مع سقوط آخر حفنة تراب فوق قبر زوجي
فهمت أننا سُرقنا جميعًا. لم أرد أن أوجعك، لكنني كنت أحتاج أن تعرفي أنني عشت. أنني خفت. أنني تخيلت صوتك طوال عمري رغم أنني لم أتذكره. إذا قرأتِ هذه الرسالة يومًا، لا تظني أنني مت بلا أم. لقد تخيلتك أمي طوال حياتي.
انهرت فوق السرير.
بكيت على الرضيع الذي لم أحمله.
وعلى الطفل الذي لم أره يمشي.
وعلى الرجل الذي مات وهو يناديني أمي في رسالة.
بقي حسام عند الباب.
وقد أحسن.
لو اقترب، لكرهته.
ولو ذهب، لكرهته أيضًا.
وحين استطعت التنفس، سألت
كيف انتهى داخل النعش؟
جلس حسام أمامي.
وأجاب بصوت مبحوح
يوسف مات هنا قبل ثلاثة أيام. الطبيبة التي كانت تتابع حالته كتبت شهادة الوفاة باسمه الحقيقي.
صمت لحظة.
ثم أكمل
لكن خالد وهيثم لم يكونا يعرفان أنه موجود أصلًا. ولم يكونا يعرفان أنني غادرت المنزل.
ماذا حدث؟
في تلك الليلة دخلا المكتب. كان يوسف نائمًا على السرير بعد أن أنهكه المرض. كان يشبهني بصورة مخيفة. نحيفًا، ملتحيًا، ومغطى حتى عنقه.
أغمض عينيه.
ظنا أنني أنا.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وأبو ياسر؟
رآهما يعتقدان ذلك... ولم يصحح لهما الأمر.
لماذا؟
لأننا كنا قد اكتشفنا بالفعل ما يخططان له. كنا نجمع الأدلة. وعندما ظنا أنني مت، اندفعا بسرعة لتنفيذ كل شيء.
أطرق رأسه.
استخرجا الأوراق. وبدآ إجراءات الوفاة.
حدقت فيه بعدم تصديق.
لكن شهادة الوفاة كانت باسم يوسف.
نعم. ولهذا اضطرّا إلى التلاعب بالأوراق. استخدما مستنداتي الشخصية أثناء استخراج تصريح الدفن. كانا يعتقدان أن الأمر سينتهي خلال ساعات، وأن أحدًا لن يراجع شيئًا.
شعرت بالغثيان.
تركتما يوسف يُدفن باسمك؟
أغمض حسام عينيه.
كنت أريد إيقاف كل شيء فورًا. لكن المحامي طلب أن نتركهما يكشفان نفسيهما بالكامل. كنا نحتاج إلى دليل لا يمكن إنكاره.
ضغطت على الرسالة بين أصابعي.
كان ابني.
خرجت الكلمة مكسورة.
وكان يستحق اسمًا وقبرًا وحقيقة.
انحنى حسام إلى الأمام.
أعرف.
لا... لا تعرف.
ساد الصمت بيننا.
ثم مسحت دموعي بعنف.
وماذا الآن؟
رفع رأسه نحوي.
الآن نعود.
نظرت إلى صورة يوسف للمرة الأخيرة.
ثم إلى الرسالة في يدي.
وأخيرًا إلى حسام.
وهذه المرة لا ترسل لي رسائل كأنك شبح.
تردد شبح ابتسامة على وجهه.
وهذه المرة؟
قلت ببرود
هذه المرة تمشي معي.
أومأ حسام بصمت.
وصل المحامي سعود القحطاني قبل الظهر، رجل قانون قديم وصديق لحسام. كان يحمل نسخًا مصدقة، وتسجيلات، وفحوصات نسب، والوصية الحقيقية، وذاكرة إلكترونية فيها أدلة.
قال
أم خالد، أبناؤك لم يحاولوا فقط التلاعب بالوصية. هناك مؤشرات على إعطاء مواد مهدئة، وتزوير
نظرت إلى حسام.
والوصية؟
فتح سعود الملف.
البيت العائلي يبقى لكِ، تصرفًا وانتفاعًا كاملًا. والحسابات الأساسية كذلك. خالد وهيثم كانا سيحصلان على نصيبهما بشرط ألا يحاولا الضغط عليكِ، أو إعلانك غير قادرة، أو تزوير مستندات، أو التدخل في إرادتك. وإذا فعلا ذلك، يُحرمان من أي منفعة إضافية منصوص عليها في الوصية.
قلت بصوت ثابت
لقد فعلوا.
أغلق سعود الملف.
إذن هم خسروا أكثر من المال.
وضعت رسالة يوسف على صدري.
نعود.
رجعنا إلى الرياض قبل الغروب.
لم أعد مختبئة.
جلست مستقيمة في المقعد الخلفي، والعباءة السوداء مطوية في حقيبتي، وقلبي خراب لكنه ثابت.
عندما وصلنا إلى مقر الإجراءات التي كان خالد وهيثم يستكملانها بعد الجنازة، كان خالد يتحدث بعصبية مع المسؤول.
والدي أوصى بإنهاء كل شيء بسرعة. أمي ليست في حالة تسمح لها باتخاذ قرار.
وكان هيثم يتحدث في الهاتف.
نعم يا دكتور. بمجرد أن تعود، نعطيها المهدئ. هي تهذي.
دخلت.
أهذي بماذا يا ولدي؟
التفت هيثم.
ابيضّ وجهه.
وتقدم خالد نحوي بملامح قلق مصطنع.
يمّه... أين كنتِ؟ كنا بنموت من الخوف عليك.
ثم دخل حسام خلفي.
وفي اللحظة التي وقع فيها بصر خالد عليه اتسعت عيناه، وسقط القناع الذي ارتداه منذ الجنازة.
وتراجع
يبه...
نظر إليهما حسام كأنه يراهما للمرة الأولى.
كم كنتم مستعجلين على إنهائي.
فتح خالد فمه، لكن لم يخرج منه صوت.
تحدث المحامي مع المسؤول، فتوقفت كل الإجراءات فورًا.
المكان الذي كان قبل ساعات يطيع أوامر أبنائي بابتسامات باردة، صار الآن يطلب الهويات، والأوراق الرسمية، والموافقات.
وصلت الجهات المختصة دون ضجيج.
وحاول الطبيب المزيف الخروج من ممر جانبي، لكن أبا ياسر أشار إليه.
وفي حقيبته وجدوا وصفات طبية فارغة، وأدوية، وتقريرًا جاهزًا باسمي.
تدهور إدراكي شديد.
تحتاج إلى إشراف دائم.
غير مؤهلة لإدارة شؤونها المالية.
كدت أضحك.
ليس من الفرح.
بل من الرعب.
حتى شيخوختي أردتم تزويرها؟
اقترب خالد خطوة.
يمّه، أنتِ لا تفهمين. أبي كان مستعدًا أن يضيع كل شيء بسبب شخص لم نكن نعرف بوجوده أصلًا.
صفعته.
وساد الصمت.
يوسف لم يكن غريبًا. كان ابني.
وضع هيثم يديه على رأسه.
ذلك الرجل كان ميتًا.
هززت رأسي ببطء.
لا. كان مخفيًا... مثل الحقيقة.
تقدم حسام خطوة نحوهما.
أنتما اخترتما المال على أمكما... وعلى أبيكما أيضًا.
ضغط خالد على أسنانه.
وأنت اخترت ميتًا على أبنائك الأحياء.
نظر إليه حسام بحزن.
لا. أنتما اخترتما أن تصبحا أمواتًا في قلبي.
دُفن يوسف في المزرعة باسمه
لم يكن هناك عزاء كبير.
ولا رجال أعمال.
ولا معارف من قصور شمال الرياض.
ولا ورود فاخرة.
فقط نخيل، وتراب مبتل، والطبيبة التي اعتنت به، وأبو ياسر، وسعود، وحسام، وأنا.
وضعت ورودًا بيضاء فوق قبره.
سامحني لأنني تأخرت يا ولدي.
حرّكت الريح سعف النخيل.
لا شيء أكثر.
لكن هذه المرة، على الأقل، كان لابني أم تقف أمام قبره.
ثم بدأت المعركة القانونية.
تحول