رواية كامله

لمحة نيوز


الست وجوزها عشان يشوفوا الراجل اللي بجد، ورينا بقى شطارتك!
رامي حط إيده على راسه كأنه هيموت من الصداع مريم.. ابوس إيدك بلاش العند ده دلوقتي.. ادفعي العزومة دي من الكارت بتاعك أو من حسابك التاني، والله هرجعهملك أول الشهر أول ما أقبض.. متصغرنيش قدام الراجل، محمود هيمسكها عليا ذلة في الشركة ومش هخلص من لسانه!
مريم بصتله بنظرة كلها شموخ وقوة، النظرة اللي بتفصل بين الست اللي كانت صابرة والست اللي قررت تحط حدود متتكسرش أدفع من حسابي؟ اللي قولتلي عليه إنه ملاليم وإني عايشة بفضلك وبفضل مرتبك؟ اللي قولتلي أسبوعين وهتيجي تبوسي إيدي عشان أديكي قرشين؟ إنت نسيت كلامك يا رامي؟ نسيت لما قولتلي لو مش عاجبك أشوف غيرك؟
رامي بلع ريقه وصوته انكسر لأول مرة كنت بهزر.. كنت متعصب وغبي ولساني فلت.. وحياتي عندك يا مريم، الليلة دي بس.. مش هنسهالك طول عمري!
مريم طلعت من جيبها الورقة المطوية اللي كانت مجهزاها، الورقة اللي فيها كشف الحساب المسحوب بخط إيدها، وحطتها في صدره عايزني أدفع وأسندك؟ تمام. بس بشروطي أنا، وبالورقة والقلم يا رامي. مفيش رجوع لنقطة الصفر تاني. هتدفع تمن الدرس ده لحد آخر مليم، ومش عشان أنا مفترية، عشان إنت اتفرعنت لما لقيتني ساكتة وشايلة عنك من غير ما اتكلم!
رامي فتح الورقة وعينيه كانت بتقرأ البنود وهو مش مستوعب إيه ده؟
ده صك التنازل عن دور سي السيد المزيف. أولاً الستين ألف بتوع كارت المشتريات اللي مديون بيهم هتسدهم من مرتبك إنت، وأخوك معتز ملوش مليم واحد يطلع من البيت ده تاني، وإذا كنت عايز تديله يبقى من مصروف جيبك الخاص بعد ما تدفع نصيبك في البيت بالقرش والتعريفة. ثانياً الحساب المشترك هيتلغى، وكل أول شهر مرتبك هيتقسم تلتين وتلت؛ تلت لمصاريف البيت الحقيقية اللي أنا هحسبها وأديرها بنفسي، وتلت لأقساط ديونك، والتلت الأخير ده مصروفك الشخصي تلف بيه بقى كافيهات، تروح بيه جيم، إنت حر فيه وتتحمل عواقبه. ثالثاً وأهم شرط الرهان هيتنفذ بالحرف، من بكرة الصبح ترجع تقاسم معايا شغل البيت، والحمام بتاع الشقة تنضفه بنفسك لمدة ست شهور زي ما راهنتني!
رامي برّق أنضف الحمام؟! ومحمود هنا أقوله إيه دلوقتي؟!
مريم رفعت موبايلها تقول موافق وتبوس إيدك وش وضهر، يا إما هخرج للصالة حالاً، وأقول لمحمود ونهى معلش يا جماعة، رامي الباشا اللي مرتبه ضعف مراته، الفيزا بتاعته اتصفرت ومعهوش تمن وجبة كباب، واتفضلوا بقى ننزل ناكل فول وطعمية على عربية المحطة على حسابه برضه!
رامي حس إن السقف بيقع عليه. الغرور بتاعه اتكسر حتت صغيرة تحت رجلين مريم. مكانش قدامه أي مفر. مريم كانت ماسكة كل الخيوط في إيدها؛ الورق، الفلوس، والكرامة اللي كانت هتضيع في لحظة قدام زميل عمره.
هز راسه باستسلام تام وهو باصص في الأرض موافق.. موافق على كل حاجة يا مريم.. بس طلعينا من الليلة دي الله يسترك!
مريم ابتسمت ابتسامة الانتصار الهادي، طلعت كارتها البنكي الخاص من محفظتها، وفتحت الأبلكيشن بتاع أشهر مطعم مشويات في التجمع، وطلبت تشكيلة فاخرة من الكباب والكفتة والريش والمقبلات والشوربة، ودفعت الحساب كامل بضغطة زرار واحدة من فلوس شقاها اللي كانت بتديرها بذكاء.
عشر دقايق والأكل هيكون هنا. اخرج بقى برة واضحك وفرفش، وريني الوش الخشب بتاع الرجالة الصرافين ده هيتصرف إزاي!
خرج رامي ومريم للصالة. رامي قعد على حرف الكرسي وشه لسه فيه أثر الصدمة، بس مريم كانت قايدة القعدة بهزار وضحك، وسابت الكلام يجر بعضه لحد ما رنت جرس الباب، ووصل الدليفري.
مريم قامت استلمت الأكل، ورصت السفرة باحترافية تخطف العين؛ أطباق السيرفيس، السلطات، العيش السخن، واللحوم اللي ريحتها ملت الشقة كلها.
محمود عينه لمعت وقعد يفرك إيديه الله أكبر! إيه الجمال ده يا رامي! لا بجد طلعت راجل وبتفهم، تسلم إيدك يا عم، السفرة دي تكلّف قد كده!
رامي بلع ريقه وهو بيبص لمريم اللي كانت بتبتسم له بالهنا والشفا يا محمود.. كُل كُل..
نهى وهي بتاكل قطمة كفتة، بصت لمحمود وقالتله بنبرة ذات مغزى شايف الأكل الجاهز والمطاعم اللي بتفتح النفس؟ مش زي مكرونتك بالصلصة اللي بتخليني أقف في المطبخ تلات ساعات عشان أعملها؟
محمود حب يستعرض قدام رامي، فقال بتعالي يا ستي ده يوم استثنائي، بس برضه الست الأصيلة هي اللي تطبخ في بيتها لراجلها، أنا مراتي مبتخليش الأكل يدخل من برة البيت أبداً، وبتقف على رجلها تخدمني وتعملي كل اللي نفسي فيه!
هنا بقى نهى مقدرتش تكتم الضحكة، وفرقعت في الوش من غير مقدمات أنا يا محمود؟! مين دي اللي بتقف تخدمك وتطبخلك؟! هو إنت صدقت الكدبة اللي بتفرشها ع القهوة يا راجل إنت؟!
محمود وشه جاب ألوان وشرق في حتة الريشة اللي في بؤه كح.. كح.. إيه اللي بتقوليه ده يا ولية قدام الناس؟!
نهى مسحت إيدها وبصت لمريم وضحكت بقول الحقيقة! عشان إنت واكل دماغ رامي ومفهمه إني خادمة الفلبين في البيت، وإنت عارف كويس إن أمي هي اللي بتبعتلنا الأكل جاهز في علب متفرزة كل أول أسبوع، والشغالة بتيجي تنضف وتمسح، وإنت يدوبك بتديني مصروف البيت بالقطارة عشان تكمل قسط الموبايل الأيفون اللي شريته بالقسط عشان تفر

بيه قدام صحابك!
الصالة كلها سكتت. السكون كان فظيع لدرجة إن صوت عقارب الساعة في الحيطة كان مسموع بوضوح.
محمود كان وشه محروق، وعينيه تايهة في أطباق السفرة مش عارف يبص لرامي فين ولا إزاي. الكدبة الكبيرة اللي كان بيبني عليها شخصيته طول السنين اللي فاتت اتهدت في ثانية قدام مراته وقدام زميله.
رامي في اللحظة دي بالذات، بص لمحمود، وبعدين بص لمريم.
حس بحاجة غريبة جداً بتتحرك جواه؛ ميكس بين الصدمة، وبين الغيظ من نفسه، وبين إحساس عميق بالندم. الراجل اللي كان بياخده قدوة، واللي قلب بسببه بيته وخسر احترامه لمراته وعايرها بلقمتها وشغلها، طلع في الآخر أراجوز، عايش في وهم ومنظرة كدابة، وبيستعرض برجولة زائفة على حساب الحقيقة!
مريم قطعت الصمت بذكاء وضحكت بخفة يا ستي كل البيوت فيها أسرارها، المهم إنكم منورينا الليلة.. كل يا محمود متتكسفش، رامي صاحبك برضه ومفيش بينكم أسرار!
محمود كمل أكله وهو باصص في طبقه ومفتحش بؤه بكلمة تانية طول السهرة، ونهى كانت مروقة وبتشرب عصيرها بانتصار.
الساعة جت حداشر، محمود ونهى استأذنوا ونزلوا. محمود كان نازل ع السلم وراسه في الأرض، حتى مرفعش عينه يودع رامي بحرارة زي ما دخل.
رامي قفل الباب، ولف ضهره.
الشقة كانت هادية، وأطباق العزومة المتوسخة كانت مالية السفرة والمطبخ.
مريم وقفت قدامه، وبصتله من غير ما تتكلم. عينيها كانت بتقوله أدي صاحبك اللي كنت بتهد بيتك عشانه، وأدي النتيجة.
رامي مشي بخطوات تقيلة، ووقف قدامها. عينيه كانت مكسورة، الغرور الكداب اللي كان مالي صوته أول الشهر اتبخر ومبقاش منه غير راجل اتعلم درس عمره.
مريم.. أنا آسف.
الكلمة طلعت منه بصوت واطي بس صادقة لأول مرة.
أنا كنت أعمى يا مريم.. كنت غبي وتافه وبجري ورا كلام فارغ ومنظرة ملهاش أي تلاتين لزمة. محمود ده طلع مسكين وأنا كنت أهبل منه لما سمعتله وجيت أفرضه عليكي في بيتك. أنا نسيت إنك إنتي اللي شيلتيني، ونسيت إن تعبك وشقاكي في التجمع هو اللي ساترنا، وإني من غير تدبيرك مكنتش هعرف أعيش أسبوعين على بعض بمرتبي ده.
مريم قربت منه، ونظرتها لانت شوية، بس الحزم كان لسه موجود في نبرتها الاعتذار حلو يا رامي، بس الأفعال هي اللي بتثبت. أنا مش عدوتك، ولا عمري كنت داخلة معاك في ندية ولا مسابقة مين بيكسب أكتر. إحنا دخلنا البيت ده شركاء، بنشقى سوا ونتعب سوا عشان نعمل بيت نظيف ومستقبل لينا ولعيالنا لما يجوا. لكن إنك تدوس عليا، وتستقل بيا وبتعبي، وتفتكر إن الفلوس بتديك حق إنك تقلل من قيمتي وتخليني خادمة عندك، ده اللي مكنتش هسمح بيه أبداً، حتى لو كان التمن إني أسيب البيت ده ومارجعلوش تاني.
رامي مسك إيديها الاتنين وباسهم حقك عليا.. والله العظيم فهمت، والدرس علم في دماغي ومش هنساه ليوم الدين. من النهاردة مفيش كلمة تتقال بعد كلمتك في إدارة قرش البيت، وكل اللي اتفقتِ عليه هيتنفذ بالحرف، من بكرة الصبح.
مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وسحبت إيدها بهدوء، وشاورت بصباعها على السفرة المليانة أطباق ومخلفات العزومة من بكرة الصبح إيه يا رامي؟ الرهان بيبدأ من اللحظة دي بالظبط!
رامي بص للسفرة، وبص لحوض المطبخ اللي اتملى
أطباق وحلل ودهون دلوقتي؟
مريم قعدت على كرسي الصالون، وحطت رجل على رجل، ومسكت ريموت التليفزيون وشغلت مسلسلها المفضل أيوة دلوقتي يا بو الروس. شمر كمامك، ادخل على المطبخ، شيل الأكل، اغسل المواعين بالسلكة والصابون، ومتنساش تمسح الرخامة بعد ما تخلص.. وبعدين تاخد جردل المسح والديتول وتدخل على الحمام تخليه يبرق زي المراية، عشان قدامك ست شهور خدمة فيه!
رامي بص للمطبخ، وبص لمريم، ولقى نفسه بيضحك غصب عنه؛ ضحكة راجل أدرك إنه خسر المعركة بغبائه بس كسب بيته ومراته اللي بتفهم قبل ما يضيعوا من إيده للأبد.
شمر كمام قميصه، وقلع ساعته حطها على الترابيزة، وقال وهو داخل على المطبخ أمرك يا ستي.. بس كوباية شاي بنعناع بقى من إيدك الحلوة دي تصبرني ع المواعين؟
مريم ضحكت من قلبها، وقالت بصوت مسموع حاضر يا رامي.. لما أشوف لمعة الأطباق الأول!
ومن الليلة دي، اتعلم رامي إن الرجولة مش بالصوت العالي ولا بعدّ الفلوس ولا بكلام القهاوي الفاضي، وإن الست الأصيلة مش هي اللي تطاطي وتتكسر، الست الأصيلة هي اللي تعرف تسند بيتها بذكائها، وتحط كل واحد في مقامه الصح، بالورقة والقلم ومن غير نقطة دم واحدة. النهاية

 

تم نسخ الرابط