باعت ابنتي منزلي
من جذورها.
أخرجت هاتفي.
واتصلت بابنة أختي نورة.
ابنة أختي سارة.
كانت محامية في الرياض.
عنيدة.
شرسة.
ولا تملك ذرة صبر عندما يتعلق الأمر بالظلم.
أجابت فورًا
خالتي هدى؟ رجعتي؟ أمي قلقانة عليك لأنك ما تردين.
قلت
نورة... أريدك أن تأتي إلى المقبرة حالًا.
صمتت للحظة.
ثم قالت
ماذا حدث؟
نظرت إلى جرة أمي.
ورسالة راشد.
وصورة الباب الأزرق.
وقلت
دلال باعت منزلي.
ساد الصمت.
صمت طويل وثقيل.
ثم قالت
ماذا تعنين باعت منزلك؟
باعته مع فهد. وغيروا الأقفال. وطردوني من بيتي.
سمعت شهقة حادة عبر الهاتف.
ثم قالت
لا تتحركي من مكانك.
قلت
هناك ما هو أخطر.
أخطر؟
المشتري قد يكون من عائلة السهلي.
هذه المرة طال الصمت أكثر.
ثم خفضت صوتها.
وقالت
خالتي هدى... هل قلتِ السهلي؟
نعم.
لا تتحدثي مع أحد. لا توقعي أي ورقة. ولا تذهبي إلى أي مكان وحدك.
هل تعرفين شيئًا؟
تنهدت.
ثم قالت
أمي حدثتني قبل سنوات عن قصة تخص جدتي إلينا... لكننا ظننا أنها مجرد حكاية قديمة.
نظرت إلى قبر راشد.
وقلت
يبدو أن الماضي قرر أن يعود اليوم.
أغلقت الهاتف.
وبقيت أنظر إلى قبر راشد للحظات طويلة.
كان العم إبراهيم قد أعاد اللوح الرخامي إلى مكانه، لكنه سلّمني جميع المستندات داخل حقيبة سوداء.
ثم قال
راشد كان يأتي إلى هنا كل سنة.
نظرت إليه.
فأكمل
وليس فقط في الأعياد أو المناسبات. أحيانًا كان يجلس هنا ساعات طويلة ويبكي.
شعرت بشيء ينكسر داخل صدري.
راشد...
ذلك الرجل القوي الذي كنت أظنه لا يخاف شيئًا.
كان يحمل كل هذه الأسرار وحده.
ويخفيها عني كي لا يحطم الصورة التي بقيت في ذهني عن أبي وأمي والمنزل وكل ما بنيت عليه حياتي.
همست
لماذا لم يخبرني؟
أغلق العم إبراهيم صندوق أدواته.
ثم قال
لأن الرجال الطيبين يرتكبون أحيانًا أخطاء كبيرة وهم يحاولون حماية من يحبون.
حدقت في القبر.
وقلت
وأحيانًا يتركوننا نحارب وحدنا.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وأشار إلى الحقيبة السوداء.
ثم قال
لكنه لم يتركك بلا سلاح.
نظرت إلى الحقيبة.
وكان محقًا.
بعد أقل من ساعة وصلت نورة.
كان شعرها مربوطًا للخلف.
وترتدي معطفًا أسود وحذاءً عمليًا.
أما ملامحها فكانت ملامح شخص جاء مستعدًا للحرب.
عانقتني بحذر شديد.
وكأنني قطعة زجاج قابلة للكسر.
فقلت لها
لست مكسورة.
ابتسمت.
وقالت
أعرف يا خالتي. أنتِ غاضبة. والغضب في هذه اللحظة أهم بكثير.
جلسنا داخل سيارتها.
وأخرجت جميع الأوراق والصور والرسائل.
وبدأت تقرأ.
ومع كل صفحة كانت ملامحها تتغير.
من الصدمة...
إلى الذهول...
ثم إلى غضب حقيقي.
رفعت رأسها أخيرًا.
وقالت
هذه كارثة قانونية بكل معنى الكلمة.
سألتها
هل أستطيع استعادة منزلي؟
أغلقت الملف
وقالت
خالتي هدى... ليس فقط تستطيعين استعادته، بل نستطيع إدخال كل من شارك في هذه الصفقة إلى السجن.
انقبض قلبي فور سماعي اسم دلال داخل عقلي.
وقلت بصوت خافت
دلال وقعت بنفسها.
نظرت إليّ نورة.
وفي تلك اللحظة لم أرَ ابنة أختي.
بل رأيت المحامية.
وقالت
ويمكن توجيه الاتهام إليها أيضًا.
كان اسم ابنتي يؤلمني أكثر من الصفعة.
التفت نحو النافذة.
وبقيت أحدق في الخارج.
ثم قلت
ربيتها لتكون قوية... لا لتصبح جلادًا.
قالت نورة
ربما كان فهد يتلاعب بها.
أجبتها
اليد المتلاعب بها ما زالت تؤلم عندما تصفعك.
صمتت نورة.
ثم أدارت المحرك.
وقالت
سنذهب أولًا إلى موثق أعرفه. الليلة سنثبت كل شيء رسميًا. وغدًا سنبدأ الإجراءات المستعجلة. وأريد نسخة كاملة من عقد البيع المزعوم.
ثم أضفت
هناك شيء آخر.
وأخرجت شريط الكاسيت القديم.
حدقت فيه باستغراب.
وقالت
ومن أين سنجد جهازًا يشغل هذا الأثر التاريخي؟
فكرت فورًا في المنزل.
وفي جهاز التسجيل القديم الذي كان يملكه راشد.
الجهاز الذي كانت دلال تسخر منه دائمًا وتقول إنه يشوه ديكور المجلس.
قلت
في المنزل.
التفتت إليّ بسرعة.
خالتي...
أمي تركت هذه الرسالة لي. لن أسمعها داخل مكتب محاماة.
أمسكت نورة المقود بقوة.
ثم قالت
إذًا لن نذهب وحدنا.
بعد ساعتين تقريبًا...
عدت إلى الشارع الذي فقدت فيه منزلي.
لكن هذه المرة لم أصل بسيارة أجرة.
وصلت برفقة نورة.
وصانع أقفال.
ودوريتين من الشرطة.
وموثق رسمي يحمل حقيبة ممتلئة بالأختام والأوراق.
فتحت دلال الباب.
لم تكن تبتسم هذه المرة.
كانت عيناها حمراوين من البكاء.
ولا تزال أقراطي اللؤلؤية معلقة في أذنيها.
همست
أمي...
أردت أن أنزع الأقراط من أذنيها بيدي.
لكنني لم أفعل.
ظهر فهد خلفها مباشرة.
وكان الغضب يشتعل في وجهه.
وقال
ما معنى هذا؟
رفعت نورة ملفًا رسميًا أمامه.
وقالت
طلب إثبات حيازة. وبلاغ جنائي قيد الإجراء. وطلب مراجعة عملية بيع يُشتبه بأنها احتيالية. مساء الخير.
ضحك فهد بصوت مرتفع.
وقال
لا يحق لكم دخول المنزل.
تنحنح الموثق.
ثم قال
حتى هذه اللحظة السيدة هدى ما زالت المالك القانوني للعقار. ومن خلال ما أراه فإن موقفكم القانوني ينهار بسرعة كبيرة.
نظرت دلال إليّ.
وقالت
أمي... والله لم أكن أعرف.
حدقت فيها طويلًا.
ثم قلت
لكنك كنت تعرفين أنك تتركينني في الشارع.
امتلأت عيناها بالدموع.
وقالت
فهد قال إن الأمر مؤقت. وإننا سنشتري لك شقة بعد فترة.
نظرت إليها.
ثم قلت
من مالي أنا.
خفضت رأسها.
وقالت
كنت أريد مساعدتك.
هززت رأسي ببطء.
ثم قلت
لا يا دلال... كنت تريدين إبعادي من الطريق.
لم تستطع النظر في عيني بعدها.
تقدم فهد خطوة
وقال
أنتم لا تعرفون من أكون.
أخرجت صورة أمي الواقفة أمام المنزل.
ورفعتها
أمامه.
ثم قلت
لكنني أعرف اسم عائلتك.
تجمد مكانه.
ثانية واحدة فقط.
لكنني رأيتها.
الخوف.
نفس الخوف الذي ظهر على وجهه عندما ابتسمت أمام الباب في ذلك اليوم.
قال بصوت متوتر
من أين حصلتِ على هذه الصورة؟
أجبته
من قبر.
عقدت دلال حاجبيها.
وقالت
أي قبر؟
لكنني لم أرد عليها.
وتجاوزتهما.
ودخلت المنزل.
كانت رائحته مختلفة.
رائحة عطر فهد.
وهواء ثقيل راكد.
ورائحة طموح رخيص.
الأثاث ما زال في مكانه.
لكن بعض القطع تغير موضعها.
أما الصليب الفضي الذي كنت أحتفظ به فقد كان داخل صندوق كرتوني.
وصورة راشد كانت ملقاة على وجهها فوق الطاولة الجانبية.
التقطتها ببطء.
ومسحت عنها الغبار.
ثم همست
سامحني يا رفيق العمر.
بعدها توجهت مباشرة إلى جهاز التسجيل القديم.
كان لا يزال موجودًا.
مغطى بطبقة من الغبار.
قديمًا.
وعنيدًا.
يشبهني تمامًا.
وأدركت أن الليلة لم تنتهِ بعد...
وصلت نورة الجهاز بالكهرباء.
وأخرجت الشريط القديم من الحقيبة.
أما الموثق فبدأ يصور كل شيء بهاتفه.
وقف رجال الشرطة قرب المدخل.
كانت دلال تبكي بصمت.
بينما ظل فهد واقفًا وفكاه مشدودان من التوتر.
أدخلت الشريط في الجهاز.
وضغطت زر التشغيل.
في البداية لم نسمع سوى تشويش خافت.
ثم صوت نفس طويل.
وبعده مباشرة...
صوت امرأة.
صوت أمي.
تجمد الدم في عروقي.
هدى... يا صغيرتي...
إذا كنت تسمعين هذا التسجيل الآن، فهذا يعني أنك عدتِ للدفاع عن المنزل.
سامحيني لأنني تركت لك هذا الحمل الثقيل.
وضعت يدي على فمي.
كنت أظن أنني نسيت صوتها.
لكن الحقيقة أنني لم أنسه أبدًا.
جسدي هو الذي تذكره قبل عقلي.
شعرت بركبتيّ تضعفان.
وسقطت على أقرب مقعد.
واستمر التسجيل.
والدك لم يستمع إليّ.
وعائلة السهلي عرضت المال مقابل المنزل.
لكنهم لم يكونوا يريدون المنزل نفسه.
كانوا يبحثون عن شيء مدفون تحته منذ سنوات طويلة.
تبادل الجميع النظرات.
أما فهد فشحب وجهه أكثر.
واصلت أمي حديثها
ليس ذهبًا يا هدى.
وليس مجوهرات.
بل أدلة.
قائمة أسماء.
أسماء رجال اختفت بسببهم نساء.
ورجال استولوا على أراضٍ ليست لهم.
وأناس دفنوا الحقائق خلف العقود والأختام.
ارتفع صوت المطر في الخارج.
بينما بقي الجميع صامتين.
ثم قالت أمي
أخفيت تلك القائمة في مكان لن يخطر على بال أحد.
تحت شجرة الجهنمية.
التفتت نورة نحوي بسرعة.
أما أنا فشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
شجرة الجهنمية.
نفس الشجرة التي زرعها راشد.
نفس الشجرة التي كنت أسقيها كل صباح.
ارتجف صوت أمي في التسجيل.
وقالت
إذا عاد أحد من عائلة السهلي للمطالبة بالمنزل يومًا...
فاعلمي
بل يريدون ما تحت الجذور.
ثم توقف التسجيل فجأة.
وصدر صوت طقطقة حاد.
وانتهى.
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
حتى المطر بدا وكأنه توقف ليستمع.
كانت دلال أول من تكلم.
نظرت إليّ بعينين خائفتين.
وقالت
أمي... ماذا يعني هذا؟
قبل أن أجيب...
اندفع فهد فجأة نحو الباب الخلفي.
لكن أحد رجال الشرطة اعترض طريقه فورًا.
وقال
إلى أين؟
رفع فهد يديه بسرعة.
وقال
لا مكان.
لكنني انتبهت إلى شيء.
كان حذاؤه مغطى بالطين.
طين جديد.
رطب.
كأنه خرج للتو من حفرة.
وفي تلك اللحظة فهمت.
أثناء وجودي في لندن...
لم يكتفوا بتغيير الأقفال.
بل كانوا يحفرون.
اندفعت نحو الحديقة الخلفية بأسرع ما استطعت.
وكان المطر يهطل بقوة.
وتحت أغصان الجهنمية البنفسجية...
كانت الأرض ممزقة.
مقلوبة.
ومحفورة بعنف.
وفي وسط الحفرة ظهر صندوق معدني.
لم يكن مغلقًا بالكامل.
ارتدت نورة قفازات.
وانحنت نحوه.
ثم
فتحته ببطء.
حبس الجميع أنفاسهم.
في الداخل كانت هناك صور قديمة.
ودفاتر.
وسجلات.
وملفات ورقية.
وكيس قماش صغير.
أخرجته بيدي.
وفتحته.
فسقطت منه ميدالية فضية قديمة.
كانت متآكلة بفعل الزمن.
لكن الحروف ما زالت واضحة.
إ ر
إلينا الرويلي.
أمي.
شعرت أن الزمن كله توقف للحظة.
ركعت دلال بجانبي وسط الوحل.
وكان المطر يبلل شعرها ووجهها.
وقالت وهي تبكي
أمي... أنا آسفة.
نظرت إليها.
إلى ابنتي.
إلى الأقراط التي تخصني.
إلى وجهها الذي حطمه الخوف.
أردت أن أضمها إلى صدري.
وأردت أن أكرهها.
وأردت أن أعود أربعين عامًا إلى الوراء وأحملها رضيعة بين ذراعي قبل أن يدخل فهد إلى حياتها.
قبل الديون.
قبل الجشع.
قبل أن تتعلم أن تنظر إليّ كعقبة.
لكنني لم أفعل شيئًا.
لأن الأم أحيانًا تحتاج أن تتعلم درسًا مؤلمًا.
أن حب شخص ما لا يعني إنقاذه دائمًا من نتائج أفعاله.
خلفنا مباشرة كان فهد مكبل اليدين قرب الباب.
وفجأة بدأ يضحك.
ضحكة جافة.
مرهقة.
ويائسة.
قال
أنتم لا تفهمون شيئًا.
رفعت نورة رأسها.
وسألته
ماذا لا نفهم؟
نظر إليّ مباشرة.
ليس إلى الشرطة.
ولا إلى نورة.
بل إليّ أنا.
ثم قال
إذا خرجت تلك الأسماء إلى العلن... سيأتون للجميع.
سألت نورة
من هم؟
بقي ينظر إليّ.
ثم قال بصوت منخفض
نفس الأشخاص الذين أسكتوا والدتك.
ازداد هطول المطر.
وأحكمت قبضتي على ميدالية أمي.
ولأول مرة منذ أن نزلت من الطائرة...
شعرت أن أمي لم تمت حقًا.
كانت موجودة في الجذور.
وفي الطين.
وفي صوتها داخل الشريط.
وفي الغضب الذي كان يغلي في عروقي.
في تلك الليلة...
ظنت ابنتي أنها باعت منزلي وتركتني بلا مأوى.
لكن الحقيقة أنها باعت شيئًا آخر.
فتحت بابًا للحقيقة.
حقيقة حاول كثيرون دفنها
ومع كل اسم بدأ يخرج من تلك الملفات...
أدركت أن اسم عائلتي لم يكن مكتوبًا على صك ملكية فقط.
بل كان مكتوبًا فوق قبر فُتح للتو.
مددت يدي إلى أول ورقة داخل الصندوق.
وبدأت أقرأ أول اسم في القائمة.
وفجأة...
عادت ساقاي إلى الارتجاف من جديد.
لأن الاسم الأول لم يكن اسم فهد.
ولم يكن اسم والده.
ولم يكن اسم أي شخص من عائلة السهلي.
بل كان اسم رجل قضى سنوات طويلة يناديني
يا ابنتي...