تركتنا امي نحن السبعة

لمحة نيوز

أم أحمد بموظفة الرعاية.
ونظرت أنا من الشباك.
أمي لم تكن وحدها.
كان خلفها الرجل صاحب القميص الأحمر.
نفس الرجل الذي ظهر في الصور.
كانت يداه داخل جيوبه، وعلى وجهه ابتسامة مائلة.
همست
زينب... هذا هو.
وقفت أختي أمامنا.
كما تفعل دائمًا.
لكن هذه المرة وقفت أم أحمد أمامها.
وقالت
اليوم ليس دورك أن تحملي كل شيء.
لم تتأخر الشرطة كثيرًا لأن البلاغ كان موجودًا من قبل.
وصلت الدورية وأضواؤها الحمراء والزرقاء تنعكس على الشارع المبلل.
بدأت أمي تبكي فور رؤيتهم.
يريدون سرقة أولادي مني! هذه العجوز تحرضهم عليّ!
ابتعد الرجل قليلًا.
ليس كثيرًا.
فقط بالقدر الذي يجعله يتظاهر أنه لم يأتِ معها.
خرج أبو كريم، الميكانيكي، من بيته وهو يحمل مفتاحًا حديديًا بيده.
لا تفكر تركض.
ركض الرجل.
لكنه لم يبتعد كثيرًا.
أمسكوا به عند زاوية الشارع، قرب عربة الذرة المشوية.
أما أمي، فأجلسوها في سيارة الشرطة.
كنت أنتظر أن أرى الندم في عينيها.
لكنها لم تكن نادمة.
كانت تنظر إلينا من خلف الزجاج بغضب.
ليس بحب.
بغضب.
كأننا نحن الذين خربنا حياتها الجديدة لأننا ما زلنا موجودين.
حاولت سارة أن تركض نحوها.
لكن زينب أمسكتها بقوة.
لا يا سارة.
قالت سارة وهي تبكي
إنها أمي.
بكت زينب.
نعم. لكنها اليوم ليست مكانًا آمنًا.
في تلك الليلة أخذونا للإدلاء بأقوالنا.
سألوني أسئلة لا يجب أن يجيب عنها طفل.
هل كان لدينا طعام؟
هل كانت أمي تضربنا؟
هل أخذت أحمد معها من قبل؟
هل كانت زينب تتركنا وحدنا؟
أجبت عن كل شيء.
أعطتني الموظفة كوب ماء وقالت إنني كنت شجاعًا.
لكنني لم أشعر بالشجاعة.
شعرت بالتعب فقط.
بعد أشهر، عرفنا أكثر.
أمي كانت قد استدانت أموالًا باسم زينب.
ورَهنت التلفزيون والغسالة وحتى
الأدوات التي تركها جدي.

ووعدت بأن تجعل سارة تعمل في البيوت عندما تكبر قليلًا.
وكذبت وقالت إن أحمد لا أهل له حتى تأخذ مالًا من عائلة كانت تريد طفلًا بأي طريقة.
لا أعرف أي جزء كان أبشع.
ربما أن تفهم أن أمًا يمكن أن تنظر إلى أطفالها وترى فيهم فلوسًا.
كبر ملف أم أحمد.
لم يعد مجرد صور وشكاوى.
صار دفاعنا.
به استطاعت زينب أن تثبت أنها لم تكن فتاة عنيدة تمنع إخوتها عن أمهم، بل كانت البالغة الوحيدة التي لم تهرب.
وصارت أم أحمد معترفًا بها كداعمة في الرعاية.
وصارت دائرة الرعاية تتابعنا، وترسل لنا مساعدات غذائية، وتحولنا إلى دعم نفسي، وتوفر لنا أماكن في نشاطات قريبة، حيث تعلم التوأم السباحة، وبدأت سارة تتعلم الرقص الشعبي في مركز شبابي.
أما أنا، فأرسلوني إلى جلسات نفسية.
لم أكن أريد الذهاب.
كنت أقول إنني بخير.
سألتني الأخصائية
متى كانت آخر مرة لعبت فيها؟
لم أعرف كيف أجيب.
وهذا جعلني أبكي أكثر من الكلام عن أمي.
حصلت زينب على عمل نهاري في مخبز قريب من الشارع العام.
لم تعد تنظف المكاتب في الليل.
وكانت أم أحمد تعتني بأحمد في الصباح، وتعلمنا كيف نرتب السفرة من غير شجار.
بيتنا بقي صغيرًا.
وكان البرد ما يزال يدخل في الشتاء.
وكان المال ما يزال قليلًا.
لكن لم يعد ينقصنا التخطيط.
وهذا يغير كل شيء.
بعد سنة، كانت هناك جلسة في المحكمة.
حضرت أمي وبطنها كبير.
والرجل صاحب القميص الأحمر لم يكن معها.
قالت إنها أخطأت، وإنها كانت مريضة بالحزن، وإنها تريد استعادة أولادها.
بكت سارة عندما رأتها.
أما أحمد فلم يعرفها.
وكان هذا هو الأسوأ.
مدّت أمي يديها نحوه.
ابني حبيبي.
اختبأ أحمد خلف أم أحمد.
عندها انكسرت أمي.
لا أعرف هل كان ذلك بسبب الحب.
أم بسبب الكبرياء.
تكلمت القاضية
بوضوح.

قالت إن حق الأطفال في العيش مع الأسرة لا يعني إعادتهم إلى شخص عرّضهم للخطر.
وقالت إن الإخوة يجب أن يبقوا معًا طالما توجد شبكة آمنة حولهم.
وقالت إن زينب وأم أحمد أثبتتا الرعاية والاستقرار والالتزام.
لم أفهم كل شيء.
لكنني رأيت زينب تبكي ويداها على فمها.
وعرفت أن هناك شخصًا يملك سلطة صدّقها أخيرًا.
خسرت أمي الحضانة.
لم تخسر إمكانية رؤيتنا إلى الأبد، لكنها حصلت فقط على زيارات تحت إشراف، وعلاج، والتزامات واضحة.
سمعت كل ذلك ووجهها قاسٍ.
وعندما خرجنا، نادتني.
حسين.
توقفت.
أمسكت زينب يدي، لكنها لم تسحبني.
نظرت إليّ أمي وكأنها تبحث في وجهي عن الطفل الذي يمكنها أن تؤثر عليه مرة أخرى.
قالت
انتبه على إخوتك.
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
ليس لأنها طلبت مني ذلك.
بل لأنها ما زالت تجرؤ أن تضع على كتفي ما هربت منه.
قلت لها
لا.
فتحت عينيها بدهشة.
ماذا؟
كان صوتي يرتجف.
لكنني قلتها.
يهتم بهم من يبقى. أنا أيضًا أريد أن أكون طفلًا.
أطلقت أم أحمد شهقة بكاء خلفي.
لم ترد أمي.
مشت في ممر المحكمة، تحمل بطنها ووحدتها.
في تلك الليلة أكلنا دولمة.
لم تكن مناسبة فرح، لكن أم أحمد قالت إن بعض الانتصارات تحتاج إلى قدر دولمة ولبن بارد.
ضحكت زينب لأول مرة منذ زمن طويل وفمها ممتلئ بالطعام.
ومشى أحمد ثلاث خطوات.
صرخنا جميعًا وكأن العراق فاز بكأس العالم.
خاف الطفل وجلس على الأرض فجأة.
ثم ضحك هو أيضًا.
مرت السنوات.
لم تكن كلها سهلة.
سارة صارت تخاف عندما يغلق أحد الباب بقوة.
علي أصبح أكثر جدية.
والتوأم مصطفى وسجى كبرا وهما لا يفترقان.
أما أحمد، فتعلم أن يقول ماما أحمد قبل أن يقول ماما، لأنه كان ينادي أم أحمد هكذا بطريقته الصغيرة.
أنهت زينب دراستها المسائية.
في اليوم الذي حصلت
فيه على شهادتها، بكت أكثر من يوم نجونا من التفريق.

قالت
إنها مجرد ورقة.
وضعت أم أحمد يديها على كتفيها.
لا يا ابنتي. هذه باب.
أنا درست الخدمة الاجتماعية.
لم أخطط لذلك.
لكن في يوم ما فهمت أنني لا أريد أن أنسى صوت قلم موظفة الرعاية وهو يكتب مصيرنا.
أردت أن أكون في الجهة الأخرى من الطاولة، وأتذكر أن كل ملف له رائحة شوربة، وإخوة متلاصقون، وفتاة عمرها 18 سنة تصرخ أنا مصلحتهم.
كبرت أم أحمد معنا.
وصار بيتها وبيتنا كأنهما بيت واحد.
أزلنا السياج الصغير بين الفناءين.
زرعت نعناعًا وريحانًا وشجرة ليمون لم تكن تثمر كثيرًا، لكنها كانت تدافع عنها كأنها شيء مقدس.
كانت تقول
العائلة أيضًا تحتاج وقتًا حتى تثمر.
ظهرت أمي عدة مرات.
أحيانًا كانت بحال أفضل.
وأحيانًا لا.
أنجبت الطفل.
ثم تركته عند قريبة للرجل صاحب القميص الأحمر، واختفت مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يدمرنا الأمر كما كان سابقًا.
الألم يصبح أخف عندما يفهم الإنسان أن الترك يحكي عن الذي يرحل، لا عن الذي يبقى واقفًا ينظر إلى الباب.
يوم تخرجت من الجامعة، أخذت أم أحمد معي إلى القاعة.
كانت زينب تمشي بجانبي ومعها أحمد، الذي صار شابًا طويلًا، يلبس قميصًا أبيض.
وسارة كانت تحمل وردًا.
وعلي كان يصور كل شيء.
أما التوأم، فوصلوا متأخرين لأنهم ضاعوا في الطريق، كعادتهم دائمًا.
عندما نادوا اسمي، بحثت عن أم أحمد بين الناس.
كانت تبكي وتمسح عينيها بمنديل.
وبعد الحفل، في الخارج، أعطيتها شهادة التكريم.
هذه أيضًا لكِ.
ضربتني بخفة على ذراعي.
لا تبدأ بكلام المسلسلات.
قلت لها
أنتِ جئتِ بقدر شوربة وملف أصفر. هذا وحده يصلح لمسلسل كامل.
ضحكت.
ثم أصبحت جادة.
لا يا حسين. أنا جئت لأنكم كنتم أحياء. والأحياء يجب أن نحميهم.
ولم أعد أخجل من
البكاء.

اليوم، عندما أمر من ذلك الشارع في بغداد، ما زلت أرى الطفل الذي كنته وهو يكنس الرصيف، يجمع شجاعته حتى يقول إن أمه رحلت.
أرى زينب بعينيها المتعبتين وهي تحضر طعام المدرسة.
أرى أحمد يبحث عن حضن.
أرى سارة ممسكة بقميصي، والتوأم يبكيان لأن امرأة تحمل ملفًا كان يمكن أن تقسمنا إلى أجزاء.
لكنني أرى أيضًا أم أحمد وهي تعبر الشارع ومعها قدر شوربة ساخنة.
أرى الملف الأصفر.
أرى الأدلة.
أرى اليد المتجعدة التي وقفت بيننا وبين العالم.
أمي ذهبت هاربة من دَين.
وأم أحمد بقيت تدفع من وقتها وطعامها وحبها ثمن شيء لم تكن هي سببه.
ولهذا تعلمت
تم نسخ الرابط