بعد طلاقى

لمحة نيوز


اشتغلت كتير عشان أنسى، لكن النسيان مش جاي. كل يوم يمر أتأكد إني خسرت حاجة غالية.
صدمتني الكلام ده. ما كنتش أعرف إنهم انفصلوا. كنت فاكره عايش حياته بسعادة و أنا اللي كنت دافعة الثمن لوحدي.
ليه ما قلتليش؟ سألته بصوت خافت.
لأنني كنت خايف. خايف ألقاكِ و تقوليلي إنك تكرهيني. خايف الولد ما يقبلني. و خايف أكون فعلاً اللي أذيته كل السنين دي. و اليوم، لما شفته قدامي بالصدفة، حسّيت كأن صاعقة ضربتني. ما احتجتش لفحص ولا لورقة، عينيه كانت بتقول لي كل حاجة. ده ابني. أعرفه من نفسي.
يوسف كان لسه ماسك يدي، و بص لعمر و قال
أنت شبهي كتير. ماما بتقول إن اللي بشبهه يكون من دمّه.
عمر ابتسم بدموع، و مدّ إيده ببطء كأنه خايف يخيفه، و مسك كف يوسف الصغير بين كفوفه الكبيرة.
أيوه يا حبيبي أنا أبوك. و آسف، آسف جدًا إني كنت بعيد عنك كل ده.
يوسف بص لي، و أنا هزيت راسي ببطء، فقال يوسف بابتسامة صغيرة
ممكن تيجي معانا نأكل أيس كريم بعد المدرسة؟
ضحك عمر من بين دموعه و قال
أكيد. أجي و أجيبلك أحلى أيس كريم في الدنيا.

الجزء الرابع البداية اللي جت بعد الوجع
مرّت شهور كتير من اليوم ده. لم يكن شيء سهل أبدًا، و لم أكن أسامحه بسهولة، لكنني كنت عايزة مصلحة يوسف فوق كل شيء. بدأ عمر يأتي كل جمعة، يجلس معانا، يخرج يوسف، و يتعرف عليه خطوة بخطوة. كان يبذل مجهود خرافي، و كان كل مرة يعتذر لي، و يوضح لي كيف كان غبي و عنيد.
في يوم من الأيام، كنا جالسين في البيت بعد ما يوسف نام، و قال لي عمر بصوت جاد
سارة أنا عايزكِ تعرفي إن ما جيتش عشان أكون مجرد زائر لابني. أنا عايز أكون أب، و عايز أكون في حياتكم بجد. أنا فاهم إنك ما تثقين فيّ دلوقتي، و أنا مستعد أصبر طول ما هو محتاج. عملت كل اللي عليّ، و سجلت يوسف في دفتر العائلة، و عملت له كل الأوراق الرسمية، و حطيت اسمه اسمي. مش عايز يكون ليه أي نقصان. و اللي عايزاه منكِ بس فرصة. فرصة أثبتلكِ و له إنني تغيرت. إن الست سنين دي علمتني الدرس الأقوى في حياتي.
قلت له و أنا ببص له
الثقة مش بتعوض بسهولة يا عمر. أنا خفت منك كتير، و خفت على نفسي و على يوسف. بس اللي شفته منك دلوقتي بيخلي قلبي يلين شوي. مش عايزة نعجل بأي حاجة. خلينا نمشي خطوة بخطوة. و إن شاء الله اللي فيه الخير يصير.
ابتسم و قال
أنا راضٍ بأي حاجة تريديها. المهم إنني رجعت لكم. و اللي بقي من عمري هصرفه عليكم، عشان أعوّض كل اللي راح.
و فعلاً بدأت الحياة تتغير للأحسن شيء فشيء. كان عمر أب حنون، يلعب مع يوسف، يساعده في دراسته، و يأخذه في رحلات. و كنت أشوف يوسف يفرح و يضحك، و ده كان أحلى شيء في الدنيا بالنسبة لي. الحزن اللي كان جوايا سنين بدأ يختفي، و بدأ الأمل يدخل مكانه.
و في يوم جمعة، و إحنا الثلاثة قاعدين على البحر، قال لي عمر بعد تردد طويل
سارة أنا بحبك. حبيتك من أول يوم شفتك، و ما حبيتش حد غيرك. و كل اللي عملته كان نتيجة خوف و غباء. و لو تسمحي لي، عايز نرجع لبعض. نعيش مع بعض كعائلة. مش عشان يوسف، لكن عشان أنا مش قادر أعيش من غيركِ. و عايز أكمل حياتي معاكِ.
بصّت له طويلًا، و شفت في عينيه الصدق و الندم و الحب اللي كان مخفي ورا الخوف. قلت له بابتسامة دافئة
أنا كمان ما نسيتك أبدًا. و الحب اللي كان في قلبي ما مات، بس غطّاه الوجع و الخوف. و أنا مستعدة أعطيك فرصة تانية. عشان يوسف، و عشانا إحنا كمان. بس وعدني إن الخوف والشك ما يرجعوش بيننا تاني.
مسك يدي بين يديه و قبّلها و قال
أوعدكِ. عمري ما هخليكِ تشعري بالوحدة أو الشك تاني. مهما حصل، هنكون مع بعض.
و مرّت السنين، و كبر يوسف و صار شاب، و كان دايماً يقول لنا
أنا أسعد ولد في الدنيا لأن عندي بابا و ماما بيحبوا بعض كتير.
و الحكاية علمتنا درسين كبيرين إن الحب ممكن يصمد حتى في أصعب الظروف، و إن الصبر و الصدق هما مفتاح كل باب مغلق. و الأهم من كل شيءإن الحقيقة مهما طال الزمن بتظهر، و إن ربنا بيجبر بخاطر اللي صبر و احتسب.
عمر لم يكن مثاليًا، و أنا كمان أخطأت في حاجات كتير، لكننا تعلمنا معًا إن العائلة هي أغلى ما يملكه الإنسان، و إن الغلطة مش نهاية الطريق طالما في نية صالحة و رغبة في التصحيح. و عِشنا معًا في سلام و سعادة، و دفنا الماضي ورانا، و بدأنا صفحة جديدة بيضاء، مليئة بالحب و الأمل و التفاهم.

 

تم نسخ الرابط