آلاف النمل

لمحة نيوز

منخفضة جدًا.
ولو مريم قضت ليلة كاملة وسط الأشجار من غير اللبس التقيل ده...
فالموضوع أخطر مما كانوا متخيلين.
كملوا البحث.
وبعد حوالي أربعين دقيقة...
ظهر شيء تاني.
فردة كوتشي.
كانت واقعة جنب منحدر.
عم حسين وقف عند حافة المنحدر وبص لتحت.
نزل بحذر.
وهناك، على واحدة من الصخور، لمح بقعة غامقة.
قرب منها.
لمس طرفها.
وبص لسعاد.
دم.
كان دم ناشف.
عم حسين بدأ يفحص الأرض حواليه.
وبخبرته، قدر يفهم اللي حصل تقريبًا.
أشار ناحية التراب وقال
وقعت من هنا.
كانت فيه آثار واضحة على الأرض.
خطوط طويلة محفورة في التراب.
آثار إيدين.
وآثار ركبتين.
سعاد بصت للمكان ووشها اتغير.
مريم بعد ما وقعت واتصابت...
ما استسلمتش.
كانت
كملت طريقها وهي بتزحف على إيديها وركبها.
يمكن لأنها ما كانتش قادرة تقف.
يمكن لأن رجلها اتصابت.
لكن الواضح إنها فضلت تتحرك.
عم حسين وسعاد مشيوا وراء آثار الزحف.
لحد ما فجأة...
سمعوا صوت.
عم حسين وقف.
استني.
سعاد سكتت.
الصوت اختفى.
وبعد ثواني...
رجع تاني.
ما كانش صرخة.
ولا حتى نداء واضح.
كان مجرد أنين ضعيف جدًا...
لدرجة إن أي حد غير عم حسين كان ممكن يفتكره صوت غصن بيتحرك مع الهوا.
لف ناحية الصوت.
زق مجموعة كبيرة من نباتات السرخس بإيده.
وبمجرد ما شاف اللي وراها...
نزل يجري.
سعاد!
سعاد جريت وراه.
لكن أول ما وصلت...
صرخت.
مريم كانت مرمية على الأرض جنب عش نمل ضخم مبني بين شجرتين كبيرتين.
شفايفها كانت مزرقة من البرد.
إحدى رجليها كانت مكشوفة.
وجسمها شبه ساكن تمامًا.
لكن مش ده اللي خلّى عم حسين يتجمد مكانه.
كان فيه...
آلاف النمل الأحمر فوق جسمها.
على رجليها.
على دراعاتها.
على هدومها.
وفي منظر أغرب من أي حاجة شافها عم حسين طوال اتنين وعشرين سنة في الغابة...
كان النمل عامل مسارين منتظمين بشكل غريب جدًا.
صف طالع من عش النمل...
وصف راجع له.
والمساران كانوا واصلين مباشرة لحد بطن مريم الحامل.
عم حسين اتصدم.
مد إيده بسرعة وكسر فرع شجرة.
يا ساتر يا رب! دول بياكلوها!
رفع الفرع وكان هيبدأ يكنس النمل من فوق جسمها.
لكن سعاد اندفعت عليه ومسكت دراعه بكل قوتها.
لأ! متلمسهمش!
بصلها عم حسين بصدمة.
إنتِ اتجننتي؟!
سعاد قالت بسرعة
بص الأول!
أبص على إيه؟!
بص هما شايلين إيه يا حسين!
عم حسين كان نفسه سريع.
لكنه ركز.
بص للنمل اللي بيتحرك ناحية بطن مريم.
وفجأة...
شاف حاجة ما قدرش يفهمها.
النمل اللي كان طالع من العش...
كان شايل حاجات.
حاجات صغيرة جدًا.
قطع دقيقة من أوراق وإبر الصنوبر اليابسة.
ألياف نباتية.
قطع صغيرة جدًا من لحاء الأشجار.
كل نملة كانت بتطلع بحاجة.
توصل لبطن مريم...
وتسيب اللي شايلها.
وبعدين ترجع.
ونملة تانية تيجي بعدها.
والأغرب...
إن القطع دي كانت متجمعة حوالين منطقة البطن فوق الجاكيت اللي مريم لابساه.
طبقة فوق طبقة.
كأن آلاف النمل قضوا ساعات وهم بيبنوا غطاءً صغيرًا فوق بطنها.
عم حسين نزل الفرع من إيده ببطء.
هما... بيعملوا إيه؟
سعاد نفسها ما كانش عندها إجابة.
لكن حاجة واحدة بقت واضحة.
النمل ما كانش بيتصرف كأنه بيهاجمها.
كان بيتحرك بنظام غريب.
وكأنه...
بيبني حاجة.
سعاد قربت بحذر شديد.
مدت ظهر إيدها ناحية رجل مريم من غير ما تحرك النمل.
لمست جلدها.
واتخضت.
ساقها متلجة.
لمست إيديها.
أصابعها كانت شبه متيبسة من شدة البرد.
سعاد بدأت تقلق أكتر.
لكن بعدين قربت إيدها من بطن مريم.
وساعتها...
وشها شحب.
عم حسين لاحظ.
في إيه؟
سعاد ما ردتش.
قربت أكتر.
حطت إيدها بحذر شديد ناحية بطن مريم.
وبعدين بصت لجوزها.
حسين...
إيه؟
قالت وهي مش مصدقة
بطنها دافية.
عم حسين بص لها كأنه ما فهمش.
يعني إيه دافية؟
جسمها كله تقريبًا ساقع... لكن منطقة بطنها دافية.
سعاد فتحت شنطة الإسعافات الصغيرة اللي كانت شايلها.
طلعت السماعة الطبية.
وبحرص شديد، بدأت تدور على مساحة صغيرة تقدر تحط فيها السماعة من غير ما تفسد الطبقة الغريبة اللي النمل عاملها من إبر الصنوبر والألياف النباتية.
حطت السماعة.
وسكتت.
عم حسين واقف جنبها مش قادر يتنفس تقريبًا.
عدت عشر ثواني.
عشرين ثانية.
وفجأة...
دموع سعاد نزلت.
عم حسين قرب منها بسرعة.
سعاد؟!
رفعت وشها له وهي بتعيط.
وقالت
البيبي لسه قلبه بينبض.
عم حسين بص لمريم.
وبعدين بصلها على بطنها.
وبعدين بص لعش النمل.
آلاف الأجسام الصغيرة الحمراء كانت لسه بتتحرك في صفوف منتظمة.
رايحة وجاية.
شايلة إبر الصنوبر وقطع النباتات الصغيرة وتحطها فوق منطقة البطن.
عم حسين قال بصوت منخفض
إزاي؟... إزاي الطفل لسه عايش وهي بالحالة دي؟
سعاد ما ردتش.
لأنها هي نفسها ما كانتش فاهمة.
لكن قبل ما أي واحد فيهم يقدر يعمل حاجة...
حصل شيء تاني.
أصابع مريم اتحركت.
سعاد شهقت.
مريم؟
جفون مريم ارتعشت.
وبصعوبة شديدة...
فتحت عينيها.
كانت عينيها شبه مش شايفة.
ونفسها ضعيف جدًا.
سعاد
قربت منها بسرعة وقالت
مريم، سامعاني؟ أنا سعاد، ممرضة. إحنا لقيناكي. الإسعاف جاي. متحاوليش تتحركي.
مريم حاولت تحرك شفايفها.
لكن صوتها ما طلعش.
سعاد قربت ودنها منها.
قولي... أنا سامعاكي.
مريم أخدت نفسًا ضعيفًا.
وبصت ناحية النمل اللي بيغطي جزءًا من

جسمها.
وبعدين همست بجملة...
خلت سعاد تتجمد مكانها.
متشيلوهمش...
سعاد رفعت رأسها.
إيه؟
مريم حاولت تجمع آخر قوتها.
وقالت
أنا اللي جيت عندهم هنا... بقصدي.
عم حسين وسعاد بصوا لبعض.
ولا واحد فيهم فهم.
ست حامل، مصابة، تايهة وسط الغابة، جسمها شبه متجمد...
ومع ذلك بتقول إنها هي اللي زحفت لحد عش النمل بإرادتها؟
عم حسين قرب منها وقال
إنتِ جيتي هنا بقصدك؟ ليه؟
عيني مريم اتحركت ناحيته.
حاولت تتكلم.
لكن قبل ما تشرح...
ظهر صوت أجهزة الاتصال الخاصة بعم حسين.
فرق الإنقاذ كانت بتقرب من مكانهم.
سعاد أمسكت إيد مريم وقالت
متتكلميش دلوقتي. وفري قوتك.
لكن مريم ضغطت على أصابعها بشكل ضعيف.
كأنها مصممة تقول حاجة.
شيء مهم.
شيء حصل في الساعات الطويلة اللي قضتها لوحدها وسط الغابة.
واللي مريم بدأت تحكيه بعد كده...
كان أغرب من أي شيء سمعه عم حسين طوال حياته.
لأن السبب اللي خلاها تزحف بنفسها ناحية عش النمل...
والحقيقة وراء اختفائها كل هذا الوقت...
والسبب الحقيقي اللي خلّى جوزها أحمد يستنى تقريبًا يوم كامل رغم إنه كان عارف إن مراته الحامل تايهة ومش عارفة مكانها...
كانوا على وشك يكشفوا قصة أفظع بكتير من مجرد واحدة ضلت طريقها في الغابة.
واللي حصل بعد كده غيّر للأبد الطريقة اللي عم حسين كان بيبص بيها للغابة... وللبشر كمان.
يتبع...
الجزء الثاني
سعاد انحنت بسرعة ناحية مريم وقالت لها
متتكلميش كتير... إنتِ ضعيفة جدًا.
شفايف مريم كانت متشققة من شدة الجفاف، وصوتها بالكاد مسموع.
بصت لسعاد وهمست
ابني...
سعاد مسكت إيدها وقالت بسرعة
عايش. متخافيش... قلبه لسه بينبض، ونبضه قوي.
دمعة نزلت على وش مريم المتسخ بالتراب.
وظهر على ملامحها شيء غريب
يشبه الراحة.
همست
يبقى... نفعت.
سعاد افتكرت إنها سمعت غلط.
قربت منها أكتر وقالت
إيه اللي نفع؟
مريم حركت عينيها بصعوبة ناحية عش النمل الضخم المبني من التراب وإبر الصنوبر والأغصان الصغيرة.
وقالت
جدتي... كانت بتدرس الحشرات.
وبمجرد ما قالت الجملة...
عينيها قفلت.
وفقدت الوعي من جديد.
مريم!
سعاد فحصت نبضها بسرعة.
كانت لسه عايشة.
في الوقت نفسه، عم حسين اضطر يطلع ناحية منطقة مرتفعة شوية عشان إشارة جهاز اللاسلكي تبقى أقوى ويقدر يطلب دعم من فرق الإنقاذ.
وسعاد فضلت جنب مريم.
بدأت تفحصها بقدر الإمكانيات البسيطة اللي معاها.
حرارة أطرافها كانت منخفضة بشكل خطير.
إيديها ورجليها شبه متجمدين.
كاحلها كان وارم جدًا، وشكله يوحي إن فيه كسر.
نبضها ضعيف.
جسمها منهك تمامًا من الجفاف والبرد.
لكن كان فيه شيء واحد مش منطقي.
منطقة البطن.
سعاد لمستها للمرة التانية.
حرارتها كانت مستقرة بشكل غريب مقارنة بباقي جسم مريم.
مش دافية بالمعنى الطبيعي...
لكنها بالتأكيد أدفى بوضوح من أطرافها وباقي جسمها.
سعاد بصت لعش النمل.
وبعدين للطبقة الغريبة من إبر الصنوبر والألياف النباتية المتجمعة حوالين بطن مريم.
مش قادرة تفهم العلاقة.
عدت كام دقيقة.
وفجأة...
مريم فتحت عينيها مرة تانية.
المرة دي كانت واعية أكتر.
سعاد قربت منها وقالت
مريم، إنتِ قلتي إن جدتك كانت بتدرس الحشرات... تقصدي إيه؟
مريم أخدت نفس طويل بصعوبة.
وبدأت تحكي.
جدتها، الدكتورة زينب، كانت متخصصة في علم الحشرات في الجامعة.
ولما مريم كانت طفلة، كانت بتقضي معاها فترات طويلة في المناطق الجبلية والغابات وهي بتراقب الحشرات وبتدرس سلوكها.
جدتها علمتها حاجات كتير.
لكن كان فيه معلومة معينة...
مريم عمرها ما نسيتها.
أعشاش النمل الكبيرة ممكن تشتغل كأنها أنظمة حرارية طبيعية.
الحركة المستمرة داخل المستعمرة، والمواد النباتية الموجودة في العش، وطريقة بنائه، والأنفاق الداخلية وحركة آلاف النمل...
كل ده ممكن يخلي درجة الحرارة في أجزاء من المستعمرة
أكثر استقرارًا من درجة الحرارة الموجودة في الخارج.
مريم قالت بصوت ضعيف
جدتي كانت دايمًا بتقولي... لما الغابة تبرد جدًا، تحت بعض مستعمرات النمل بيفضل فيه دفء.
سعاد بصت تلقائيًا ناحية بطن مريم.
وبدأت تفهم.
قالت لها
افتكرتي الكلام ده بعد ما وقعتي؟
مريم هزت راسها ببطء.
أيوه.
وساعتها بدأت تحكي اللي حصل من البداية.
اليوم اللي خرجت فيه من البيت...
مريم ما كانش قصدها تختفي.
ولا كانت ناوية تهرب.
هي بس كانت محتاجة تمشي شوية.
تبعد.
تفكر.
لأن علاقتها بأحمد بقالها شهور بتنهار بسبب الحمل.
في الأول أحمد كان بيقول
إحنا لسه مش جاهزين.
وكان دايمًا يكرر إن التوقيت غلط.
وإن كان عنده خطط تانية لحياته.
لكن مع مرور الشهور...
كلامه بقى أقسى.
بدأ يقول إن الطفل ده هيعطله.
إن الحمل بوظ خططه.
وإن المسؤوليات اللي جاية هتحرمه من الحياة اللي كان عايز يعيشها.
وفي يوم السبت...
الخلاف بينهم انفجر.
مريم قالت وهي بتحاول تمنع نفسها من العياط
قالي لو عايزة أبقى أم... لازم أتعلم أحل مشاكلي لوحدي.
صوتها بدأ يتكسر.
خرجت من البيت لأني كنت محتاجة أفكر بس.
مريم راحت ناحية طريق المشي وسط الغابة.
كانت تعرف المنطقة بشكل عام من زياراتها القديمة مع جدتها.
لكن أثناء سيرها...
دخلت بالغلط في ممر جانبي.
الممر ما كانش طريقًا مخصصًا للناس
تم نسخ الرابط