خرجت تجيب اكل

لمحة نيوز

في المنزل.
كانت محجوبة تعرف قيمة كل جنيه لأنها تحصل عليه بتعبها.
وربما لهذا السبب كان حلم تجهيز ابنتها سميحة يحتاج منها إلى صبر طويل.
فكيف تستطيع أم تعيش من أجر يومي محدود، ولديها أربعة أطفال وبيت كامل تتحمل مسؤوليته، أن توفر احتياجات ابنة تستعد للزواج؟
كان الأمر يحتاج إلى شهور وربما سنوات من التدبير.
قليل هنا.
وقليل هناك.
شراء شيء وتأجيل آخر.
توفير مبلغ صغير كلما استطاعت.
كانت تفعل ما تستطيع، مثل آلاف الأمهات البسيطات اللواتي لا تظهر أسماؤهن في الأخبار، لكنهن يحملن بيوتًا كاملة فوق أكتافهن.
ثم جاء ذلك اليوم.
خرجت محجوبة مع ابنتها.
ولم تعد.
وتحول حلم تجهيز سميحة إلى مسؤولية جديدة ألقتها الحياة فجأة على كتفي الابنة.
فالفتاة التي كانت تنتظر أن تفرح بها أمها، أصبحت أمام واقع آخر.
أمها رحلت.
وإخوتها يحتاجون إلى من يقف بجوارهم.
ووالدها يعاني من ظروفه الصحية.
وسميحة نفسها كانت قد خرجت من الحادث مصابة.
كل شيء تغير في ساعات قليلة.
في الصباح كانت ابنة تسير بجوار أمها.
وفي المساء أصبحت أمام مسؤوليات لم تكن تتوقع أن تواجهها بهذه السرعة.
ولعل هذا هو الجانب الأصعب في الحكاية.
الحوادث تقع في لحظات، لكن آثارها تستمر طويلًا.
لحظة واحدة على الطريق كانت كافية لتغيير مستقبل أسرة بأكملها.
أربعة أطفال تغيرت حياتهم.
ابنة مخطوبة تغيرت مسؤولياتها.
بيت فقد المرأة التي كانت تدبر تفاصيله اليومية.
وقرية كاملة وجدت نفسها أمام قصة إنسانية لم يكن من السهل تجاوزها.
لهذا حزن أهل القرية على محجوبة.
ولذلك انتشرت قصتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ الناس يتداولون تفاصيل حياتها، لا لأنها كانت شخصية مشهورة، بل لأنها كانت نموذجًا لامرأة بسيطة تعيش من أجل أولادها.
لم تكن تمتلك ثروة.
ولم تكن صاحبة منصب.
ولم تكن معروفة قبل الحادث.
كانت أمًا بسيطة.
وهذا وحده كان كافيًا لكي يفهم كثير من الناس قصتها.
كل من رأى أمًا تتعب من أجل أولادها استطاع أن يرى شيئًا منها في محجوبة.
كل من يعرف أسرة تحسب مصروفها يومًا بيوم فهم معنى أن تخرج امرأة للعمل من أجل 200 جنيه.
وكل أم لديها ابنة تستعد للزواج فهمت حلم محجوبة بأن ترى سميحة عروسًا أمام عينيها.
لهذا لم تكن قصة رحيلها مجرد رقم يضاف إلى ضحايا حادث.
وراء الرقم كان هناك بيت.
وفي البيت أربعة أطفال.
وكان هناك كارت كهرباء ينتظر الشحن.
وكانت هناك ابنة تنتظر تجهيزها.
وكان هناك طعام يجب شراؤه.
وكانت هناك امرأة تحاول وحدها أن تجعل كل هذه الأشياء تستمر.
ثم توقفت الرحلة فجأة.
لكن ربما أكثر صورة ستبقى في ذاكرة من عرفوا القصة هي صورة ذلك البيت في اللحظات الأولى بعد وصول أهل القرية.
الأطفال في الداخل.
الظلام يملأ المكان.
وأمهم التي كان يفترض أن تعود في المساء لم تعد موجودة.
من كان سيخبرهم؟
ومن كان سيشرح لهم لماذا تأخرت أمهم؟
ومن سيقول لهم إن الانتظار انتهى؟
أسئلة لا توجد لها إجابات سهلة.
عاد النور إلى البيت بعد تدخل العاملين في الكهرباء.
لكن حياة الأسرة نفسها أصبحت بحاجة إلى من يقف بجوارها.
فالأطفال لا يحتاجون فقط إلى مصباح مضاء.
يحتاجون إلى رعاية.
إلى طعام.
إلى تعليم.
إلى من يتابع تفاصيل حياتهم.
وسميحة، التي كانت حتى ذلك اليوم ابنة تنتظر من أمها أن تساعدها في الاستعداد لزواجها، وجدت نفسها أمام حمل أكبر بكثير.
أصبحت مطالبة بأن تكون قوية في وقت هي نفسها تحتاج فيه إلى من يساندها.
وهكذا انتهت رحلة محجوبة القصيرة في العمر، الكبيرة في المسؤولية.
37 عامًا فقط.
لكن داخل هذه السنوات كانت هناك حياة كاملة من التعب والسعي.
كانت تخرج إلى الأراضي الزراعية للعمل باليومية.
تعود بما قسمه الله لها.
تضع أولادها أمام عينيها.
وتحاول أن تدبر بيتها بالقليل المتاح.
لم يكن لديها حل سحري لمشكلاتها.
كان لديها شيء واحد فقط
أن تستيقظ في اليوم التالي وتحاول مرة أخرى.
لكن في ذلك اليوم، لم تأتِ المحاولة التالية.
رحلت محجوبة، وبقيت قصتها.
بقيت قصة الأم التي خرجت من بيتها تبحث عن لقمة العيش لأطفالها الأربعة.
بقي حلمها بأن ترى ابنتها سميحة عروسًا.
وبقي مشهد أطفالها في المنزل المظلم واحدًا من أكثر تفاصيل الحكاية تأثيرًا.
ثم عاد النور إلى البيت بلفتة إنسانية من مسؤولي وعمال الكهرباء.
لكن اسم محجوبة ظل حاضرًا بين أهل قريتها وبين كل من تداول قصتها.
امرأة بسيطة لم تكن تطلب من الدنيا الكثير.
كانت تريد فقط أن تطعم أولادها، وتدبر بيتها، وتجهز ابنتها، وتعود كل مساء وهي مطمئنة أن أبناءها بخير.
خرجت محجوبة في ذلك الصباح من أجل لقمة العيش...
ولم تعد.
وتركت خلفها أربعة أطفال، وابنة مصابة تحمل فوق قلبها حزنًا ومسؤولية أكبر من عمرها.
رحم الله محجوبة رحمة واسعة، وغفر لها، وربط على قلوب أبنائها وأهلها، ومنح سميحة القوة والصبر على ما أصبحت تحمله من مسؤولية.
أما النور الذي عاد إلى البيت بعد ذلك، فسيظل تفصيلًا صغيرًا لكنه مؤثر في قصة كبيرة؛ قصة امرأة عاشت تسعى من أجل أسرتها حتى آخر يوم في حياتها.

تم نسخ الرابط