالية كبيرة لأميرة لدورها الرئيسي في تدبير المؤامرة. كان الحكم مخففاً بفضل تنازلي عن حقي الشخصي، لكنه كان كافياً ليكون درساً قاسياً لا يُنسى.
أولادي كانوا يلاحظون تغيرات في البيت. سألتني سارة بقلق
ماما.. بابا فين؟ ليه مش بيجي؟ والناس دي ليه ما بقتش تيجي؟
جلستُ بجانبها واحتضنتها
يا بنتي.. الكبار أحياناً بيعملوا أخطاء كبيرة. بابا أخطأ في حقنا، واحنا محتاجين وقت عشان نصفّي نفوسنا ونرتب حياتنا. ده مش معناه إنه وحش.. بس معناه إنه محتاج يتعلم من غلطته، واحنا محتاجين نحافظ على نفسنا وعلى راحتنا النفسية. هتفضلوا تعرفوا إنه أبوكم، بس الحياة معاه في البيت ده مش هتكون ممكنة في الوقت ده.
سارة كانت ذكية وناضجة
يعني هتتطلقوا؟
تنهدتُ بعمق
مش عارفة يا حبيبتي. اللي أنا عارفاه إن لازم أعيش بكرامتي. ما ينفعش أعيش مع إنسان خاوني وبيحاول يأكل عيشي وبيتي بالباطل. حتى لو كان أبوكم. سامحته عشان خاطركم.. بس ما أقدرش أنسى وأرجع زي ما كنت.
في تلك الفترة، بدأتُ أعيد ترتيب حياتي من جديد. حولت الغرفة الإضافية إلى ورشة صغيرة. كنتُ أطبخ وأبيع الأكل للجيران، وأعمل على الإنترنت، وأدرّس بناتي وأبني دروسهم. لم يكن الدخل كبيراً، لكنه كان كريماً ومباركاً. كنت أستيقظ كل صباح وأعرف أن كل قرش أملكه هو تعب يدي، وكل شبر في بيتي هو لي حقاً. هذا الشعور بالاستحقاق والملكية الحقيقية كان أغلى من أي مال يمكن أن أمتلكه.
زارني محمود مرة واحدة بعد شهرين. وقف عند الباب، يرتدي ملابس بسيطة ومغسولة جيداً. لم يدخل. قال بصوت هادئ ومتعب
جيت أسأل عن العيال.. وأقولك إني بدأت أعمل في ورشة نجارة عند صاحبي. شغل يومي وأجري يومي. مش كتير.. بس بيكفيني. وعايز أدفع النفقة من اليوم ده وما أتأخرش عنها يوم واحد.
سألته
ندمت حقاً يا محمود؟ ولا بس خسړت كل حاجة فحسيت بالذنب؟
صمت لحظة ثم قال بصدق
الندم مش كلام يا نجوى. الندم شغل وتصرف. مش هطلب منك ترجعيلي.. لأن ما عنديش ما أقدمه لكِ غير
الندم والوقت. بس لو في يوم شفتيني باحاول أكون إنسان تاني.. ربما تفكري فيّ. وإذا لأ.. فأنا أستاهل ما يحصلي.
لم أغلق الباب في وجهه، لكنني لم أفتحه على مصراعيه أيضاً. قلت له
النفقة هتستلمها سارة منك عند الباب. والزيارات هتكون في الأماكن العامة برعاية شخص ثالث لحد ما أتأكد إن نيتك صادقة. والوقت هو اللي هيحكم بيننا. الوقت وحده اللي بيثبت هل الإنسان تغير ولا مجرد تأثر بظروفه.
الجزء السادس البيت أصبح أوسع بقلبي
مر عام كامل. عام بكل ما فيه من صعوبات وانتصارات صغيرة. محمود التزم بكل ما اتفقنا عليه. دفع النفقة بانتظام، لم يتأخر يوماً. جاء لزيارة أولاده كل أسبوع، يأخذهم للحديقة أو للمقهى، يعود بهم في الموعد المحدد، ولا يطلب الدخول ولا يثير المشاكل. لم أعد أكرهه.. تحول الكره إلى لامبالاة، ثم إلى رأفة إنسانية بمن سقط وبدأ يحاول النهوض ببطء.
ذات مساء، وأنا جالسة في الصالة بعد أن انتهيت من عملي، نظرتُ حولي. البيت لم يتغير كثيراً، لكنه أصبح مختلفاً تماماً. نظمته بطريقتي، ألوانه اختارتها عيناي، ورائحته أصبحت رائحة طيبة وآمنة. على الحائط علقتُ صورة أمي بإطار بسيط، وكتبتُ تحتها بخط يدي شكراً يا أمي.. لأنك حميتيني حتى من نفسكِ دون أن أعرف.
سارة دخلت وجلست بجانبي
بابا قال إنه بيجيب عيدية لينا بكرة.. وإنه حابب يجي يشوف البيت من برا بس من غير ما يدخل.
ابتسمتُ بعمق
قولي له مرحباً.. الباب هيفتح له بكرة. مش عشان يرجع يعيش هنا.. بس عشان يعرف إننا مش أعداء. وإنه دائماً مرحوب به كأب ليكم. أما أنا.. فأنا مش عايزة أكون زوجة تاني في الوقت ده. نفسي محتاجة وقت أطول عشان تتعافى.
في الصباح التالي، فتحنا له الباب. وقف في المدخل، لم يدخل سوى خطوة واحدة. نظر للبيت، إلينا، ثم إلّي وقال بكل تواضع
بيتك جميل يا نجوى.. ربنا يباركلكِ فيه. وأنا آسف.. مرة أخرى.
أغلقتُ الباب بعد أن رحل، وشعرتُ بسلام لم أشعر به طوال حياتي. لم يكن بيتاً ضخماً ولا فخماً، لكنه كان ملكي بكل معنى الكلمة.
ملكي بقوانين الله وقوانين الناس، وملكي بجدارة عمري وتعبي وثباتي على الحق.
عرفتُ حينها أن أعظم ما ورثته من أمي لم يكن الشقة.. بل الحكمة التي زرعتها فيّ دون أن أدرك أن لا أبيع كرامتي بثمن، وأن البيت الحقيقي لا يُبنى بالحجارة بل بالثقة والصدق، وأن من يخون الأمانة وإن ملك كل شيء.. سيبقى فقيراً في الحقيقة إلى الأبد.
وها أنا ذا.. في بيتي، مع أولادي، وبنفسي أكتفي. وهذا كان أغلى وأثمن وأوسع بيت سأسكنه طوال حياتي.