رواية جديدة
واقف قدام المقبرة، والهواء البارد بيحرك الورق البني الملفوف حوالين الورد اللي في إيده.
ست وردات بيضا.
نفس العدد كل سنة.
نفس اليوم.
ونفس الساعة.
بقاله ست سنين بييجي لوحده، وطول الست سنين دول عمره ما لقى حد حط ورد قبل ما يوصل.
لكن السنة دي، اتفاجئ بحاجة عمره ما شافها قبل كده.
بوكيه كبير من الزهور البيضا كان محطوط قدام المقبرة، ومعاه ورد أبيض وأغصان خضراء لسه عليها نقط مية.
محمود نزل على ركبته ولمس واحدة من الوردات بحذر.
لسه طازة...
رفع عينه وبص حواليه.
صفوف المقابر، وأشجار السرو، والطريق الهادي، ولا فيه بني آدم واحد ظاهر في المكان.
بص ناحية الطريق اللي بيؤدي للمقابر، وبعدين رجع بص للقبر.
مين جه زارك قبلي؟
نزل بعينه على الرخام.
الاسم المحفور عليه كان حافظه عن ظهر قلب.
ياسمين عبد الرحمن
9 2020
مراته.
الست اللي فقدها في حادثة عربية من ست سنين.
أو على الأقل... ده اللي كان عايش ومصدق إنه حصل.
حط محمود الورد اللي جابه جنب الزهور التانية، وبعدها فتح جاكت بدلته وطلع كاميرا صغيرة سودة.
ماكانتش أول مرة ياخدها معاه.
قبلها بثلاث أسابيع، عامل المقابر اتصل بيه.
أستاذ محمود، كنت عايز أسألك... حضرتك بتيجي المقابر في غير يوم ذكرى وفاة مراتك؟
لأ.
أصل أنا شوفت ورد اتحط هنا كذا مرة.
في الأول محمود افتكر إن الراجل غلطان.
يمكن واحدة من صاحبات ياسمين.
يمكن حد من قرايبها.
لكن ياسمين ماكانش ليها حد قريب.
أمها كانت ماتت قبلها، وأبوها كمان، وأختها الوحيدة منى كانت عايشة في أسوان من أكتر من عشر سنين.
محمود اتصل بمنى.
إنتِ رجعتي إسكندرية قريب؟
لأ.
إنتِ اللي بعتّي ورد على قبر ياسمين؟
سكتت منى شوية.
وبعدين قالت
لأ.
نبرة صوتها ضايقته، لكنه ماحبش يضغط عليها.
أما النهارده، وبعد ما شاف الورد ولسه شايف فانوس صغير منور جنب المقبرة، ماعادش قادر يعتبر الموضوع مجرد زيارة مجهولة.
ثبت الكاميرا في مكان قريب من المقبرة.
المرة دي... هعرف مين بييجي هنا.
رجع خطوتين لورا، وقبل ما يمشي لمح حاجة اتحركت عند آخر الطريق.
لف بسرعة.
مفيش حد.
مجرد غصن شجرة بتحركه الهوا.
فضل واقف شوية، وبعدها مشي.
الليلة دي ماعرفش ينام كويس.
الساعة 317 الفجر، صحي وبص على التطبيق المتوصل بالكاميرا.
مفيش حركة.
الساعة 742...
ولا حاجة.
لكن الساعة 1006، تليفونه اهتز.
تم رصد حركة.
فتح محمود التسجيل فورًا.
ظهرت واحدة ماشية ناحية المقبرة.
لابسة معطف طويل، وملفوفة إيشارب حوالين رقبتها.
ست.
كبّر محمود التسجيل.
إيده تلجت.
الحركة دي يعرفها.
الطريقة اللي بتميل بيها راسها وهي ماشية.
الست وقفت قدام المقبرة وحطت إيدها على الرخام.
وبعدين خلعت النظارة.
محمود حس إن نفسه اتقطع.
لأ...
كبّر الصورة أكتر.
الوش كان أرفع.
وأكبر شوية.
لكن مفيش أي شك.
الست اللي واقفة قدام قبر ياسمين...
كانت منى.
أخت ياسمين اللي أكدت له إنها في أسوان.
فضلت منى حوالي عشر دقايق، وبعدها طلعت ظرف من شنطتها ودسته ورا الرخام.
وقبل ما تمشي، قالت حاجة بصوت واطي.
التسجيل التقط جملة واحدة بس
أنا آسفة... محمود في الآخر هيعرف.
محمود قام مرة واحدة.
وبعد ساعة كان واقف قدام المقبرة تاني.
الظرف كان لسه مكانه.
فتحه.
جواه صورة.
ياسمين.
حية.
والصورة كانت متصورة بعد أربع سنين من التاريخ اللي المفروض إنها ماتت فيه.
وعلى ضهر الصورة أربع كلمات
ما تدورش على منى.
محمود حس إن الدنيا بتلف بيه.
لأن لو الصورة دي حقيقية، يبقى هو ماكانش بيزور قبر مراته بقاله ست سنين.
هو كان بيزور قبر كذبة.
محمود استنى منى قدام الفندق اللي كانت نازلة فيه.
ظهرت حوالي الساعة ستة المغرب.
أول ما شافته، وشها اتغير.
محمود...
طلع الصورة ومدها لها.
فسري.
منى قفلت عينيها.
مش هنا.
ست سنين يا منى.
عارفة.
ست سنين وأنا بكلم قبر مراتي... ست سنين وأنا مصدق إنها ماتت.
بصت حواليها.
اطلع معايا.
دخلوا الأوضة، ومنى فضلت فترة طويلة واقفة جنب الشباك قبل ما تبدأ تتكلم.
حادثة العربية حصلت فعلًا.
لكن ياسمين ما ماتتش.
كانت اتصابت إصابات خطيرة، واتنقلت لمستشفى خاص باسم مختلف.
محمود بص لها بعدم تصديق.
ليه؟
حطت منى إيديها على الترابيزة.
لأن ياسمين كانت خايفة عليك.
محمود رجع خطوة.
مني؟
مش منك كجوز... من اللي كان ممكن يحصلك لو رجعت.
سكت، فبدأت منى تحكي له الحقيقة اللي أخفتها عنه كل السنين دي.
قبل الحادثة بكام يوم، ياسمين كانت اكتشفت حاجة خطيرة.
في الوقت ده، محمود كان بيدير شركة نقل وشحن مع شريكه سامح.
وكان محمود واثق في سامح زي أخوه بالظبط.
ياسمين، بحكم خبرتها في الحسابات، لاحظت تحويلات مالية غريبة.
شركات صورية.
فواتير مش حقيقية.
وحسابات اتحولت منها فلوس لحسابات خارج مصر.
بدأت تجمع المستندات والأدلة.
لكن بعدها بدأت تلاحظ إن في حد بيراقبها.
مكالمات مجهولة.
عربية بتمشي وراها.
وبعدين في ليلة، وصل لها تهديد واضح
لو اتكلمتي... محمود هو اللي هيدفع التمن.
محمود بص لمنى بصدمة.
طب ما قالتليش ليه؟
لأنها كانت عارفة إنك أول ما تعرف هتواجه سامح.
وشه شحب.
سامح؟
منى هزت راسها.
هو.
الحادثة عمرها ما اتثبت رسميًا إنها مدبرة.
لكن ياسمين كانت مقتنعة إن سامح عرف إنها بتدور وراه.
بعد الحادثة، منى قدرت تنقلها بشكل سري لمكان تاني.
وساعتها ياسمين أخدت قرارها.
تختفي.
محمود سأل بصوت ضعيف
والجثة؟
منى نزلت عينيها.
ست تانية ماتت في الحادثة.
العربية اتحرقت، وبسبب حالة الجثمان حصل خطأ وقتها في إثبات هوية المتوفاة، واتدفنت على إنها ياسمين، ومنى سكتت عن الحقيقة.
محمود مرر إيده على وشه.
إنتِ زورتِ هويتها؟
أيوه.
إنتوا مجانين؟
عارفة.
وده كان الحل؟
لأ.
منى ماحاولتش تدافع عن نفسها.
بس وقتها كنا فاكرين إننا بنحميها.