مع سقوط آخر حفنة تراب فوق قبر زوجي

لمحة نيوز

مع سقوط آخر حفنة تراب فوق قبر زوجي، وبينما كان ابناي يقفان بجواري يبكيان أمام المعزين، اهتز هاتفي بإشعار من رقم مجهول
أنا حي... لا تثقي بهما.
.
لا تسألي الآن.
ظللت أحدق في الكلمات بصمت، بينما كانت السيارة تشق طريقها وسط الطريق، وقلبي يزداد ثقلًا مع كل دقيقة تمر.
ظننت أن الليلة انتهت عند هذا الحد.
لكن بعد دقائق قليلة، اهتز هاتفي من جديد.
كانت رسالة أطول هذه المرة.
فتحتها بيد مرتجفة، وما إن قرأت سطورها الأولى حتى شعرت بأن الدم يتجمد في عروقي
إذا أردتِ أن تعرفي من كان في مكاني داخل القبر، اذهبي إلى المزرعة القديمة خارج الرياض، واسألي عن الابن الذي ظن خالد وهيثم أنه دُفن وهو رضيع.
قرأت الرسالة ثلاث مرات داخل السيارة.
لم أفهم.
أو ربما لم أرد أن أفهم.
كان أبو ياسر يقود بصمت، دون أن يشغّل الراديو، ويداه ثابتتان على المقود. وخلفنا كان يبتعد بيت شمال الرياض، وأبنائي، والقبر، وثلاثة وأربعون عامًا من الزواج تحولت فجأة إلى سؤال مستحيل.
أبو ياسر...
همست
حسام حي؟
نظر السائق العجوز إليّ من المرآة.
نعم يا أم خالد.
غطيت فمي بيدي.
خرج بكائي غريبًا.
لم يكن بكاء فرح فقط.
كان غضبًا، وخوفًا، وحبًا، وخذلانًا اختلطت كلها في صدري.
والرجل الذي كان في القبر؟
تأخر أبو ياسر كثيرًا قبل

أن يجيب.
ثم قال
هذا لازم يقوله لك هو بنفسه.
قدنا طوال الليل.
خرجنا من الرياض بينما كانت قطرات المطر الخفيفة تضرب الزجاج الأمامي. مررنا بالطرق الواسعة، والاستراحات المغلقة، والشاحنات التي تلمع أضواؤها الحمراء في العتمة، ومحطات البنزين التي ما زالت رائحة القهوة فيها معلقة بالهواء.
كنت أحمل في حقيبتي الرسالة، والذاكرة الإلكترونية، والعبوة الفارغة، ومسدس حسام.
لم أشعر في حياتي أنني عجوز إلى هذا الحد.
ولا مستيقظة إلى هذا الحد.
مع بزوغ الفجر، ظهرت المزرعة القديمة خارج الرياض.
بسورها الطيني، ونخيلها العالي، وبابها الحديدي الذي بدا كأنه لم يُفتح منذ سنوات.
لم تكن فخمة.
كانت بيتًا أبيض منخفضًا، تحيط به أشجار النخيل، وفي وسط الفناء بئر قديم ومجلس صغير.
وهناك كان حسام.
حيًا.
جالسًا على كرسي خشبي، بلحية نامية منذ أيام، وضماد على ذراعه، وعينين ممتلئتين بالذنب.
نزلت من السيارة وأنا لا أعرف هل أركض إليه أم أصفعه.
وقف ببطء.
أم خالد.
صفعته.
لم تكن صفعة قوية.
لكنها كانت كافية ليفهم أن المرأة لا تدفن زوجها أمام الناس من أجل خطة، وكأن شيئًا لم يحدث.
بكيت عليك أمام أبنائك.
قلت
بكيت عليك أمام الكفن.
أطرق رأسه.
سامحيني.
لا تبدأ بهذا الكلام. تكلم.
دخلنا إلى المطبخ.
جاءت امرأة
من أهل المزرعة وقدمت قهوة عربية، لكن لا أحد لمسها.

وضع حسام ملفًا فوق الطاولة، وكانت يداه ترتجفان.
خالد وهيثم كانا يريدان إعلانك غير قادرة على إدارة شؤونك. جهزا طبيبًا يكتب أن الحزن أثّر على وعيك. كانوا يريدون السيطرة على حساباتك، وبيع البيت، وإظهار وصية مزورة.
شعرت بالغثيان.
سمعتهم. وكانوا يضعون لي شيئًا في القهوة.
نظرت إلى العبوة الصغيرة في حقيبتي.
بهذا؟
أومأ.
جرعات بسيطة. مهدئات. تكفي حتى أبدو مشتتًا، متعبًا، غير قادر على التركيز. كانوا يقولون إنها السن. بدأت أشك عندما صار خالد يصر أن يحضر لي القهوة كل ليلة بنفسه.
تذكرت ابني وهو يدخل المكتب مبتسمًا.
يبه، ارتاح. أنت تعبت كثير.
احترقت عيناي.
وفكرت أن تمثل موتك؟
تنهد حسام طويلًا.
لم يكن هذا المخطط من البداية. كنت أنوي الخروج من البيت، ورفع بلاغ، وحمايتك. لكن حينها مات يوسف.
اخترقني الاسم.
يوسف.
لم أعرف أي يوسف يقصد.
لكن شيئًا في وجه حسام جعل الخوف يتسلل إلى صدري.
أطرق رأسه ببطء.
ثم قال
يوسف... ابننا.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
ابننا؟
الرضيع الذي قالوا لك إنه مات بعد يومين من ولادته.
ارتجفت يداي.
قالوا إنه وُلد ضعيفًا.
ثم أعطوني مهدئًا.
وحين استيقظت، كان حسام يبكي قرب سريري، وكانت أمه تقول
إن الله يختار لعباده الخير.

أنا لم أرَ الجثمان.
فقط كفن أبيض صغير.
لا...
أغمض حسام عينيه.
يوسف لم يمت يومها.
وقفت بسرعة حتى سقط الكرسي خلفي.
ماذا قلت؟
أمي سلّمته لغيرنا.
صار الهواء ثقيلًا كأنه سم.
أمك؟
قالت إن الطفل مريض، وإن حياتنا ستتحول إلى مستشفيات، وإنك لن تتحملي. كنت صغيرًا، خائفًا، ومكسورًا. صدقت موته لأنهم قالوا لي ذلك أيضًا.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم قال
قبل ثمانية أشهر، وجدني يوسف.
تمسكت بحافة الطاولة.
عرفته منذ ثمانية أشهر ولم تخبرني؟
بكى حسام.
طلب مني ألا أخبرك. ظل يعتقد طوال عمره أننا تخلينا عنه بإرادتنا. وحين عرف الحقيقة لم يستطع أن يسامح بسهولة. كان مريضًا، وغاضبًا، ومكسورًا. أقسم عليّ ألا أخبرك قبل أن يقرر بنفسه أن يراك.
ابتلعت الغصة في حلقي.
ومع ذلك لم تخبرني.
حاولت. أقسم أنني حاولت. كلما تحدثت معه عنك كان يؤجل الأمر. كان يقول إنه يحتاج إلى وقت. ثم بدأ قلبه يخذله أسرع مما توقع الأطباء.
شعرت أن جرحًا قديمًا انفتح داخلي.
لم يكن وجع أرملة.
كان وجع أم سُرق منها ابنها.
نعم.
كان من حقي أن أسمع صوته.
نعم.
نعم.
كان من حقي أن أودعه.
لم يدافع حسام عن نفسه.
وهذا جعلني أغضب أكثر.
أخذني إلى غرفة صغيرة.
كان فيها سرير مرتب، ومصحف على الطاولة،
وثوب رجالي مطوي، وصورة داخل إطار خشبي.

يوسف.
قريب من الأربعين.
عيناه عينا حسام.
وفمه فمي.
وله نفس طريقتي في إمالة رأسه قليلًا.
اقتربت من الصورة وانكسرت.
يا ولدي...
فوق الطاولة كانت هناك رسالة.
إلى أمي أم خالد.
فتحتها بيدين لا تقويان على شيء.
سامحيني لأنني وصلت متأخرًا. قالوا لي إنكم لم تريدوني لأنني وُلدت مريضًا. وعندما قابلت أبي حسام،
 

تم نسخ الرابط