دفتر جدتي
المحتويات
ساعدوا على إشعالها بدأت تقترب منهم.
وفي الشارع الرئيسي بدأت أصوات صفارات الشرطة تقترب.
فجأة استدار أبي وركض نحو داخل الشقة.
تبعتُه دون تفكير.
كان قلبي يخفق بعنف داخل صدري.
فتح صندوق أدوات معدنيًا.
وأخرج ظرفًا سميكًا مليئًا بالأوراق.
ثم أخفاه تحت سترته.
صرخت
تلك تخص جدتي أيضًا!
لكنه اندفع خارج الباب الخلفي للشقة.
إلى الزقاق الضيق خلف البناية.
كانت الأرض مبللة ببقايا المطر.
وكنت أركض خلفه بينما تنزلق قدماي فوق الطين.
مررنا قرب عربة طعام شعبية.
ثم قرب جدار مرسوم عليه عمل فني قديم.
ثم قرب نصب صغير وضع عليه السكان بعض الشموع والزهور.
وكانت المنطقة كلها تراقب المشهد.
وصل أبي إلى الشارع الرئيسي.
ابتلعته أصوات الحافلات والسيارات للحظات.
ثم رأيته يغير اتجاهه نحو محطة النقل.
كان يظن أنه سيختفي بين الناس.
كما كان يختفي دائمًا داخل أكاذيبه.
لكن المدينة رفضت أن تخفيه هذه المرة.
ظهر شرطيان أمامه مباشرة.
وقطعا عليه الطريق قرب عربة لبيع الفطور.
دفعت البائعة عربتها المعدنية الثقيلة أمامه كحاجز.
وصرخت
ليس من هنا أيها الحقير!
تعثر أبي بقوة عند الرصيف.
وسقط الظرف من يده.
وانفجر محتواه فوق الإسفلت المبلل.
تناثرت الأوراق في كل اتجاه.
نسخ هويات.
كشوفات مصرفية قديمة.
بطاقة تعريف مزورة تحمل اسمي.
وصورة لامرأة لم أرها في حياتي من قبل.
ركعت بسرعة أجمع الأوراق.
ثم توقفت.
كانت الصورة لأمي.
إلهام.
وكانت تملك عينيّ تمامًا.
ليست عيني أبي.
بل عينيّ أنا.
في الصورة كانت تحمل سلة من المعجنات.
وتبتسم أمام زينة شعبية بسيطة.
وعلى ظهر الصورة كانت هناك عبارة مكتوبة بخط أنيق
لمن رحلوا... لكنهم لا يُنسون أبدًا.
ضممت الصورة إلى صدري.
وانفجرت بالبكاء.
بكيت أكثر مما بكيت يوم دفن جدتي.
وبينما كنت أبكي، كان رجال الشرطة يثبتون الأصفاد في معصمي أبي.
راح يقاوم ويصرخ
إنها ابنتي!
أنا من ربيتها!
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت إليه مباشرة.
ثم قلت
لا.
أنت فقط عشت على حسابي.
أما من رباني فعلًا... فلم تكن أنت.
لم أقصد جدتي فقط.
بل أمي التي رحلت.
والجارات اللواتي كن يمنحنني الطعام عندما ينقطع الغاز.
والمعلمات اللواتي أعطنني الكتب سرًا.
وكل امرأة ساعدتني على الوقوف عندما حاولت الحياة إسقاطي.
وصلت المحققة ليلى بعد دقائق.
وبدأت تجمع الأوراق المبعثرة من الأرض باعتبارها أدلة رسمية.
ثم نظرت إلي وقالت إن الطريق القانوني سيكون طويلًا.
تحقيقات مالية.
جلسات استماع.
تقارير خبراء.
محاكم.
وكثير من الكلمات الباردة التي تستخدمها القوانين لوصف أشياء تحرق القلب ألمًا.
لكنني لم أعد أخاف الكلمات.
في ذلك اليوم، وقبل أن أعود إلى غرفتي، ذهبت إلى المقبرة مرة أخرى.
لم أشترِ باقة زهور باهظة الثمن.
اشتريت باقة بسيطة من الزهور البيضاء والصفراء من بائع يقف على جانب الطريق.
كما اشتريت قطعة كليجة ساخنة ومشروبًا حلوًا.
لأن جدتي أمينة كانت تقول دائمًا
الموتى لا يأكلون، لكن أرواحهم تفرح عندما يتذكر الناس الأشياء التي كانوا يحبونها.
كان التراب فوق قبرها ما يزال جديدًا.
ركعت في المكان نفسه الذي حفرت فيه بيدي الليلة السابقة.
أخرجت صورة أمي التي عثرت عليها بين أوراق أبي.
وضعتها داخل غلاف شفاف لحمايتها.
ثم أسندتها برفق إلى الصليب الخشبي الصغير الموجود عند القبر.
وهمست
لقد نجحتِ يا جدتي.
عثرت عليها.
وعثرت على الحقيقة.
مر الهواء بين الزهور.
وللحظة قصيرة جدًا، شعرت وكأنني أسمع صوتها.
صوتها المتعب الدافئ.
وهي تطلب مني أن أرتب شعري.
وألا أخرج من المنزل دون معطف عندما يكون الجو باردًا.
وتذكرني بما كانت تقوله دائمًا
المرأة قد تشعر بالخوف الشديد... لكنها تستطيع أن تبقى واقفة.
لم أكن أعرف بالضبط كم يوجد من المال في ذلك الحساب.
مدير المصرف أخبرني بالرقم النهائي
وكان رقمًا احتجت وقتًا طويلًا لأستوعبه.
فبعد سنوات طويلة من الفوائد المتراكمة خلال فترة التجميد،
أصبح المبلغ كافيًا لسداد جميع ديوني.
وكافيًا لإكمال دراستي العليا.
وكافيًا لشراء شقة صغيرة بعيدًا عن أي مكان يمكن أن يصل إليه سعد.
لكن أول شيء فعلته لم يكن شراء أي شيء لنفسي.
أول شيء فعلته كان طلب صناعة شاهد قبر يليق بجدتي.
شاهد بسيط ومحترم.
حُفر عليه
أمينة محمود
أم لم تلدني...
لكنها كانت أمي.
وصية.
وامرأة أوفت بكل وعد قطعته.
وطلبت أن تُنقش أسفل اسمها عبارة قصيرة
لم يتمكنوا من دفن الحقيقة.
في اليوم الذي وضعوا فيه شاهد القبر، استيقظت المدينة على شمس صافية.
ومن أعلى المقبرة كانت البيوت المتلاصقة تبدو كأنها جزء من لوحة كبيرة نابضة بالحياة.
وقفت هناك طويلًا.
أفكر في السنوات التسع عشرة التي حملت فيها جدتي هذا السر وحدها.
تسع عشرة سنة من الخوف.
وتسع عشرة سنة من المقاومة.
وتسع عشرة سنة من الصمت.
من دون تصفيق.
ومن دون تكريم.
ومن دون أن يعرف أحد ما كانت تفعله من أجلي.
أما أنا...
فقد توقفت أخيرًا عن حمل أخطاء أبي فوق كتفي.
وعندما خرجت من بوابة المقبرة، كان دفتر التوفير الأزرق داخل حقيبتي.
لم يعد تفوح منه رائحة الطين الرطب.
بل رائحة الورق القديم.
ورائحة مطبخ جدتي.
ورائحة يديها.
وعند زاوية الشارع، كانت طفلة صغيرة تطلب من أمها قطعة حلوى.
ابتسمت الأم.
واشترتها لها.
ثم طلبت منها أن تشاركها مع أخيها الصغير.
ابتسمت دون أن أشعر.
ولأول مرة في حياتي كلها...
لم يعد المستقبل يبدو تهديدًا.
بدا كأنه باب مفتوح.
وهذه المرة...
لم يعد المفتاح بيد أي شخص سواي.
أبي رمى دفتر التوفير الخاص بجدتي داخل قبرها وقال إنه لا يساوي شيئًا. وفي اليوم التالي، ذهبت إلى المصرف وأنا أحمل ذلك الدفتر المغطى بالطين... وما إن رأته الموظفة حتى شحب وجهها واتصلت بالحماية
كان الدفتر
متابعة القراءة