رواية كامله

لمحة نيوز

الليلة اللي كسرت الصمت والفطار اللي كان نهاية عهد
الفصل الأول الليلة اللي غيرت كل الموازين
الليلة اللي فاتت، ابني ضړبني وأنا ما عيطتش.
دي كانت الجملة اللي فضلت ترن في دماغي من الساعة الحادية عشرة ونص بالليل، لحد ما طلع النهار وما غمضتش عيني دقيقة واحدة. أنا ست عندي تسعة وأربعين سنة، بشتغل أمينة مكتبة في مدرسة، وطول عمري كنت فاكرة إن الأمومة معناها الصبر والتحمل والتسامح مهما كان الثمن غالي. استحملت كل حاجة صوته العالي، خبط الأبواب، كدبه المتكرر، رجوعه في وسط الليل، فشله في كل شغلانة ياخدها، وكل وعوده اللي كانت تنتهي بعبارة بكرة هتغير. وكل ما كنت أحاول أوجهه، كان بيرد عليا ببرود إنتِ مكبرة الموضوع أو إنتِ دايمًا بتحاولي تطلعيني أنا الۏحش.
ابني عنده ثلاثة وعشرين سنة، جسمه ممتلئ وقوي، وعصبيته ما عادتش مجرد مرحلة مراهقة أو أزمة عابرة بقت جزء من شخصيته، عادة ما يفكر مرتين قبل ما يخرجها. وهو صغير كان حنين وطيب ومشاغب، كان يجيلي بحجر صغير من الشارع ويحطه على ترابيزة المطبخ ويقولي بصي يا ماما، دي جوهرة بس لكي. وكان بيحضن عربية لعبة حمرا تحت المخدة وينام عليها، وبيقولي وهو ماسك في رجلي لما أكبر مش هخلي حد يعيطك أبدًا.
وبعد ما سابنا أبوه وسافر لمدينة تانية، كل حاجة اتغيرت. بدأ الڠضب يملأ قلبه، وبدأت أنا أبرر له كل خطوة خطاها لما ساب الكلية قلت أكيد محتار ومش عارف طريقه، لما اتطرد من أول شغلانة قلت هما اللي ما قدروش إمكانياته، لما خسر التانية قلت عنده ضغط نفسي محتاج يتخطاه، لما بدأ يطلب فلوس كل يوم قلت هو بس محتاج يغير جو ويشوف الدنيا، ولما تحول الطلب لأمر واجب التنفيذ قلت دي فترة وتمر ويرجع زي ما كان.
الأمهات شاطرين جدًا في إنهم يدوا أسماء حلوة لكل الحاجات اللي بتدمرهم شوية شوية، لحد ما يلقوا نفسهم وسط الركام ومش عارفين كيف وصلوا لهنا.
امبارح رجعت من الشغل متأخرة، رجلي منفخة، ظهري بيوجعني، وفي إيدي كيس صغير فيه عيش وبيض وعلبة قهوة رخيصة ما قدرتش أشتري غيرها. حطيت الحاجات على الرخامة، وفجأة هو دخل المطبخ من غير ما يقول مساء الخير ولا يسألني أكلت ولا لأ، ومد إيده وقال بلهجة الأمر أنا محتاج فلوس.
بصيتله وقلت بصوت هادي معيش.
رد عليا ببرود وثقة أنا ما سألتكيش معاكي ولا لأ، أنا بقولك محتاج فلوس.
إيدي كانت بتترعش، بس المرة دي ما مدتش إيدي أجيب من الشنطة ولا حاولت أعتذر أو أبرر. قلتله بكل ما أملك من قوة خلاص يا ابني كفاية. مش هديك فلوس تاني عشان تشرب أو تخرج أو تكذب عليا. لو عايز فلوس، اشتغل.
ابتسم ابتسامة بطيئة مفيهاش أي هزار أو رحمة، وقال وإنتِ فاكرة نفسك مين بقى؟
قلتله وأنا بثبت عيني في عينيه أنا اللي بدفع تمن البيت ده، وأنا اللي بصرف عليك من سنين، وأنا اللي لازم أتكلم.
هنا وشه اتغير، واتبدل لون الڠضب بجمود غريب، وفكه اتشد، وقرب مني خطوة واحدة كبيرة، وقال بصوت مهدد ماتكلمينيش بالطريقة دي.
رديت بكل ثبات أنا بكلمك بالطريقة اللي كان لازم أكلمك بيها من زمان.
ضحك ضحكة قصيرة باردة، وقال اتعلمي مقامك.
ما شفتش إيده وهي جاية، كل اللي حسيت بيه هو الصدمة والحړقة في خدي، وراسي اتلف ناحية واحدة، واتعلقت بطرف الرخامة عشان ما أقعش على الأرض. المطبخ كان لسه بيصدر صوت التلاجة المعتاد، وساعة الحيطة
كانت بتدق بصوت عالي غريب، وريحة القهوة والعيش كانت لسه ملياه بس أنا ما حسيتش غير بالإهانة والۏجع اللي اتعدى الجسم ووصل للروح.
بصلي ثواني، استنيت إنه يرتجف، ېخاف، يعتذر، يعيط، يفهم هو عمل إيه بس ما حصلش أي حاجة. مجرد هز كتفه وقال عشان تفهمي بس، وطلع أوضته وخبط الباب وراه بقوة هزت البيت كله.
فضلت واقفة لوحدي في المطبخ، خدي بيوجعني، لكن اللي كان أشد ألمًا هو الحقيقة اللي استقرت جوايا وأنا مش قادرة أنكرها أنا بقيت مش آمنة في بيتي وفي المكان اللي المفروض يكون ملجأي وأماني. والغريب إنني ما عيطتش ودي كانت أكتر حاجة خوفتني، مش عشان الضړبة ما وجعتنيش، لكن عشان الجزء اللي جوايا اللي كان بيستعطفه ويتمنى رجوع الولد الصغير، ماټ أخيرًا في تلك اللحظة.
الساعة كانت واحدة وعشرين دقيقة بعد نص الليل، مسكت الموبايل وفتحت قائمة الأسماء، وقفت طويلًا على اسم أحمد أبوه. كرامتي قالت لي لا، خۏفي من الڤضيحة قال لي لا، والأم اللي لسه عايزة تحمي ابنها قالت لي لا لكن الست اللي ابنها ضربها في بيتها هي اللي ضغطت على زر الاتصال.
رد بصوت ناعس ومستغرب إنتِ؟
سكت ثانيتين، وبعدين قلت الجملة اللي عمري ما تخيلت إنني هقولها في حياتي ابنك ضړبني.
سكت هو كمان، وسكته كانت تقيلة كأن كل الأخطاء اللي ارتكبناها كأهل وقعت فجأة بينا، وبعدين قال بصوت حازم ومليان ڠضب أنا جاي حالًا.
قلت بسرعة استنى مش عايزة مشاكل.
قاطعني بصرامة ماتطلبيش مني أبعد عن الموضوع. المرة دي لأ، وقفل الخط من غير ما يسمع أي تبرير أو طلب آخر.
طول الليل ما نمتش، كنت قاعدة في الصالة وبصورة الضړبة ماثلة قدامي، وكلامه بيرن في وداني، وكل
 

تم نسخ الرابط