مع سقوط آخر حفنة تراب فوق قبر زوجي

لمحة نيوز


خالد وهيثم إلى ملفات.
تزوير.
احتيال.
محاولة استيلاء على ممتلكات.
عنف مالي.
إعطاء مواد دون علم.
ومحاولة التحكم في أهليتي وقراراتي.
تعلمت كلمات لا تتمنى أي أم أن تتعلمها بسبب أبنائها.
قُرئت الوصية الحقيقية في مكتب قانوني بالرياض، بحضور محامين، ومستندات، وأبنائي جالسين أمامي كرجلين ما زالا يظنان أن الحقيقة قابلة للتفاوض.
قرأ سعود
كل تصرف يهدف إلى الضغط على زوجتي أم خالد، أو تقييد إرادتها، أو إعطائها مواد دون علمها، أو إدارة أموالها رغمًا عنها، أو تقديم تقارير طبية غير صحيحة بشأنها، يُعد سببًا لإلغاء أي منفعة إضافية ممنوحة للطرف المتسبب في ذلك.
شد خالد فكه.
وبدأ هيثم يبكي.
يمّه، أرجوك.
رفعت عيني إليه.
للمرة الأولى منذ ولادته، لم أجد ما أقوله لابني.
فأدرت وجهي عنه.
وأكمل سعود القراءة
وتُخصص نسبة من المال لإنشاء مؤسسة يوسف الخيرية، لدعم علاج الأطفال المصابين بأمراض القلب في المناطق المحتاجة داخل المملكة.
أغمضت عيني.
يوسف لم تصل إليه مساعدتنا في الوقت المناسب.
ربما تصل إلى أطفال آخرين.
أغمضت عيني.
يوسف لم تصل إليه مساعدتنا في الوقت المناسب.
ربما تصل إلى أطفال آخرين.
وحين انتهت القراءة، وقف خالد.
أخذتم منا كل شيء.
أجابه حسام، وهو جالس بجانبي
لا. أنتم أفرغتم أنفسكم بأيديكم.
خالد لم يطلب مني السماح أبدًا.
أرسل محامين.
وأرسل تهديدات.


وأرسل رسائل يدّعي فيها أن حسام يسيطر عليّ ويمنعني من اتخاذ قراراتي.
كنت أضع كل شيء في ملف دون أن أقرأ أكثر من سطرين.
أما هيثم، فقد عاد.
بعد أشهر.
ظهر في حديقة البيت أنحف من قبل، بلحية مهملة، وباقة ورد اشتراها بدافع الندم.
استقبلته في الخارج.
ليس في الصالة.
ولا عند باب المكتب.
بل في المكان نفسه الذي وقف فيه يوم حاول إقناعي أنني لم أعد قادرة على إدارة حياتي.
قال بصوت مكسور
يمّه... خالد ضغط عليّ.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
كنت رجلًا بالغًا قبل أن يتعلم أخوك الكذب بإتقان.
أخفض رأسه.
سامحيني.
نظرت إليه كما تنظر الأم إلى ابن ما زالت تحبه، لكنها لم تعد قادرة على إنقاذه من نتائج اختياراته.
السماح لا يعيد المفاتيح التي سرقتها الثقة.
بكى.
أعرف.
إذن ابدأ بأن تعرف ذلك بصدق.
ولم أطرده.
أحيانًا لا تعرف الأم هل هذا رحمة... أم تعب.
أما أنا وحسام...
فلم نعد كما كنا.
وكيف نعود؟
هو أنقذني من أبنائي.
لكنه أخفى عني ابني الأول.
وتركني أربعين عامًا أصدق أنه مات.
ثم جعلني أبكيه مرتين.
مرة رضيعًا.
ومرة رجلًا لم أعرفه إلا بعد فوات الأوان.
نمنا في غرفتين منفصلتين لشهور.
ولم يكن الصمت بيننا أقل قسوة من أي شجار.
بيت شمال الرياض، بجدرانه العالية وأشجاره المرتبة، لم يعد يبدو فخمًا.
صار يحمل رائحة قهوة مشبوهة.
وأسرارًا.
وأدراجًا فُتحت بأيدٍ طامعة.

غيّرت الأقفال.
ورميت الفنجان الذي كان قرب العبوة.
لكنني احتفظت بالمكتب الخشبي.
كل صباح كنت أضغط على زاوية المخبأ السري، رغم أنه صار فارغًا.
لا لأبحث عن شيء.
بل لأتذكر أن الحقيقة لا يجب أن تُدفن مرة أخرى.
وفي إحدى الليالي وجدت حسام جالسًا وحده في الحديقة.
كان يحدق في الظلام.
كأنه يحاكم نفسه.
قال دون أن ينظر إليّ
لا أستحق أن تبقي.
جلست على المقعد المقابل.
وليس بجانبه.
ثم قلت لم أبقَ لأنك تستحق.. بقيت لأن ثلاثة وأربعين عامًا لا أستطيع دفنها كما دفنت كل شيء آخر.
لكن لا تظن أن بقائي يعني أنني سامحت.
رفع رأسه نحوي.
وكانت عيناه ممتلئتين بشيء يشبه الهزيمة.
يوسف كان يشبهك.
أجبت
أعرف.
كان يجب أن آخذك إليه.
نعم.
وكان يجب أن أخبرك بالحقيقة منذ البداية.
نعم.
سكت طويلًا.
ثم قال
هل ستسامحينني يومًا؟
نظرت إلى أضواء البيت الباردة خلف الأشجار.
وتذكرت قبرين.
قبرًا ظننته له.
وقبرًا اكتشفت متأخرة أنه لابني.
ثم قلت
ربما في اليوم الذي أتوقف فيه عن الاستيقاظ وأنا أدفنك مرتين.
لم يقل شيئًا وقد أحسن.
افتتحت مؤسسة يوسف أول عيادة متنقلة لها بعد عامين.
ذهبنا إلى قرى بعيدة، حيث كانت الأمهات ينتظرن طويلًا وهن يحملن أطفالهن.
رأيت طبيب قلب يفحص طفلًا صغيرًا بينما كانت أمه تتمتم بالدعاء.
أمسكت يدها.
وقلت
نحن هنا.
وللمرة الأولى منذ وفاة
يوسف، شعرت أن شيئًا منه لم يمت بالكامل.

مات حسام فعلًا بعد خمس سنوات.
هذه المرة لم تكن هناك خطة.
ولا كفن.
ولا رسائل من أرقام مجهولة.
ولا أبناء يتظاهرون بالبكاء.
كان الموت بسيطًا وصادقًا على غير عادته.
ودعته بحزن نظيف.
ليس كاملًا.
لكنه نظيف.
وضعت وردة فوق قبره وقلت
هذه المرة أعرف أين أنت.
ثم ذهبت إلى قبر يوسف.
ووضعت وردة أخرى.
كنت أمًا لابن سُرق مني.
وزوجة لرجل أنقذني وجرحني في الوقت نفسه.
وناجية من ابنين حيّين تعلما متأخرًا أن الأم ليست توقيعًا مرتجفًا على ورقة.
اليوم أبلغ الثمانين.
وما زلت أعيش في بيتي.
وفي المكتب ما زال المكتب الخشبي في مكانه.
أما المخبأ السري...
فلم أعد أضع فيه وصايا.
أضع رسائل.
رسالة يوسف.
ورسالة من حسام يطلب فيها السماح.
ورسالة مني كتبتها لليوم الذي أغيب فيه.
تبدأ هكذا
إلى من يحاول أن يقرر عني حين لا أستطيع الكلام...
أم خالد لم تكن أرملة مرتبكة.
ولا أمًا سهلة المحو.
ولا امرأة مسنة تنتظر الإذن كي تعيش.
أحيانًا يهتز هاتفي في المساء.
فيمر البرد في جسدي.
وأعود بذاكرتي إلى تلك الجنازة.
الإمام يدعو.
وخالد وهيثم قرب القبر.
والرسالة التي غيرت كل شيء
أنا حي. لا تثقي بهما.
ظننتها مزحة قاسية.
لكنها كانت بابًا فُتح بعد أربعين عامًا من الأكاذيب.
اكتشفت أن زوجي لم يكن في ذلك القبر.
واكتشفت أن ابني
الضائع كان موجودًا.

واكتشفت أن أبنائي الأحياء قادرون على التصرف كغرباء.
واكتشفت شيئًا آخر.
أن المرأة قد تبكي أمام قبر مغلق بالحقيقة...
ومع ذلك تملك القوة لتفتح حياتها من جديد.
ترك لي حسام تحذيرًا.
وترك لي يوسف رسالة.
وترك لي خالد وهيثم ندبة.
لكنني تركت لنفسي شيئًا أهم.
قرارًا واحدًا.
ألا أسمح لأحد أن يسمي سجني رعاية.
لذلك حين يسألني أحد كيف
نجوت من تلك الجنازة...
أجيب دائمًا بالشيء نفسه
لم أنجُ لأن حسام كان حيًا.
نجوت لأنني، في تلك الليلة...
استيقظت أنا أيضًا.

 

تم نسخ الرابط