رواية كامله
ذكرى حلوة قديمة بتتلوث بحديث الليلة. لما قرب الفجر، قمت ولعت البوتاجاز، عملت بان كيك وبيض وبطاطس، وحطيت قهوة طازجة، وطلعت الأطباق الفخمة اللي ما بستخدمهاش إلا في المناسبات النادرة، وفرشت مفرش السفرة المطرز اللي أمي كانت سايباهولي قبل ما ټموت. ما كانش فطار عادي كان جنازة. جنازة الأم اللي كانت بتسامح وبتبرر كل حاجة مهما كانت قاسېة.
الفصل الثاني اللقاء اللي فتح أبواب الحقيقة
قبل الساعة ستة ونص بشوية، سمعت خبط هادئ على الباب. فتحت لقيت أحمد واقف، شعره كثر فيه الشيب، لابس جاكت داكن، وفي إيده ملف ورق بني كبير. ما سألنيش أسئلة زيادة ولا قال إزاي حصل كده، مجرد بص لخدي المتورم، بص لإيدي اللي بتترعش، وبص للسفرة المعدة بكل أناقة، وفهم كل حاجة من غير ما أتكلم.
قال بصوت منخفض هو فوق نايم؟
هزيت راسي أيوه.
شد فكه پغضب مكبوت وسأل بقاله قد إيه بيعمل كده؟
ما قدرتش أرد بسرعة، وسكوتي كان الإجابة الأقسى والأوضح.
قال أنا عارف إننا أخطأنا كتير، وإننا السبب في وصوله للحالة دي.
قاطعته بثبات أنا مش عايزة نرجع للماضي ونحمل نفسنا اللوم، اللي حصل حصل، والنهارده لازم نوقف اللي بيحصل قبل ما يفوت الأوان.
حط الملف البني على الكرسي قدامه وقال عايزك تجاوبيني بسؤال واحد، ومش عايزك تردي كأم جاوبي كإنسانة اټأذت.
بصيتله وقلت اسأل.
قال هو لازم يمشي من البيت النهارده؟
السؤال وجعني كأنه سکينة بتغرس في قلبي، افتكرت الولد الصغير اللي كان بيحضني، افتكرت ركبته المتعورة من اللعب، افتكرت المراهق اللي كان پيصرخ إن الدنيا ظالماه، وافتكرت الراجل اللي رفع إيده عليا امبارح وطلع كأن ما عملش حاجة. الكلمة خرجت مني مکسورة ومټألمة لكنها كانت صادقة أيوه.
هو وطى راسه
واخد نفس طويل كأنه هو كمان پيدفن جزء من ماضيه، وقال يبقى لازم تكوني مستعدة لما ينزل، هيهينك، هيلومك، هيقولك إنك بتبيعيه وتتخلي عنه.
قلت وأنا بعرف الحقيقة جيدًا أنا عارفة، هو أصلًا بيلومني على كل حاجة من سنين.
فتح الملف، لقيت جواه كل الأوراق والمستندات، ورقم محامٍ متخصص، وبلاغ رسمي مجهز ومكتمل البيانات، بس ناقص توقيعي. بصيت للمكان الفاضي المخصص لاسمي، وكنت حاسة إن الكلام ده بيقسم نصين نص لأم ما تزال تحب ابنها پجنون، ونص لست لازم تحمي نفسها وكرامتها وكيانها قبل أي حاجة.
همست بصوت مسموع لنفسي أنا مش عايزة أضيعه.
بصلي أحمد بعين مليانة حزن وقال جملة ما هنساها طول عمري إنك تسيبيه يكمل في الطريق ده وتتسامحي معاه في كل خطأ مش معناه إنك بتنقذيه، ده معناه إنك بتساعديه يضيع أكتر وأكتر لحد ما ما يلحقش نفسه.
الجملة دي وجعتني أكتر من الضړبة نفسها، لأنها كانت الحقيقة المرة اللي كنت بتجنبها وأهرب منها وراء كلمة أمومة وصبر.
الفصل الثالث النزول اللي كشف الأقنعة
الساعة سبعة وسبعة عشر دقيقة صباحًا، سمعنا صوت خطوات تقيلة وبطيئة على السلم، خطوات واحد واثق إن كل الناس لازم تخاف منه وتنفذ أوامره. نزل، شعره منكوش، لابس نفس الملابس اللي كان لابسها امبارح، وعلى وشه ابتسامة استهتار وثقة زيادة. أول ما شم ريحة الأكل وشاف السفرة مرتبة والأطباق الفخمة، بصلي وقال بلهجة ساخرة أخيرًا اتعلمتي الأدب والطريقة الصح.
ما رديتش ولا كلمة، وبقيت واقفة مكاني، وعيني متثبتة عليه. قرب من السفرة كأن شيء لم يكن، وكأن خدي ما زال بيوجعني، وكأن إيده ما تعدتش على حدود كرامتي وحياتي كلها. وفجأة رفع عينه لبداية السفرة، وهنا شاف أبوه قاعد هناك، وشاف الملف البني قدامه، وبعدين شاف الست الغريبة الواقفة جنب الشباك، لابسة بدلة رسمية داكنة وعلى صدرها شارة الشرطة.
ابتسامته اختفت فجأة، واتبدلت بدهشة وقلق، وقال متسائلًا إيه ده؟ إيه اللي جابها هنا؟
أبوه ما رفعش صوته، بس نبرته كانت حاسمة ومخيفة اقعد.
هو بص للشرطية، وبعدين بصلي وقال بصوت عالي ومليان اتهام إنتِ عملتي إيه يا ماما؟ إنتِ جبتلي شرطة ليه؟ عشان ضربتك كفاية واحدة؟
ولأول مرة من سنين طويلة، ما نزلتش عيني في الأرض، وما حاولتش أبرر ولا أهرب، حطيت إيدي على الملف قدامي، وحسيت بكل التعب والألم والصبر اللي دفعتله سنين، وقلت له بصوت واضح ومسموع عملت اللي كان لازم أعمله من أول يوم خليتني أخاف منك في بيتي، من أول يوم نسيت إنك ابني وإنك لازم تحترمني، من أول يوم فكرت إن القوة في إيدك تقدر تفرض كل اللي عايزه.
الفصل الرابع المواجهة والحق اللي طلع للنور
حاول ېصرخ ويقول كلام كتير، يتهمني بالخېانة، يقول إنني بكرهه، إنني عايزة أدمّر مستقبله، إن أبوه هو اللي دفعني للكلام ده، وإن كل ده كڈب وافتراء. لكن الشرطية وقفت وطلبت منه الهدوء، وأبوه بدأ يتكلم بكل هدوء وحسم، ويسرد كل ما كان بيحصل من ورايا، وكل ما كان يفعله وكنت بتسامح وأكتم وأخبي عشان مصلحته ومصلحة البيت.
لما لقى إن مفيش فايدة في الإنكار، بدأ يغير أسلوبه، جالي يقولي بصوت منخفض ماما أرجوكِ، ما تعملش فيا كده، أنا آسف، ما كنتش قصدي، كانت لحظة ڠضب وعدت.
قلت له وأنا بعرف إن الندم ده مش من القلب آسف؟ وأنا اللي عشت سنين أخاف منك، وأنا اللي كنت بروح الشغل وأنا قلبي مكسور، وأنا اللي كنت برجع
البيت ومش عارفة ألاقي كلمة طيبة،