سافر الي امريكا
المحتويات
مكتب خدمات الرافدين.
وعلى بابه ظهرت قطعة قماش بيضاء مكتوب عليها بالأحمر
هنا دُفنت حقيقة علي الجبوري.
لم يعرف أحد من وضعها.
أنا عرفت.
لكن الجارات يعرفن كيف يخبئن العدالة عندما يلزم الأمر.
تغير البيت بعد ذلك.
أمرت بإزالة أرضية غرفة علي كلها، وزرعت شجرة ليمون في الفناء، في المكان القريب من السر القديم.
قال الشيخ عبد الستار إن الناس لا يزرعون الأشجار في أماكن الحزن.
قلت له إن الأسوأ هو أن نتركها بلا زهور.
ساعدني حسين في وضع التراب.
كل عصر كان يسقي شجرة الليمون، ويحكي لأبيه أخبار المدرسة، كأن الجذور هاتف يصل إليه.
يقول
اليوم تعلمت القسمة يا أبي.
اليوم تشاجرت، لكنني لم أبدأ.
اليوم جدتي أحرقت المعجنات.
كنت أسمعه من المطبخ، وأتظاهر أنني لا أبكي.
انتقلت سحر لتعيش عند أختها بينما استمرت القضية.
كانت تأتي كل سبت لترى حسين.
دائمًا في الصالة.
ودائمًا والباب مفتوح.
تأخر الطفل كثيرًا قبل أن يقترب منها.
وفي يوم سألها
هل علي أبي فعلًا؟
نظرت سحر إلى شجرة الليمون.
قالت
أبوك هو الذي انتظرك قبل أن يراك، والذي أحبك قبل أن يعرف الحقيقة كاملة، والذي رحل وهو يريد العودة إلى أمه.
لم يفهم حسين كل شيء.
لكنه فهم الأهم.
الدم مهم، نعم.
لكن هناك حبًا يصير نسبًا حتى لو لم تكتبه الأوراق.
في ذلك اليوم سمح لها أن تمسح على شعره.
لم يسامحها تمامًا.
الأطفال لا يسامحون بالكلام.
يسامحون عندما يبقون قليلًا أكثر.
بدأت المحاكمة عندما أزهرت شجرة الليمون لأول مرة.
وقفت أمام أبو رائد دون أن أخفض عيني.
كان يبدو أكبر سنًا، أضعف، بلا كبرياء، وبلا الرجال الذين كانوا يسيرون خلفه.
عندما سألني القاضي ماذا أريد، كان الجميع يتوقع أن أقول العدالة.
لكنني قلت
أريد الحقيقة كاملة. أريد أن يتوقف ابني عن كونه مجرد إشاعة.
حكيت عن التحويلات، وموظفة
لم ينظر إليّ أبو رائد.
فالجبناء لا ينظرون إلا حين يحملون سلاحًا.
صدر الحكم عليه.
لم تكن السنوات بقدر ما يستحق، لأن القانون أحيانًا يقيس بملعقة صغيرة ما تحمله الأم بأطنان.
لكنه أُدين.
أما سحر، فنالت حكمًا أخف لأنها شهدت وتحدثت عن التهديدات.
لم أصفق.
لم أبتسم.
لم أشعر بالراحة.
فالعدالة لا تعيد الغائب.
هي فقط ترتب عظام العالم قليلًا.
في الليلة التي عدت فيها من المحكمة، جلست تحت شجرة الليمون، وكان حسين نائمًا على قدمي.
كان الهواء يحمل رائحة تراب مبلل وزهور جديدة.
ولأول مرة منذ ست سنوات، لم أنتظر أي تحويل.
لم أنظر إلى الهاتف.
لم أحسب كم سيرسل علي.
ولا أي رسالة ستظهر في خانة الملاحظة.
أخرجت من جيبي السبحة الصغيرة وعلقتها على غصن من الشجرة.
همست
لن أنكسر بعد اليوم يا ولدي.
تحركت شجرة الليمون رغم أن الهواء كان ساكنًا.
ربما كانت صدفة.
وربما كان علي، يستقر أخيرًا في مكان تستطيع أمه أن تجده فيه من دون أن تحفر.
منذ ذلك اليوم، ما زلت أبيع المعجنات في الزاوية نفسها.
والناس يسألونني كيف بقيت واقفة.
أقول لهم إنني لا أقف لأنني قوية.
بل أقف لأن حسين ينظر إليّ.
هو يكبر بسرعة.
في عينيه شيء من علي.
وفي ضحكته شيء لا أعرف مصدره.
وفي داخله حزن صغير يظهر أحيانًا عندما يرى الحافلات المتجهة إلى مدن بعيدة.
عندما يسألني عن أمريكا، أقول له إن الغربة ليست دائمًا في آخر الدنيا.
أحيانًا تكون الغربة في بيتك.
وأحيانًا تكون الحدود التي يجب أن تعبرها هي باب غرفة مغلقة.
وأحيانًا لا يعود الابن بحقيبة ولا مال ولا هدايا، بل يعود كجذر يمنع أمه من الغرق.
وصل آخر تحويل بعد أسبوعين من الحكم.
لم أعرف من أرسله.
كانت الرسالة مختلفة هذه المرة.
ارتحت
لم أصرف ذلك المال.
استخدمته لشراء لوحة حجرية بسيطة، تشبه الأحجار التي كان زوجي يعمل بها قبل أن يأخذ التعب روحه.
وضعتها تحت شجرة الليمون، وكتبت عليها اسم ابني كاملًا.
أما التاريخ، فلم أكتب يوم رحيله، لأن أحدًا لم يعرفه بدقة.
كتبت يوم وجدناه.
لأن بعض الراحلين لا يموتون حين يتوقف نفسهم.
بل يموتون عندما يتوقف الجميع عن البحث عنهم.
أما علي، ابني العنيد، ولدي صاحب القميص الأزرق، فقد وُلد من جديد في اليوم الذي توقفت فيه أمه عن تصديق الكذبة، وبدأت تحفر نحو الحقيقة.
كانت تقف في منتصف الفناء، شعرها مربوط بسرعة، ومجرفة قديمة صدئة مشدودة إلى صدرها.
كانت سحر واقفة أمام غرفة علي، تلك الغرفة الصغيرة التي أبقيتها مغلقة منذ رحيله، وكأن احتفاظي بقمصانه كان يعني أنني أحتفظ بحياته نفسها.
عندما رأتني، تجمدت في مكانها، واتسعت عيناها، وبدأ أحمر الشفاه على فمها يرتجف كشمعة في مجلس عزاء.
سألتها
ماذا تفعلين هنا؟
خرج صوتي منخفضًا جدًا، لدرجة أنني خفت من نفسي.
أخفت المجرفة خلف عباءتها، وكأنني عمياء، وكأن ست سنوات من الكذب لم تكفِ، بل سرقت عقلي أيضًا.
قالت
لا شيء يا أمينة، كنت أبحث عن قطعة حديد أصلح بها الغسالة.
قلت
بمجرفة؟
لم تُجب سحر.
ثم رأيت شيئًا جمّد الدم في عروقي أكثر من ورقة المصرف.
على أرض غرفة علي كانت هناك كيس أسود مفتوح، ومن داخله ظهر طرف قميص أزرق عليه بقع بنية قديمة.
القميص نفسه الذي كان يرتديه علي آخر يوم رأيته فيه.
خطوت نحوها، لكن سحر وقفت أمامي كما تقف دجاجة تدافع عن عش ليس لها.
قالت
لا تدخلي.
قلت
ابتعدي.
قالت
أنتِ لا تعرفين ماذا تفعلين.
قلت
الذي لا أعرفه هو ماذا فعلتِ أنتِ بابني.
كلمة ابني ضربتها في وجهها مثل صفعة، ولأول مرة منذ ست سنوات رأيت عينيها تنكسران.
همست
علي حي.
لكنها قالتها
رفعت ورقة المصرف المطوية، وكانت رطبة من عرق يدي.
قلت
إذن اشرحي لي لماذا يرسل لي ابني المال من شارع الزيتون يا سحر؟
نظرت إلى الورقة، وبدأ جسدها ينهار شيئًا فشيئًا، كجدار طين أصابه المطر.
سقطت المجرفة من يدها على الأرض بضربة جافة جعلت كلاب الجيران تنبح.
قالت
لم يكن ذنبي.
شعرت أن هذه الكلمات الخمس فتحت تحت قدمي حفرة أعمق من أي قبر.
قلت
أين علي؟
وضعت سحر يدها
على فمها، لكن الأوان كان قد فات، لأن صمت البيت أجاب قبلهما.
خرجت من الغرفة رائحة قديمة.
لم تكن رائحة كلور.
ولا رائحة رطوبة.
بل رائحة سر مكبوت وأرض تم العبث بها.
دفعت سحر بقوة لم أكن أعرف أنها ما زالت في داخلي، ودخلت الغرفة.
كانت الجدران ما زالت تحمل الصور القديمة التي كان علي يعلقها وهو صغير.
صور لاعبي كرة.
تقويم قديم لشاحنات.
وصورة دينية صغيرة اسودّت أطرافها من الغبار.
لكن السرير لم يكن موجودًا.
مكانه كانت هناك ألواح مرفوعة، وفراغ مستطيل مغطى بإسمنت متكسر.
ركعت على الأرض.
مررت يدي على طرف المكان، فوجدت قطعة صغيرة من القماش الأزرق عالقة بين التراب.
لم أبكِ.
هناك أوجاع لا تخرج من العينين، بل تدخل إلى العظام وتبقى هناك تخدش بصمت.
همست سحر خلفي
أمينة... دعيني أخبرك.
التفتُّ إليها ببطء.
قلت
ستخبرينني بكل شيء. وإن نسيتِ شيئًا واحدًا، أقسم بروح زوجي أنني سأصرخ حتى يأتي كل أهل الحلة.
أغلقت سحر باب الفناء.
لم تغلقه لتسجنني.
بل حتى لا يسمع الجيران الاعتراف.
جلست على كرسي علي القديم، ذلك الكرسي الذي كان يجلس عليه كل يوم جمعة يلمّع حذاءه، وخلعت قناعها أخيرًا.
قالت
علي لم يصل إلى أمريكا أبدًا.
شعرت أن الغرفة مالت بي.
قالت
تلك الليلة كان سيغادر فعلًا، لكنه جاء قبلها ليودعني.
تذكرت تلك الليلة كما يتذكر
كان علي قد قبّل جبيني مبكرًا، وقال إنه سيذهب ليشتري خبزًا، ثم لم يعد.
تابعت سحر
قال لي إنه لا يريد السفر. قال إنه خائف. قال إنك تحتاجين ابنًا
متابعة القراءة