باعت ابنتي منزلي وأنا في لندن، ثم انتظرتني عند الباب لتقول لي لم يعد لديكِ منزل يا أمي. وكان زوجها يضحك وكأنه دفنني حية للتو. مفاتيحي لم تعد تفتح المنزل الذي أنجبت فيه، وترملت فيه، وكبرت بين جدرانه. لكنني ابتسمت، لأن ابنتي دلال لم تكن تعلم أن ما باعته هذه الليلة لم يكن مجرد منزل... بل فتحت قبرًا يحمل اسم عائلتي. لم يعد لديكِ بيت يا أمي قالتها دلال وهي تقف عند المدخل بابتسامة لم أعرفها يومًا على وجهها كنت أجر حقيبتي منذ خروجي من مطار الملك خالد في الرياض، وركبتاي متورمتان وظهري متيبس، بينما كانت روحي لا تزال متعبة من رحلة السفر الطويلة من لندن وضعت المفتاح في القفل، لكنه لم يدخل. جربت المفتاح الثاني أيضًا، لكنه لم ينجح عندها فقط انتبهت إلى القفل الجديد أسود لامع وكأنه صفعة جديدة على وجهي خلف دلال وقف زوجها فهد عقد ذراعيه أمام صدره، وعلى وجهه تلك النظرة التي يحملها الرجل العادي عندما يظن أخيرًا أنه انتصر قال ما عاد لكِ بيت. خلينا نشوف وين بتروحين الآن وتعيشين دور السيدة المحترمة لم تُخفض دلال رأسها ولم تحاول حتى أن تتظاهر بالندم كانت ترتدي أقراطي المصنوعة من اللؤلؤ الأقراط التي أهداها لي زوجي راشد في ذكرى زواجنا الثلاثين شعرت بشيء ينكسر في حلقي لكنني لم أبكِ.ابتسمت فقط ضمت دلال شفتيها باستغراب وقالت ليش تضحكين؟اختفت الابتسامة من وجه فهد وكان ذلك أول شيء استمتعت به الخوف الذي بدأ يتسلل ببطء إلى ملامحه نظرت إلى واجهة منزلي في شمال الرياض شجرة الجهنمية التي زرعها راشد بيديه الباب الأزرق الذي طليناه معًا في إحدى عطلات نهاية الأسبوع النافذة
التي كانت دلال وهي صغيرة تلصق عليها رسومات الأميرات أربعون سنة من عمري كانت تقف أمامي وهم يعتقدون أنهم أخذوا كل شيء مني مساكين لم يكن لديهم أي فكرة عمّا باعوه للتو قلت ابتعدوا رمشت دلال وقالت عفوًا؟ قلت ابتعدوا ضحك فهد وقال يا خالة، العقار لم يعد باسمك. معنا كل الأوراق الرسمية. أوراق؟ موقعة ونظامية. ممتاز تقدمت دلال خطوة نحوي وقالت أمي، لا تصعّبين الموضوع أكثر. فهد كان عليه دين كبير. وكان لازم نتصرف بسرعة. فصار منزلي هو الحل؟ أنتِ كبرتِ في العمر أصلًا كانت تلك العبارة أشد ألمًا من القفل الجديد كبرتِ في العمر وكأن سنواتي أصبحت عبئًا وكأن يدي المجعدتين لم تغسلا ملابسها المدرسية ولم تدفعا ثمن أدويتها ولم تخيطا أزياء حفلاتها المدرسية ولم تبعا حليّ الخاصة كي تكمل تعليمها الجامعي اقترب فهد أكثر وكانت تفوح منه رائحة عطر رخيص وانتصار مستعار وقال دلال سوت الصح. العائلة لازم توقف مع بعض نظرت إليه من أعلى إلى أسفل ثم قلت أنت لست عائلة. أنت دين يمشي على قدمين اشتدت ملامحه غضبًا واتسعت عينا دلال وقالت لا تتكلمين مع زوجي بهذه الطريقة زوجي هكذا دافعت عنه بكل قوتها وبكل شراستها وبنفس القوة التي لم تستخدمها يومًا للدفاع عني أخذت نفسًا عميقًا وكان صدري يحترق ثم سألت لمن بعتوا البيت؟صمتت دلال أما فهد فعادت إليه ابتسامته وقال هذا ما عاد يخصك في تلك اللحظة أدركت أن الأمر أسوأ مما ظننت لم تكن عملية بيع عادية ولم تكن حالة طارئة كانت فخًا قلت بعتوه بسرعة، صح؟ وبسعر أقل من قيمته الحقيقية ضمت دلال حقيبتها إلى صدرها بقوة وقالت كنا محتاجين المال هززت رأسي وقلت لا
يا ابنتي... كنتِ بحاجة إلى رجل لا يسحبك إلى الوحل جاءت الصفعة دون أي إنذار ضربتني دلال ابنتي أنا على الرصيف أمام المنزل الذي علمتها فيه كيف تمشي اشتعل خدي ألمًا فتح أحد الجيران ستار النافذة وأغلق آخر الموسيقى داخل منزله همس فهد تعالي يا دلال... شكلها فقدت عقلها فقدت عقلها هذه هي الكلمة التي يستخدمها الجبناء عندما تتوقف المرأة عن الطاعة رفعت رأسي عاليًا كانت دلال شاحبة ويرتجف كفها ليس من الندم بل من الخوف مما فعلته للتو اقتربت منها وأبعدت خصلة شعر عن وجهها كما كنت أفعل عندما كانت طفلة وتنام في
حضني ثم قلت كنت أتمنى على الأقل أن تنتظري حتى أموت امتلأت عيناها بالدموع لكن بعد فوات الأوان بعد فوات الأوان بكثير استدرت وبدأت أسير نحو الشارع وأنا أجر حقيبتي صرخت دلال خلفي وين بتروحين؟لم أجب أوقفت سيارة أجرة عند الزاوية وصعدت إليها ببطء نظر السائق إليّ من المرآة وقال أمورك طيبة يا خالة؟ألقيت نظرة أخيرة على المنزل كانت دلال وفهد لا يزالان واقفين عند الباب صغيرين مرتبكين محاصرين داخل انتصار لم يفهما معناه بعد قلت للسائق مقبرة النسيم صمت الرجل ثم انطلق بالسيارة ولكي تعرفوا لماذا كنت أبتسم...يجب أن أحدثكم عن راشد زوجي توفي قبل ثماني سنوات في صباح يوم ثلاثاء في ذلك اليوم كنا نخطط للذهاب إلى المخبز القريب لشراء الخبز الطازج وبعض الزهور والحلوى التي كان يؤكد دائمًا أن العم أبو عبدالله وحده يعرف كيف يصنعها بالشكل الصحيح استيقظ راشد مبكرًا وأعد القهوة ومن غرفة النوم كنت أسمع صوت الملعقة وهي ترتطم بالفنجان عندما نزلت إلى المطبخ كان جالسًا يقرأ الجريدة ابتسم
لي وقال صباح الخير يا أجمل امرأة في الدنيا بعد عشر دقائق فقط...وضع يده على صدره ولم يتمكن إلا من قول هدى...ثم سقط على الطاولة قال الطبيب إن الأمر حدث بسرعة وكأن ذلك يخفف شيئًا وكأن فقدان الرجل الذي عشت معه اثنين وأربعين عامًا يصبح أسهل فقط لأنه لم يتألم طويلًا وصلت دلال إلى المستشفى بعد ثلاث ساعات كان مكياجها كاملًا وترتدي كعبًا عاليًا وتفوح منها رائحة عطر فاخر عانقتني وبكت قليلًا ثم بدأت تتفقد هاتفها وأقنعت نفسي أن الناس يتعاملون مع الحزن بطرق مختلفة هكذا تفعل الأمهات نبرر حتى الأشياء التي تكسرنا بعد الجنازة أصبحت زياراتها أقصر ثم أقل ثم تحولت إلى مصالح فقط. أمي، كتبتي وصيتك؟ أمي، البيت كبير عليكِ جدًا. أمي، فهد يفهم كثيرًا في الاستثمار. أمي، ممكن نستفيد من العقار وكنت أجيبها دائمًا بنفس العبارة ما دمت أتنفس، فلن يلمس أحد هذا المنزل كانت تغضب وكان فهد يبتسم أما صورة راشد المعلقة في مجلس البيت فكانت عيناه وكأنهما تحذراني آخر مرة تحدثت فيها مع ابنتي قبل سفري...أحضرت لي قهوة وعانقتني بقوة وقالت استمتعي برحلتك إلى لندن يا أمي. تستاهلين كل خير كنت ذاهبة لزيارة أختي سارة التي كانت تلح علي منذ سنوات كي أزورها ودلال هي من أصرت على الرحلة اشترت التذكرة وساعدتني في تجهيز الحقائب وتأكدت بنفسها من أدويتي يا لها من ابنة صالحة...كم كنت ساذجة بينما كنت أمشي في شوارع لندن القديمة...كانت هي تبيع منزلي وبينما كنت أرسل لها صور الساحات والمقاهي...كانت توقع أوراق نقل الملكية وبينما كنت أشعل شمعة لروح راشد في كنيسة تاريخية خلال الرحلة...كانت ابنتي تمحو اسمي