حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ابني كلمني في التليفون يا أمي، أنا هتجوز بكرة.. سحبت كل فلوسك من البنك وبعت شقتك!
اتصل بيا ابني باسم يوم الأربعاء العصر، وصوته كان فيه فرحة عمري ما سمعتها منه من سنين.
يا أمي، عندي ليكي خبر يجنن! أنا هتجوز نسمة بكرة، مش هنستنى أكتر من كده.. وعاملين حفلة مفاجأة في مركب سياحي على النيل.
يا دوب لسه بفتح بوقي عشان أبارك له، قاطعني بحماس غريب زي الأطفال
آه، وكمان في حاجة.. أنا خلاص حولت كل الفلوس اللي في حساباتك لحسابي الشخصي، محتاجهم لمصاريف الفرح وشهر العسل في جزر المالديف. وبالنسبة لشقتك اللي عالنيل دي.. اللي بتحبيها قوي.. أنا بعتها خلاص، ومضيت العقود النهاردة بالتوكيل اللي عملتيهولي السنة اللي فاتت. الفلوس بقت في جيبي، والملاك الجدد عايزينك تخلي الشقة خلال تلاتين يوم. يلا يا أمي.. أشوفك على خير، ده لو شفتك تاني أصلاً!
وراح قفل السكة في وشي.
وقفت مكاني متسمرة في نص الصالة، عيني على النيل من ورا الشباك الكبير بتاع شقتي في الزمالك. السكوت كان قاټل. أي أم تانية كانت صوتت، كانت بكت، كانت اترجته.. لكن أنا، أنا قعدت أضحك!
ضحكت لدرجة إن ركبي ما شالتنيش وقعدت على الكرسي عشان ما أقعش.
لأن ابني.. ابني المحامي الشاطر.. لسه عامل أكبر غلطة في حياته.
عشان تفهموا

أنا بضحك على مصېبتي ليه، لازم نرجع ورا شوية.
اسمي زينب، عندي 64 سنة. كل مليم حيلتي دفع ثمنه سنين شقى وتعب وسهر وتضحية. أنا وجوزي الله يرحمه حسين، بدأنا بمخبز صغير في السيدة زينب. كنا بنشتغل سبعة أيام في الأسبوع، لا إجازات ولا راحة، إيدينا دايماً في الدقيق وجسمنا هلكان. المخبز ده بقى اتنين، وبعدين بقى سلسلة محلات سوبر ماركت كبيرة. لما حسين اتوفى من 12 سنة، بعت الشغل كله واستثمرت الفلوس في العقارات والبورصة، وقلت أعيش اللي فاضل لي في هدوء.
كان نفسي أسافر، أرتاح، وأأمن مستقبل ابني الوحيد باسم.
باسم طول عمره ذكي، ولبق، وشكله زي الفل.. بس كان فيه عيب خطېر بيحب السكة السهلة. درس حقوق وبقى محامي، بس عمره ما حب التعب. كان يهمه المنظرة، البدلات الغالية، الساعات البراند، والصور في المطاعم الشيك، والعربيات الزيرو. ساعدته كتير، دفعت إيجار مكتبه، غيرت له عربياته كذا مرة، وسددت ديون فيزا المشتريات اللي كانت بتوصل للحد الأقصى بالغلط. كنت فاكرة إني بدعمه، لكن الحقيقة إني كنت بربي راجل ما بيعرفش يعيش من غير ما حد يحل له مشاكله.
وكل حاجة باظت أكتر يوم ما ظهرت نسمة في حياته.
نسمة كانت من بتوع البلوجرز، اللي تبتسم بوشها وتحسبها بعينيها. جميلة، شيك، ريحتها دايماً
برفان غالي، ليل نهار بتصور نفسها وتتكلم عن السفر والماركات. أول مرة جت تتعشى عندي في البيت، ما بصتليش أصلاً.. كانت بتبص على اللوحات، الأطباق، النجف، وخواتمي.
شقتك تحفة يا طنط.. قالتها وهي بتعاين الصالة.. دي تعمل لها مبلغ وقدره. ما فكرتيش تبيعيها وتنزي في حاجة أصغر تناسب سنك؟
ابتسمت وقتها وقلت لها لأ.
بس باسم لقط الفكرة وحطها في دماغه. ومن يومها والضغط بدأ
يا أمي سيبيني أدير لك حساباتك.
يا أمي امضي لي التوكيل ده عشان أخلص لك مصالحك بدل وقفة الطوابير.
يا أمي لازم تنظمي أملاكك أحسن من كده.
كنت دايماً بمشيها بسلامة نية، لحد من ست شهور لما جالي التهاب رئوي حاد ودخلت المستشفى عشر أيام. كنت تعبانة، تحت تأثير العلاج، وسخونيتي عالية. باسم كان بيزورني كل يوم، مهتم بيا جداً.. وفي وسط الزيارات دي،
طلع لي ورق.
يا أمي ده مجرد تفويض لشركة التأمين.. امضي هنا.
وثقت فيه.. ومضيت.
لما خرجت من المستشفى، ابني اتغير تماماً. بقى بارد، بعيد، ما بيسألش عليا، كل أسئلته عن الحسابات والمفاتيح والتوكيلات. وبعدين فجأة أعلن إنه هيتجوز نسمة من غير ما يشاورني، لحد ما جه الاتصال بتاع النهاردة أخدت فلوسك.. وبعت شقتك.
قمت دخلت مكتبي، فتحت الخزنة المستخبية ورا صورة حسين. وهناك كان
السلاح الحقيقي.
قبل عشر سنين، بعد ما بقيت أرملة علطول، محامي الضرائب بتاعي قالي جملة عمري ما نسيتها
يا ست زينب، الست اللي عندها أملاك ووريث واحد، لازم تحمي نفسها حتى من اللي عقلها ما يتخيلوش.
عشان كده، أسسنا شركة عائلية لإدارة العقارات. كل أملاكي، بما فيها الشقة اللي أنا قاعدة فيها دي، مش باسمي كفرد.. دي باسم الشركة. أنا المديرة المسؤولة وليا كامل التصرف مدى الحياة. باسم له حصة في الشركة، بس ملوش حق التصويت ولا حق البيع. وكان فيه بند واضح وصريح لا يمكن بيع أي عقار بدون التوقيع الإلكتروني بتاعي بصفتي المديرة.
أما بالنسبة للفلوس، فالموضوع كان أبسط بكتير. باسم ما يعرفش غير حسابي الجاري، اللي بسيب فيه كام ألف جنيه لمصاريف البيت والشهر. ثروتي الحقيقية كانت في حسابات استثمار مربوطة بالشركة في بنوك هو أصلاً ما يسمعش عنها.
بمعنى تاني، باسم ما سرقش ثروتي.. هو سرق الفكة اللي في جيبي.
والمصېبة الأكبر هي الشقة هو باع حاجة قانونياً مش من حقه يبيعها.
يعني ابني المحامي.. وقع في چريمة ڼصب وتزوير.
عملت لنفسي فنجان قهوة، وقعدت أفكر. كان قدامي حلين الأول إني أكلمه، أحذره، وألحقه من السچن. التاني إني أسيب الدنيا تعلمه الدرس اللي أنا فشلت أعلمهوله في تلاتين سنة.
افتكرت
صوته في التليفون وهو
بيقول أشوفك
تم نسخ الرابط