سر ١٨ عام
المحتويات
الفحوصات. لكن لما السنين عدت، وكل مرة كنتِ تشتكي من طريقته، كنت بخاف أتدخل وأكون سبب في مشكلة أكبر.
قمت من مكاني، ودموعي نزلت.
يا ماما، أنا كنت محتاجة حد يقف جنبي، مش حد يقرر عني إيه اللي من حقي أعرفه!
أمي بدأت تعيط وقالت
عندك حق يا بنتي. أنا غلطت لما سكت، ومهما كانت نيتي، سكوتي ساعد إنك تفضلي عايشة في الحيرة دي.
قعدت جنبها، لكني كنت محتاجة وقت أستوعب إن شخصًا تانيًا كان عارف جزءًا من الحقيقة، وإن خوفي من المواجهة خلاني محرومة من المساعدة.
سألتها
طيب، الجواب ده فيه إيه؟
فتحته، ولقيت رسالة بخط أحمد، كان كاتبها لأمي في بداية جوازنا، وبيطلب منها تساعده يلاقي طبيب متخصص من غير ما يعرفني في البداية.
لكن في آخر الرسالة، كان فيه سطر لفت نظري
أنا مش عايز سارة تعرف إني خايف، لأني مش قادر أتقبل احتمال إن المشكلة تكون عندي.
حطيت الرسالة على الترابيزة وقلت
هو كان محتاج مساعدة، وده مفهوم. لكن بدل ما يواجه خوفه، اختار يخليني أنا أعيش في خوف أكبر.
أمي مسكت إيدي وقالت
أنا آسفة يا بنتي. مش هطلب منك تسامحي حد قبل ما تكوني مستعدة.
في اللحظة دي، موبايلي رن. كان أحمد.
رديت، فقال
سارة، أنا عرفت إنك عند والدتك. محتاج أتكلم معاكي لما ترجعي، لأن فيه قرار لازم ناخده بخصوص مستقبلنا.
قلت له
هسمعك، لكن القرار مش هيتاخد تحت ضغط، ومش هتنازل عن حقي عشان أحافظ على شكل الجواز قدام الناس.
رد بهدوء
فاهم.
رجعت البيت بالليل، ولقيته مجهز ورقة فيها اقتراحات للاستشارة الزوجية، ومواعيد لمتابعة الفحوصات الطبية.
قال لي
أنا مش بطلب منك تنسي اللي حصل. أنا عايز أبدأ أتحمل مسؤوليتي بدل ما أفضل أهرب منها.
بصيت للورقة، وبعدها قلت
هنشوف الأفعال يا أحمد، مش الكلام. وأي خطوة هنا لازم تكون باختياري، مش لأنك خايف أخسرك.
هز راسه بالموافقة.
وفي اليوم التالي، بدأت أفكر في حياتي بعيدًا عن سؤال واحد كان مسيطرًا عليّ 18 سنة مين السبب في تأخر الإنجاب؟
لأن السؤال الأهم بقى هل أقدر أعيش في علاقة فيها أمان وصدق واحترام؟
لكن قبل ما أحسم قراري، وصلتني مكالمة من المستشفى، بيبلغوني إن موعد مراجعة ملفي الطبي اتحدد، وإن فيه نتيجة جديدة لازم أسمع شرحها من الطبيب المختص.
أخدت نفسًا عميقًا، وقررت أروح.
المرة دي، مكنتش رايحة عشان أكتشف إذا كنت أنا السبب أو أحمد.
كنت رايحة عشان أعرف الحقيقة عن صحتي، وأقرر مستقبلي على أساسها.
ولأول مرة من 18 سنة، سارة كانت مستعدة تسمع الحقيقة من غير ما تخاف منها.
يتبع في الفصل الثامن والأخير...
الفصل الثامن والأخير سارة اختارت نفسها أخيرًا
وصلت المستشفى في الموعد المحدد، وقعدت مستنية دوري وأنا بفكر في كل اللي عشته خلال ال سنة اللي فاتوا.
كنت فاكرة زمان إن أكبر أمنية في حياتي إني أبقى أم، وإن لو الأمنية دي متحققتش، يبقى أنا فشلت في أهم حاجة كنت بحلم بيها.
لكن بعد كل اللي حصل، فهمت إن قيمتي مش مرتبطة بقدرتي على الإنجاب، وإن من حقي أعيش حياة فيها احترام وأمان، مهما كانت نتيجة الفحوصات.
دخلت للدكتور، وبدأ يشرح لي نتائج الفحوصات الجديدة.
قال لي إن حالتي الصحية محتاجة متابعة وعلاج، وإن سبب كبر بطني لازم يتعاملوا معاه وفق التشخيص اللي ظهر في الفحوصات، وإن موضوع الإنجاب منفصل ومحتاج تقييم دقيق ليا ولأحمد.
سألته
يعني مفيش حد يقدر يقول إن المشكلة مني أو منه من غير فحوصات كاملة؟
رد بوضوح
بالضبط يا سارة. مفيش داعي للوم، ومفيش نتيجة قديمة لوحدها تكفي للحكم النهائي.
شكرت الدكتور وخرجت من مكتبه، وحسيت براحة كبيرة. مش لأن كل مشاكلي اتحلت، لكن لأنني أخيرًا بقيت فاهمة إن الحقيقة مش لازم تكون حكمًا على شخص، وإن العلاج مش معناه إن حد مذنب.
المواجهة الأخيرة
لما رجعت البيت، لقيت أحمد مستنيني.
قال لي
طمنيني، الدكتور قالك إيه؟
حكيت له عن حالتي وخطة العلاج، وبعدها قعدت قدامه وقلت
أحمد، لازم نتكلم في مستقبلنا.
بص لي بقلق، لكنه سكت وسمعني.
قلت له
أنا عشت 18 سنة بلوم نفسي، وبخاف أسألك، وبحاول أرضيك حتى لما كنت بتضغط عليّا. مش هقدر أرجع السنين دي، لكن أقدر أقرر مش هعيش باقي عمري إزاي.
قال بصوت هادي
وأنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللي عملته.
رديت
الإصلاح مش معناه إنك توعدني وخلاص. معناه إنك تحترم قراراتي، وتبطل تلومني، وتسيبني أتعالج وأعيش من غير خوف. ولو هنكمل، لازم نستعين بمتخصص يساعدنا نتعامل مع اللي حصل، ولازم أشوف تغيير حقيقي ومستمر.
هز رأسه وقال
موافق، ومش هطلب منك تسامحيني قبل ما تكوني مستعدة.
ومن اليوم ده، بدأت مرحلة جديدة، لكن مش بالشكل اللي كنت بتخيله زمان.
أنا ركزت على علاجي وصحتي، ورجعت أهتم بنفسي وبالحاجات اللي كنت بحبها. وأحمد بدأ يتحمل مسؤولية قراراته، وكمل فحوصاته، ووافق على الاستشارة الزوجية من غير ما يفرض عليّا أي قرار.
ومع مرور الوقت، بقيت أقيس التغيير بالأفعال، مش
بالدموع ولا بالوعود.
بعد ستة شهور
في يوم، كنت قاعدة مع أمي في البلكونة، وشربنا الشاي سوا. بصت لي وقالت
يا سارة، حاسة إنك بقيتي أقوى.
ابتسمت وقلت
أنا مش أقوى عشان نسيت اللي حصل، يا ماما. أنا أقوى عشان بطلت أصدق إني أستحق اللوم على كل حاجة.
سألتني
ولسه بتفكري في موضوع الإنجاب؟
قلت لها
أكيد ده حلم كان مهم عندي، ولسه هتابع مع الدكاترة وأعرف الخيارات المتاحة. لكن مش هخلي الحلم ده يحدد قيمتي، ومش هقبل إن حد يحمّلني مسؤولية حاجة من غير دليل.
أمي مسكت إيدي وقالت
ربنا يريح قلبك يا بنتي.
وفي المساء، رجعت البيت ولقيت أحمد قاعد بيراجع مواعيد المتابعة الطبية.
قال لي
سارة، أنا عايز أقولك حاجة. زمان كنت فاكر إن الاعتراف بضعفي هيخليني أخسر كل حاجة، لكن دلوقتي فهمت إن خوفي من الحقيقة هو اللي خلاني أظلمك.
بصيت له وقلت
أتمنى تكون فهمت ده فعلًا. لكن لازم تعرف إن الثقة بتتبني كل يوم، ومش من حق أي حد يطلبها كأنها واجب.
قال
فاهم.
ومشيت ناحية الشباك، وبصيت للشارع. افتكرت أول يوم دخلت فيه عيادة الدكتورة، وأنا مرعوبة ومش عارفة هسمع إيه.
لو كنت رجعت بالزمن، كنت أتمنى إني طلبت المساعدة من بدري، وما سمحتش للخوف يمنعني من معرفة الحقيقة.
لكن الماضي خلص، واللي فاضل هو إني أعيش حياتي بوعي وكرامة.
ومن يومها، سارة بطلت تسأل نفسها أنا السبب؟ وبدأت تسأل إيه اللي أقدر أعمله عشان أحافظ على صحتي وكرامتي ومستقبلي؟
أما مستقبل جوازها، فسابته للأيام والأفعال الحقيقية، مش للخوف من الوحدة ولا للضغط من أي حد.
النهاية.
النهاية الأخيرة سارة استردت حقها وبدأت من جديد
بعد سنة كاملة من يوم ما اكتشفت الحقيقة، سارة كانت اتغيرت تمامًا. بقت بتتابع علاجها بانتظام، وبطلت تلوم نفسها على تأخر الإنجاب، لأنها فهمت إن الموضوع محتاج فحوصات طبية، مش اتهامات.
أما أحمد، فبدأ يدرك إن الندم لوحده مش كفاية، وإنه ضيّع سنين من عمر مراته بسبب خوفه من مواجهة الحقيقة.
في يوم، قعد قدامها وقال
يا سارة، أنا عارف إني ظلمتك، ومهما عملت مش هقدر أرجعلك السنين اللي ضاعت. مش هطلب منك تنسي، لكن أتمنى تديني فرصة أثبتلك إني اتغيرت.
بصت له سارة وقالت بهدوء
أنا مش هعيش باقي عمري أسيرة للي حصل. هكمل علاجي، وهحقق أحلامي، وهعيش بكرامتي. لو هنكمل سوا، لازم يكون بينا صدق واحترام، مش خوف وضغط.
أحمد وافق، وبدأ يثبت بتصرفاته إنه مستعد يتحمل مسؤولية أخطائه. وسارة أخدت وقتها، من غير ما تسمح لأي حد يستعجل قرارها أو يفرض عليها تسامح قبل ما تكون مستعدة.
وبعد فترة، وقفت سارة قدام المراية، وابتسمت لنفسها لأول مرة من سنين.
همست
أنا مش ناقصة عشان مخلفتش، ومش مذنبة عشان صدقت كلام أقرب الناس ليا. أنا إنسانة ليا حقوق، وليا أحلام، وليا الحق أعيش من غير خوف.
ومن اليوم ده، بدأت سارة صفحة جديدة، ركزت فيها على صحتها وراحتها ومستقبلها، وسابت موضوع الإنجاب للمتابعة الطبية من غير وعود كاذبة ولا لوم.
والدرس اللي اتعلمته سارة كان واضح الحب الحقيقي مش إنك تخلي إنسان يشيل عنك خوفك على حساب نفسه، لكن إنك تواجه الحقيقة معاه، وتحترمه، وتسيب له حرية الاختيار.
تمت النهاية.
عندي 38 سنة، وروحت للدكتور من ورا جوزي من غير ما أقوله... وأثناء ما الدكتورة بتكشف على بطني الكبيرة، سألتني إزاي بقالك 18 سنة متجوزة ومخلفتيش لحد دلوقتي؟ رديت عليها وقلت جوزي دايمًا بيقول إن العيب في جسمي أنا! وفجأة، ملامح الدكتورة اتغيرت وبقت جدية جدًا، وسألتني هو جوزك أجبرك قبل كده تعملي حاجة إنتِ مش عايزاها؟ همست وأنا بترعش أيوه... كل ليلة، بقالنا 18 سنة! ولما حكيتلها جوزي بيعمل معايا إيه، وشها شحب، وقفلت باب العيادة بالمفتاح، وبصتلي بقلق وسألتني هو عارف إنك هنا؟ قلتلها لأ... لكن اللي قالتهولي بعد كده كان أكبر من إني أقدر أستحمله! اسمي سارة، عندي 38 سنة، وبقالي 18 سنة مخبية سر عن جوازي، سر عمري ما جرؤت حتى إني أحكيه لأمي كل حاجة اتغيرت يوم التلات اللي فات الصبح ده، استنيت لحد ما جوزي، أحمد، خرج من البيت وراح شغله. بعدها لبست أوسع فستان عندي، وأخدت الفلوس اللي كنت مخبياها على جنب من مصروف البيت من غير ما يعرف، وركبت عربيتي وروحت عيادة دكتورة أحمد مكنش عنده أي فكرة إني رايحة أكشف عند دكتور في أول سنين جوازنا، كل حاجة كانت جميلة. كنا لسه صغيرين، وبنحب بعض جدًا، وكان عندنا حلم واحد نفسنا نحققه أكتر من أي حاجة في الدنيا إننا نخلف عيال كتير، وتبقى لينا عيلة كبيرة نعيش معاها ونفرح بيها لكن السنين بدأت تعدي، وأنا مكنتش بحمل في البداية، كنت لسه عندي أمل، وكنت بقول لنفسي إن الحمل ممكن يحصل في أي وقت. لكن مع مرور الوقت، الأمل بدأ يتحول لخوف، والخوف بدأ ياكل قلبي يوم ورا يوم بطني بدأت تكبر تدريجيًا، وبقيت بحس بألم وإرهاق كتير، وأوقات كنت بحس إني مش قادرة أتحرك من التعب لكن كل ما كنت أشتكي لأحمد، كان بيرد عليّا بنفس الكلام يا سارة، ما هو ده طبيعة جسمك. متتعبيش نفسك بالتفكير، ومتعذبيش روحك على الفاضي. إحنا عارفين خلاص سبب إننا مخلفناش كنت ببصله بحيرة وأسألهطب ما يمكن نروح لدكتور؟ يمكن يكون فيه علاج، ويمكن نعرف إيه المشكلة ونحلها لكن أول ما كنت بجيب سيرة الدكتور، ملامحه كانت بتتغير في لحظة، وصوته كان بيبقى حاد وهو بيقوليأرجوكي يا سارة، متفتحيش الموضوع ده تاني!وكنت بسكت، رغم إن جوايا ألف سؤال وسؤال لكن أغرب حاجة في حياتي كلها كانت بتحصل كل ليلة على مدار 18 سنة كاملة، أحمد كان بيخليني أقعد جنبه كل ليلة، وأمسك إيديه بإيديا، وأكرر وراه نفس الجملة بالحرف أنا مش السبب... وبكرة هيبقى أحسن في البداية، كنت بقول الكلام ده برغبتي، ومكنتش فاهمة هو ليه محتاج يسمعه مني كل ليلة لكن مع مرور السنين، الموضوع بدأ يتحول لحاجة تقيلة على قلبي، حاجة بقيت بكرهها وبخاف من اللحظة اللي هيطلبها مني فيها كنت بحس إني بكرر كلام ملوش معنى، وإن فيه حاجة غلط بتحصل، لكن مكنتش قادرة أفهم إيه هي وفي ليالي كتير، كنت ببقى منهارة من العياط، وأترجاه بصوت مكسورأحمد، أرجوك كفاية! أنا مش عايزة أعمل كده تاني. تعبت، ومبقتش قادرة أستحمل لكنه كان بيبدأ يعيط هو كمان، ويمسك إيديا بقوة، ويبصلي برجاء غريب، ويقولييا سارة، أرجوكي!
متابعة القراءة