طردوا اهلهم برة البيت
في ليلة من ليالي الشتا التقيلة في مصر الجديدة، كانت السما مفتوحة على الآخر، المطر بينزل كأنه انتقام من الدنيا كلها، والبرد داخل في العضم من غير استئذان، والشارع فاضي إلا من صوت الهوا وصفير العربيات اللي بتعدي بسرعة وبتختفي وفي وسط المشهد ده، كان الحاج منصور والحاجة زينب ماشيين، جسمهم مبلول، هدومهم تقيلة من المية، وخطوتهم أبطأ من عمرهم نفسه، كأن كل خطوة فيها وجع سنين.
زينب كانت بتترعش، مش بس من البرد من القهر. إيدها ماسكة شنطة قديمة، والتانية بتحاول تثبت الشمسية المكسورة اللي مش نافعة، وعينيها تايهة مش في الشارع لا، في البيت اللي خرجت منه من شوية.
البيت اللي اتبنت طوبة طوبة بدمهم.
البيت اللي اتردوا منه.
أما منصور، فكان ماشي ساكت، رافع راسه بالعافية، بس اللي يعرفه كويس كان هيشوف إن الراجل ده مكسور من جواه، مكسور بطريقة مفيش حاجة بعدها.
صوت ابنه الكبير لسه بيرن في ودنه كفاية كده يا بابا البيت باسمي، وإنتوا وجودكم هنا بقى عبء.
عبء!
الكلمة دي كانت
وقفوا تحت عمود نور، المية بتنزل عليهم زي السكاكين، وزينب قالت بصوت مهزوز نروح فين يا منصور؟
منصور مردش لأنه مكانش عنده إجابة أو يمكن كان عنده، بس مستني اللحظة.
فجأة، العربية السوداء وقفت قدامهم، كشافاتها نورت وشهم، والباب اتفتح، ونزل راجل لابس بدلة شيك، ملامحه فيها جدية ولهفة في نفس الوقت.
قرب منهم وقال الحاج منصور العربي؟
منصور رفع عينه وبص له نظرة هادية أيوه أنا.
الراجل اتنهد براحة كأنه لقى كنز ضايع إحنا بندور عليك بقالنا سنين حضرتك لازم تيجي معانا حالاً.
زينب مسكت في دراع جوزها بخوف هو في إيه؟
الراجل بص لها باحترام حضرتك لازم تعرفي جوزك مش مجرد راجل عادي.
منصور غمض عينه لحظة، وبعدين طلع الظرف الأصفر من جيبه الظرف اللي كان مخبيه سنين واللي عمره ما فتحه قدام حد.
وقال بهدوء أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي بس مكنتش متخيل إنه هييجي بعد اللي حصل النهاردة.
ركبوا العربية والمطر لسه شغال، بس جوا العربية كان في صمت تقيل لحد ما الراجل
منصور زمان قبل الجواز وقبل العيال كان شغال في واحدة من أكبر شركات الاستثمار، وكان شريك مش صغير بالعكس، كان واحد من المؤسسين الحقيقيين بس حصلت خيانة من أقرب الناس ليه شركاءه زوروا أوراق، وسرقوا كل حاجة، ولفقوا له قضية خلت سمعته تتدمر.
ساعتها، منصور اختار يختفي يسيب كل حاجة ويبدأ من الصفر اشتغل في ورشة، وتعب، وبنى حياته من جديد بس قبل ما يمشي، كان في مستندات احتفظ بيها إثباتات تدمر الناس اللي ظلموه.
المستندات دي كانت في الظرف.
والشركة بعد سنين وقعت وبدأ تحقيق كبير واكتشفوا إن الحقيقة كانت مع منصور.
والنهاردة المحكمة حكمت برجوع حقه كامل مع تعويض بالمليارات.
الراجل بص له وقال حضرتك بقيت المالك الرسمي لأكتر من 60 من الشركة وكل أملاكهم بقت باسمك.
زينب شهقت، وإيدها على قلبها يعني إحنا؟
منصور بص قدامه وقال بهدوء غريب أيوه بقينا اللي كانوا زمان بياخدوا مننا
بس مكنش فرحان.
ولا حتى مبتسم.
لأن في اللحظة دي افتكر ولاده.
افتكر إزاي باعوه بسهولة.
افتكر
وصلوا فيلا ضخمة نورها مولع والخدم مستنيين وكل حاجة جاهزة.
دخلوا بس زينب كانت بتبص حواليها وكأنها مش مصدقة.
أما منصور فدخل وقعد على كرسي كبير وقال هاتوا محامي.
بعد يومين
العربية السوداء وقفت قدام البيت القديم.
نفس البيت.
نفس الباب اللي اترمى منه.
نزل منصور بس المرة دي مش راجل مكسور راجل تقيل وراه قوة.
خبط الباب.
الابن الكبير فتح أول ما شافه اتصدم بابا؟!
منصور دخل من غير استئذان وبص حواليه.
كلهم اتجمعوا.
نفس الوجوه بس المرة دي فيها خوف.
قال بهدوء أنا جاي أرجع حقي.
ضحك الابن الكبير بتوتر حق إيه؟ البيت باسمي!
منصور طلع ورق حطه قدامه البيت ده متسجل باسم شركة والشركة دي بقت بتاعتي.
سكتوا.
كلهم.
بص لهم واحد واحد وقال أنا كنت سايب كل حاجة ليكم بس إنتوا اخترتوا تبقوا ولا حاجة.
زينب كانت واقفة ورا دموعها نازلة بس المرة دي مش ضعف راحة.
الابن الصغير بدأ يعيط سامحنا يا بابا إحنا غلطنا
منصور بص له وسكت.
ثواني عدت كأنها سنين.
وبعدين قال الغلط
لف ضهره ومشي.