خرجت تجيب اكل
المحتويات
ستكون تلك واحدة من آخر المرات التي تغادر فيها بيتها.
ولم تكن تعرف أن كارت الكهرباء الذي فكرت في شحنه سيبقى كما هو، وأن أطفالها سيجلسون داخل المنزل ينتظرون أمًا لن تدخل عليهم مرة أخرى.
وحين دخل أهل القرية ورأوا الأطفال جالسين في الظلام، أصبح المشهد أكثر قسوة.
فهؤلاء الصغار لم يفقدوا النور الموجود في سقف البيت فقط.
كانوا على وشك معرفة أنهم فقدوا النور الذي كان يحمل البيت كله على كتفيه.
أمهم.
محجوبة لم تكن مجرد أم تعيش مع أطفالها.
كانت بالنسبة إلى هذا البيت مصدر الأمان والمسؤولية والرزق.
كانت المرأة التي تخرج للعمل وتعود بما تستطيع الحصول عليه، ثم تحاول أن توزع القليل على احتياجات كثيرة.
كانت تحاول أن تقوم بدور أكبر من قدرتها، خصوصًا مع الظروف الصعبة التي تعيشها الأسرة ومع معاناة زوجها من إعاقة ذهنية.
لم يكن أمامها رفاهية أن تقول إنها تعبت.
ولم يكن بإمكانها أن تقرر أن تأخذ يومًا طويلًا للراحة بينما البيت يحتاج إلى المال.
كان عليها أن تستيقظ وتخرج وتسعى.
يومًا وراء يوم.
وفي كل مرة تعود، يبدأ حساب جديد
ماذا سنشتري اليوم؟
وما الذي يمكن تأجيله إلى الغد؟
وأي فاتورة يجب دفعها أولًا؟
وكم يمكن توفيره من أجل تجهيز سميحة؟
كانت ابنتها المخطوبة تمثل حلمًا آخر تعيش من أجله.
فوسط كل التعب، كانت محجوبة تتمنى أن ترى ابنتها عروسًا.
كانت تريد أن تساعدها في تجهيز احتياجاتها بما تستطيع.
لم تكن تحلم بأشياء كبيرة أو حياة مختلفة.
كان حلمها بسيطًا جدًا
أن ترى ابنتها سعيدة ومستقرة.
لكن حتى هذا الحلم لم يمنحها الوقت الكافي لتحقيقه.
وفي ذلك اليوم، كانت سميحة نفسها مع أمها في الميكروباص.
خرجتا معًا بحثًا عن الرزق.
الأم تريد أن تعمل.
والابنة ترافقها.
ثم حدث ما غيّر كل شيء.
وقع الحادث في كفر داوود، ورحلت محجوبة، بينما نُقلت سميحة إلى المستشفى وهي تعاني من جروح وإصابات.
وفي الوقت الذي كانت فيه الابنة داخل المستشفى، كان إخوتها في المنزل.
كانوا ينتظرون.
وكان البيت مظلمًا.
ثم وصل أهل القرية.
وهنا ظهرت المفارقة التي جعلت القصة تنتشر بين الناس بصورة كبيرة.
محجوبة خرجت من بيتها لتعود إليه بالرزق، لكنها لم تعد.
خرجت تبحث عن نحو 200 جنيه تساعد بها أولادها على مواجهة احتياجات يوم جديد.
خرجت وهي تفكر في الطعام والكهرباء والبيت وتجهيز ابنتها.
لكن اليوم انتهى بطريقة لم يتوقعها أحد.
المرأة التي خرجت على قدميها من أجل لقمة العيش، عادت إلى أهلها في الكفن.
أما أولادها الأربعة، فبقوا خلفها بلا أم.
وفي تلك الليلة، لم يكن في بيتهم حتى نور كهرباء يخفف عنهم وحشة المكان.
قد تبدو الكهرباء تفصيلًا صغيرًا وسط مصيبة فقدان الأم، لكن المشهد حمل دلالة إنسانية كبيرة.
لأن انقطاع الكهرباء كشف حجم الظروف التي كانت محجوبة تحاول مواجهتها وحدها.
لم يكن البيت يعيش في رفاهية.
ولم تكن الأم تعمل من أجل زيادة دخل أو تحسين مستوى حياة مرتفع.
كانت تعمل من أجل الأساسيات.
من أجل الطعام.
من أجل البيت.
ومن أجل أن يستمر أولادها.
وحتى شحن كارت الكهرباء كان بندًا يحتاج منها إلى التفكير والتدبير.
ولهذا، عندما عرف الناس أن الأطفال كانوا جالسين داخل المنزل في الظلام بعد رحيل أمهم، انتشرت تفاصيل القصة بسرعة.
لم يعد الأمر مجرد خبر عن ضحية في حادث طريق.
أصبح الناس يتحدثون عن حياة كاملة كانت وراء هذا الخبر.
عن أم في السابعة والثلاثين من عمرها تحمل مسؤولية أسرة.
عن امرأة تخرج للعمل باليومية في الأراضي الزراعية.
عن أم لأربعة أطفال.
عن ابنة مخطوبة كانت الأم تتمنى أن تكمل تجهيزها.
وعن بيت بسيط انطفأ فيه النور في اليوم نفسه الذي فقد فيه أهم شخص كان يحاول إبقاءه قائمًا.
وصلت تفاصيل المشهد إلى مسؤولي شركة جنوب الدلتا لتوزيع الكهرباء.
وعندما علم المسؤولون بما حدث وبأن الكهرباء مقطوعة عن بيت الأسرة، صدرت توجيهات بالتحرك والتحقق من الواقعة والعمل على إعادة التيار الكهربائي إلى المنزل.
لم يكن الهدف مجرد تنفيذ إجراء اعتيادي.
فالموقف كان إنسانيًا قبل أي شيء آخر.
أسرة فقدت الأم.
أربعة أطفال وجدوا أنفسهم فجأة أمام واقع مختلف تمامًا.
وابنتهم الكبرى سميحة كانت هي الأخرى مصابة بعد الحادث.
كان آخر ما يحتاج إليه هؤلاء الأطفال أن يقضوا ليلتهم في بيت مظلم.
ولهذا تحرك المسؤولون للتعامل مع الأمر.
وبحسب ما ورد في تفاصيل القصة، رفضوا أن يتحمل أحد قيمة الشحن، وقرروا أن تتم إعادة الكهرباء إلى منزل الأسرة على نفقتهم الشخصية.
وبالفعل، تحرك فني من قطاع كهرباء المنوفية.
أُخذ الكارت.
وتم التعامل مع الأمر.
ثم جاءت اللحظة التي عاد فيها النور إلى المنزل.
ضغط أحدهم مفتاح الكهرباء...
وأضاء البيت من جديد.
قد تكون بالنسبة إلى أي منزل آخر لحظة عادية جدًا.
مصباح يضيء.
غرفة تصبح واضحة.
أطفال يستطيعون رؤية ما حولهم.
لكن داخل بيت محجوبة، لم تكن تلك اللحظة عادية.
عاد نور الكهرباء...
لكن صاحبة البيت لم تعد.
أضاءت المصابيح من جديد، بينما بقي المكان يفتقد المرأة التي كانت تستيقظ كل صباح لتدبر احتياجاته.
كانت لفتة إنسانية طيبة من العاملين والمسؤولين، خففت جزءًا صغيرًا جدًا من قسوة الموقف، لكنها بالطبع لم تستطع أن تعوض الأسرة عن خسارتها الكبرى.
فالفاتورة يمكن دفعها.
وكارت الكهرباء يمكن شحنه.
والنور يمكن أن يعود بضغطة مفتاح.
لكن الأم التي رحلت لا يمكن تعويض مكانها بسهولة.
وهذا بالتحديد ما جعل حكاية محجوبة تمس قلوب كثير من الناس.
خلف كل تفصيل فيها قصة كفاح.
حتى مبلغ ال جنيه الذي كانت تسعى إليه في يومها الأخير لم يعد مجرد رقم.
كان يمثل يومًا كاملًا من العمل.
يمثل ساعات من التعب في الأراضي الزراعية.
ويمثل احتياجات أربعة أطفال تنتظرها
متابعة القراءة