طردوا اهلهم برة البيت
وسابهم.
بس المرة دي هما اللي واقفين في الشارع من غير سند.
والمطر بدأ ينزل تاني
بس المرة دي مش عليهم.
عليهم هما.
المطر كان لسه بينزل بس المرة دي كان تقيل بطريقة غريبة، كأنه بيغسل حاجة أكبر من مجرد شوارع بيغسل وجوه، وذكريات، وذنوب.
أول ما باب البيت اتقفل ورا منصور وزينب، سابوا وراهم صمت تقيل جوه الشقة صمت مفيهوش غير صوت أنفاس متلخبطة وخوف بدأ يتسلل لقلوب الأربعة لأول مرة.
الابن الكبير حاول يتمالك نفسه، مسك الورق اللي منصور سابه، إيده كانت بتترعش رغم إنه بيحاول يبان ثابت عينه جريت على السطور ومع كل كلمة، وشه كان بيتسحب منه اللون أكتر.
إيه ده؟! إيه ده؟!
البنت قالت بعصبية في إيه يا أحمد؟ ما تنطق!
رد بصوت مكسور إحنا إحنا مبقيناش مالكين حاجة البيت ده كله رجع باسمه وباسم الشركة
سكتوا.
كأن حد قطع النور فجأة جواهم.
الابن التالت، اللي كان طول الوقت ماسك موبايله، رماه فجأة على الأرض مستحيل! ده كان بيشتغل في ورشة! إزاي يبقى
الصغير قعد على الكنبة وهو بيعيط فعلاً المرة دي إحنا عملنا إيه إحنا عملنا إيه في نفسنا؟!
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تفسير هما خسروا كل حاجة في لحظة زي ما خسروا أهاليهم.
في الفيلا
زينب كانت قاعدة على طرف السرير، لابسة هدوم جديدة، بس حاسة إنها غريبة عليها كأنها مش بتاعتها.
بصت لمنصور اللي كان واقف في البلكونة، باصص على المطر، وساكت.
قامت بالراحة وقربت منه إنت مش مبسوط صح؟
منصور ابتسم ابتسامة خفيفة باينة فيها مرارة كنت فاكر لما حقي يرجع هفرح بس طلع إن في حاجات لما بتتكسر مبتتصلحش.
زينب مسكت إيده بس إحنا لسه مع بعض وده أهم.
بص لها ولأول مرة من وقت طويل، عينه دمعت إنتي بس اللي فضلتي يا زينب الكل باع.
عدت أيام
والأخبار انتشرت بسرعة.
الحاج منصور العربي بقى اسم بيتقال في كل حتة الجرائد، الناس، رجال الأعمال الكل بيتكلم عن الراجل اللي رجع من تحت الصفر وبقى من أكبر الملاك.
لكن في بيت تاني قريب جداً كان في انهيار.
الكهربا اتقطعت.
المية اتأخرت.
الفلوس خلصت.
والأربعة بدأوا يكتشفوا إن الحياة مش سهلة زي ما كانوا فاكرين.
الابن الكبير حاول يتصل بأبوه كذا مرة مفيش رد.
البنت راحت للفيلا مرة الأمن موقفها مفيش حد بالدخول من غير إذن.
رجعت وهي منهارة هو مش عايز يشوفنا خلاص
الصغير بقى شبه شخص تاني ساكت ووشه باهت.
أما التالت بدأ يدور على شغل ولأول مرة في حياته، اتذل في مقابلات، واترفض.
وفي يوم
منصور طلب من السكرتير بلغهم ييجوا كلهم.
الخبر وصل لهم كأنه طوق نجاة.
جروا على الفيلا.
واقفوا قدام الباب نفس الباب اللي كانوا مرفهين جواه، بس المرة دي واقفين مستنين.
الباب اتفتح.
دخلوا.
قعدوا قدامه.
منصور كان قاعد بهدوء وزينب جنبه.
مفيش حد فيهم قدر يرفع عينه في عينه.
الابن الكبير بدأ إحنا غلطنا يا بابا
البنت عيطت سامحنا إحنا كنا فاكرين
قطعها منصور بصوت هادي فاكرين إيه؟ إنكم كبرتوا وبقيتوا مش محتاجين حد؟ ولا فاكرين إن اللي تعبوا عشانكم خلاص دورهم انتهى؟
سكتوا.
الصغير زحف ناحيته والنبي سامحنا إحنا نرجع زي الأول
منصور بص له طويلاً وبعدين قال اللي كان زمان مات.
الكلمة وقعت عليهم زي الصاعقة.
كمل بس أنا مش هسيبكم تقعوا لأني مش زيكم.
رفع ورق تاني هدي كل واحد فيكم فرصة شغل بس من الصفر مفيش واسطة مفيش دلع.
بص لهم بحدة واللي هيثبت نفسه هيعيش واللي هيفشل مش هيلاقي حد ينقذه.
زينب بصت له وعرفت إنه رغم كل اللي حصل قلبه لسه أب.
بدأت الرحلة.
الابن الكبير اشتغل موظف عادي تحت إدارة ناس أصغر منه.
البنت اشتغلت في خدمة العملاء بتسمع شكاوى الناس طول اليوم.
التالت اشتغل في المخازن بيشيل وينزل.
الصغير بدأ يتعلم من أول وجديد.
وكل يوم كانوا بيشوفوا جزء من التعب اللي أهلهم عاشوه.
كل يوم كانوا بيحسوا بالذنب أكتر.
وفي يوم
بعد شهور طويلة
منصور كان قاعد، وهم قدامه.
لكن المرة دي مرفوعين الرأس بس مش غرور تعب وشغل.
الابن الكبير قال أنا مش جاي أطلب حاجة أنا جاي أقولك شكراً.
زينب ابتسمت.
ومنصور
والمطر وقف أخيراً.