تركتنا امي نحن السبعة
...دَين كبير..
وقعت الكلمة فوق الطاولة مثل حجر ثقيل.
بقيت زينب واقفة بلا حركة.
أي دَين؟
شدّت أم أحمد الملف إلى صدرها.
أمكم أخذت فلوس من ناس مو زينين. مو مرة وحدة. مرات كثيرة. بالبداية قالت تريد تفتح شغل بسيط. وبعدها أخذت حتى تسدد اللي عليها. وبعدين بدأت تعطيهم نسخ من أوراقكم، شهادات ميلادكم، بطاقاتكم المدرسية، وحتى أوراق تخص البيت... كضمان.
حسيت معدتي تنقلب.
أوراقنا إحنا؟
هزّت أم أحمد رأسها.
وتوقفت موظفة الرعاية عن الكتابة.
عندك إثباتات؟
قالت أم أحمد
عشان هيك جبت هذا الملف.
فتحت الملف.
خرجت أوراق قديمة مصفرّة، وصولات رهن، صور مطبوعة من محادثات، شكوى رسمية مقدمة في مركز الشرطة، وصور لأمي وهي تدخل بيتًا صغيرًا في طرف السوق الشعبي مع رجل يلبس قميصًا أحمر.
أخذت زينب ورقة.
كانت يداها ترتجفان لدرجة أنها كادت تمزقها.
هنا مكتوب إنها... إنها حاولت تأخذ فلوس مقابل أحمد.
لم يتكلم أحد.
الطفل، وكأنه فهم ما يدور حوله، بدأ يحرك يديه الصغيرتين وهو في أم أحمد.
قالت أم أحمد بسرعة
لم تفعلها. ما لحقت. أنا لحقتها.
وضعت زينب يدها على فمها.
أنتِ كنتِ تعرفين؟
أغمضت أم أحمد عينيها.
كنت أشك. أمكم كانت تقول كلامًا قاسيًا عندما تظن أن لا أحد يسمعها. كانت تقول إنكم حمل ثقيل عليها، وإن أحمد وُلد حتى يربطها بهذا البيت، وإن زينب صارت كبيرة وتقدر تتحمل وتشتغل. وفي يوم من الأيام رأيتها تخرج ومعها الطفل ملفوف بغطاء، ومن غير حقيبة ولا حليب ولا أي شيء. قلبي لم يطمئن. لحقتها إلى سوق شعبي بعيد في أطراف بغداد.
اعتدلت موظفة الرعاية في جلستها.
ماذا حدث هناك؟
رجل أعطاها فلوس. وهي أرتْه الطفل. أنا اتصلت بالشرطة من صيدلية قريبة. وعندما رأت دورية الشرطة، ركضت وهي تحمل أحمد. في تلك الليلة رجعت إلى البيت غاضبة ومكسورة. وبعد يومين
انفجرت زينب بالبكاء.
لماذا لم تخبرينا؟
نظرت إليها أم أحمد بحزن عميق.
لأنني أنا أيضًا خفت يا ابنتي. أنا امرأة كبيرة، وأعيش وحدي، وهؤلاء الرجال ليسوا ناسًا عاديين. لكن عندما رأيت دائرة الرعاية جاءت حتى تفرقكم، فهمت أن خوفي صار واقفًا في طريقكم.
أخذت موظفة الرعاية الأوراق.
وقرأتها ببطء.
تغير وجهها.
لم تعد تلك المرأة صاحبة الصوت الهادئ والقلم المخيف.
صارت امرأة تفهم أن هذا البيت لم يكن فقيرًا فقط.
بل كان مهددًا.
سألت
أين أمكم الآن؟
هزّت زينب رأسها.
لا نعرف.
أنا كنت أعرف شيئًا.
لم أقله في البداية لأنني كنت أشعر بالخجل والخوف.
قبل ثلاث ليالٍ، رأيت أمي واقفة عند زاوية الشارع، تحت ضوء العمود الأصفر. كانت تلبس نظارة سوداء رغم أن الوقت كان ليلًا. لم تدخل. فقط بقيت تنظر إلى البيت، تعد النوافذ، ثم ركبت سيارة أجرة وذهبت.
عندما قلت ذلك، التفت الجميع نحوي.
أمسكت زينب بذراعي.
لماذا لم تخبرني؟
قلت لها
لأنني ظننت أنك ستبكين مرة أخرى.
انهارت أختي.
في تلك اللحظة فهمت أن الأطفال أحيانًا يخفون الحقيقة حتى يحموا الكبار الذين يحمونهم.
أغلقت موظفة الرعاية قلمها.
يجب أن أتواصل مع قسم حماية الأسرة والطفل.
بدأت سارة ترتجف.
هل ستأخذوننا؟
نظرت إليها المرأة.
ولأول مرة، لم تنظر إليها كملف.
بل كطفلة.
لن أكذب عليكِ. نحن نحتاج أن نراجع وضعكم. لكن هناك أمر مهم قلة المال وحدها ليست سببًا كافيًا لتفريق الإخوة إذا كانت حولهم شبكة دعم آمنة.
رفعت أم أحمد رأسها.
هنا توجد شبكة دعم.
قالت الموظفة
يبدو ذلك. لكن يجب أن نجعل الأمر رسميًا.
بدت لنا تلك الكلمة كبيرة جدًا.
رسميًا.
كأن الحب يحتاج إلى حذاء أسود وتوقيع.
لكن أم أحمد لم تخف.
قولي لي أين أوقع.
مسحت زينب دموعها.
وأنا أيضًا.
نظرت إليها المرأة.
أنتِ عمرك 18 سنة يا زينب. قانونيًا أنتِ بالغة، لكن رعاية ستة أطفال أصغر منك ليست أمرًا بسيطًا.
قالت زينب
أنا لست وحدي.
أم أحمد الطفل أحمد .
لا يا ابنتي. لم تعودي وحدك.
في تلك الليلة لم يفرقونا.
خرجوا من البيت ومعهم نسخ من الأوراق والصور، ومعهم وعود بأنهم سيعودون. أما نحن فبقينا حول قدر الشوربة، نأكل وكأن كل ملعقة كانت تسند جدران البيت.
قدمت أم أحمد الطعام لنا جميعًا.
أما زينب، فقد وضعت لها صحنًا أكبر.
أنتِ اليوم تأكلين أولًا.
حاولت أختي أن ترفض.
لكن الجارة أسكتتها بقطعة خبز ساخنة.
حتى الأمهات يأكلن.
خفضت زينب نظرها.
أنا لست أمًا.
جلست أم أحمد أمامها.
صحيح. أنتِ أخت. وهذا وحده كان أكثر مما يحتمله قلبك. لذلك من الغد سنتوقف عن التظاهر بأنك تستطيعين حمل كل شيء وحدك.
في اليوم التالي، عرف الحي كله.
ليس بسبب الكلام والفضول.
بل بسبب التنظيم.
طرقت أم أحمد أبواب الجيران.
أم علي التي تبيع الطعام قرب المدرسة عرضت أن ترسل لنا عشاء ثلاث مرات في الأسبوع.
أبو كريم، الميكانيكي، قال إنه يستطيع أن يوصلنا إلى المدرسة عندما تمطر أو عندما تتأخر زينب.
معلمة سارة أرسلت دفاتر وأقلامًا.
وصاحبة المكتبة الصغيرة أعطتنا دفاتر قديمة أغلفتها باهتة، لكنها كانت جديدة بالنسبة لنا.
في أحياء بغداد الفقيرة، يظهر الفقر بسرعة.
لكن يظهر أيضًا عندما يقرر الناس أن طفلًا لا يجب أن يسقط وحده.
الزيارة الثانية من دائرة الرعاية كانت مختلفة.
جاءت موظفة الرعاية ومعها شخصان آخران.
فحصوا البيت.
نظروا إلى الطعام.
إلى الفرش.
إلى اللقاحات.
سألوا عن المدرسة.
عن دخل زينب.
عن أحمد.
عن التوأم مصطفى وسجى.
كرهت كل سؤال.
كنت أشعر أنهم يفككون بيتنا بكلمات هادئة.
لكن أم أحمد كان لديها جواب لكل شيء تقريبًا.
أخرجت دفترًا.
الاثنين فطور، خبز وبيض.
الثلاثاء موعد لقاح أحمد.
الأربعاء واجب علي.
الخميس زينب تنام من
الثانية إلى الرابعة.
الجمعة أم علي ترسل رز ومرق.
قلبت موظفة الرعاية صفحات الدفتر بصمت.
ثم نظرت إلى زينب.
هذا ليس مثاليًا.
شدّت زينب شفتيها.
لا شيء هنا مثالي.
قالت الموظفة
لكنه رعاية.
أطلقت أختي نفسًا طويلًا.
كأنها منذ أسابيع لم تتنفس بشكل كامل.
أعطونا إجراءً مؤقتًا.
لم أفهم الكلمات القانونية كلها، لكنني فهمت الأهم لن يأخذونا في تلك الليلة. ستبقى أم أحمد داعمة في الرعاية، وتحت المتابعة. وستحصل زينب على مساعدة قانونية. وستبحث الجهات المختصة عن أمنا بسبب ترك الأطفال واحتمال تعريضهم للخطر.
عندما خرجوا، سارة أم أحمد.
ثم سجى.
ثم مصطفى.
ثم علي.
كان عمري 12 سنة، وكنت أظن أن البكاء أمام الناس خسارة.
سحبتني أم أحمد من أذني بخفة.
وأنت أيضًا دورك يا عنيد..
كانت رائحتها خليطًا من الشوربة والصابون وفناء البيت بعد المطر.
كانت رائحتها مثل البيت.
الأسابيع التالية كانت غريبة.
ليست سعيدة.
غريبة فقط.
لأن الإنسان عندما يترك بيتًا، لا يترك أسرّة فارغة فقط.
يترك عادات مكسورة.
أحمد كان يبكي ليلًا.
سجى كانت تخبئ الطعام في جيوبها.
مصطفى صار يبلل فراشه.
علي كان يغضب من أي شيء.
وسارة كانت تسأل كل يوم
هل ستعود أمي؟
وكانت زينب تجيب
لا أعرف.
كانت هذه أكثر إجابة صادقة وقاسية في الوقت نفسه.
أنا توقفت عن كنس الرصيف لفترة.
كنت أخاف أن يسألني أحد مرة ثانية
أين أمك؟
إلى أن وضعت أم أحمد المكنسة في يدي.
وقالت
الكنس لا يعني أنك تنتظر أحدًا. الكنس يعني أننا ما زلنا هنا.
فعدت أكنس.
وتعلمت أيضًا أن أحمل أحمد.
وأن أطبخ الرز من غير أن أحرقه.
وأن أوقع ملاحظات المدرسة عن التوأم عندما
لم يكن يجب أن أتعلم كل هذا مبكرًا.
لكن هناك طفولات تكبر في أسبوع واحد.
بعد شهر، عادت أمي.
لم تطرق الباب.
بل ضربته بقوة.
كان الليل ممطرًا.
والماء يجري في الزقاق مثل نهر أسود.
في الزاوية كان صاحب عربة الشاي يجمع أغراضه، والكلاب تنبح، وسيارة قديمة مرت وهي تترك خلفها دخانًا.
صرخت أمي
زينب! افتحي الباب!
بقينا جميعًا ساكتين.
بدأ أحمد يبكي.
خرجت زينب من الغرفة وشعرها مفكوك ووجهها أبيض.
قالت أم أحمد
لا تفتحون.
لكن أمي واصلت ضرب الباب.
هؤلاء أولادي! لا أحد يستطيع أن يأخذهم مني!
اتصلت