بنتي الصغيرة حكايات زيزي
قدامي وقال
خليكي إنتِ وإيميلي هنا، وأنا هشوف مين دخل.
لكن قبل ما يتحرك، سمعنا صوت راجل من داخل البيت بيقول
جورج، أنا عارف إنك لقيت الرسالة ولازم نتكلم قبل ما تفتحوا الصندوق!
بصّيت لأبويا، ولأول مرة في حياتي شفت الخوف واضح في عينيه.
أما أنا، فكان عندي سؤال واحد بس
مين الراجل اللي دخل البيت من غير استئذان، وإيه علاقته بالسر اللي أمي احتفظت بيه أكتر من عشرين سنة؟
خرج الراجل من أوضة أمي القديمة، وكان في أواخر الستينات من عمره، لابس جاكيت بني، وماسك في إيده صورة قديمة.
أول ما شافني، وقف مكانه وبصّلي بذهول، كأنه مش مصدق إني واقفة قدامه.
قال بصوت مرتعش
إنتِ بقى بنت مريم؟
بصّيت لأبويا وسألته
بابا، مين الراجل ده؟ وإزاي دخل البيت؟
أبويا اتقدم ناحيته وقال بعصبية
إنت إيه اللي جابك هنا يا فؤاد؟ مش اتفقنا إن الموضوع ده انتهى من زمان؟
الراجل رد عليه
الموضوع ما انتهيش يا جورج، وإنت عارف كويس إن مريم كانت رافضة إن الحقيقة تفضل مستخبية للأبد!
حسّيت إن رجلي مش شيلاني.
حقيقة إيه؟! ممكن حد فيكم يفهمني أنا بتكلم عن إيه؟!
فؤاد بصّلي، وبعدها بصّ لإيميلي اللي كانت واقفة جنبي ومش فاهمة حاجة.
قال بهدوء
خلّينا نقعد الأول، لأن اللي هتعرفيه النهارده ممكن يغيّر كل اللي فاكرّاه عن طفولتك.
دخلنا الصالة، وقعد فؤاد قصادي، وحط الصورة القديمة على الترابيزة.
كانت الصورة لأمي وهي شابة، واقفة جنب ست تانية شايلة طفلة صغيرة.
أول ما شفت الطفلة، حسّيت إن ملامحها مألوفة بشكل غريب.
أخدت الصورة وسألته
مين الطفلة دي؟
فؤاد رد
دي إنتِ يا بنتي، يوم ما كنا بنحتفل بعيد ميلادك السادس.
بصّيت للصورة كويس، وقلت باستغراب
بس أنا مش فاكرة الست اللي جنب ماما دي خالص!
فؤاد تنهد وقال
لأنها مش واحدة غريبة عنك. دي كانت خالتك نادية، أخت أمك اللي سافرت برّه مصر من سنين طويلة.
اتصدمت.
أنا طول عمري كنت فاكرة إن أمي مالهاش إخوات، وعمر أبويا ما حكالي عن خالة اسمها نادية.
لفّيت ناحية أبويا، لكنه كان باصص للأرض وساكت.
صرخت فيه
بابا! إنت كنت مخبي عني إن ماما ليها أخت؟!
رفع عينيه وقال
كنت ناوي أحكيلك، بس الظروف اتعقدت، وبعد وفاة أمك كل حاجة اتأجلت.
فؤاد هزّ راسه باعتراض.
لأ يا جورج، مش دي الحقيقة كاملة. مريم طلبت منك تحافظ على علاقتها بأختها، وإنت وافقت، لكن بعد الخلاف اللي حصل بينهم، كل واحد فيهم بَعِد عن التاني.
سألته وأنا بحاول أستوعب الكلام
خلاف إيه؟ وإيه علاقة ده بالصندوق اللي بندور عليه؟
فؤاد مدّ إيده ناحية الصورة، وأشار لظهرها.
اقلبّي الصورة.
قلّبتها، فلقيت جملة مكتوبة بخط أمي
لو بنتي وصلت للحقيقة، لازم تعرف إن العيلة مش دايمًا بتكون الأشخاص اللي بنشوفهم كل يوم، لكن الأشخاص اللي بيفضلوا فاكرينا حتى وإحنا بعيد.
وتحت الجملة كان فيه عنوان قديم، وتاريخ مكتوب بعده بكام يوم من يوم عيد ميلادي السادس.
فؤاد قال
في اليوم اللي اختفيتي فيه من البيت ساعتين، كنتِ في الحقيقة مع خالتك نادية. هي كانت جاية تزور أمك، وكانت محضّرة ليكي هدية، لكن حصلت مشكلة خلت الكبار يختلفوا، وإنتِ خرجتي من البيت من غير ما حد ياخد باله.
بدأت أفتكر أجزاء صغيرة من اليوم ده؛ ورد أحمر، وصوت ست بتضحك، وعلبة هدايا ملفوفة بورق أزرق.
لكن ليه كل ده اتخبّى عني؟
سألته
طيب خالتي نادية فين دلوقتي؟
فؤاد سكت لحظة، وبعدين قال
هنا بقى الحكاية اللي لازم تعرفيها. نادية رجعت مصر من شهر، وكانت بتحاول توصل لأمك قبل ما تعرف إنها توفّت. ولما عرفت، بدأت تدور على الصندوق اللي أختها سابتهولك.
بصّيت ناحية الصندوق المعدني اللي لقيناه في الجنينة، وقلت
يعني هي اللي دخلت البيت وأخدت الصندوق الخشبي؟
فؤاد هزّ راسه.
مش بالضرورة. نادية قالتلي إنها ما دخلتش البيت، وإنها كانت بتحاول تعرف إذا كان الصندوق لسه موجود.
أبويا اتدخل أخيرًا وقال
أنا لقيت الصندوق الخشبي من أسبوع، وكان جواه جواب باسمك. لكن قبل ما أقدر أقولك عليه، اختفى من المكان اللي حطيته فيه.
سألته بصدمة
إنت لقيته من أسبوع وماقولتليش؟!
قال بحزن
كنت عايز أتأكد من حاجة الأول.
وفجأة، موبايل فؤاد رنّ.
بصّ للشاشة، ووشه اتغيّر.
ردّ على المكالمة، وسمعنا صوت ست بتتكلم بسرعة، وبعد لحظات قال
إنتِ متأكدة يا نادية؟ الصندوق موجود معاكي فعلًا؟
قلبي وقف للحظة.
فؤاد رفع عينيه وبصّلي وقال
خالتك نادية على الخط، وبتقول إنها لقت الصندوق الخشبي.
مدّلي الموبايل، وسمعت صوت ست هادي لكنه مليان تأثر
ألو إنتِ بنت مريم، صح؟
ردّيت بصوت مرتعش
أيوه، أنا بنتها. إنتِ خالتي نادية؟
سمعتها بتعيط، وبعدها قالت
يا بنتي، أنا مستنياكي من سنين. والصندوق اللي معايا فيه جواب من أمك، مكتوب فيه اسمك، لكن فيه شرط واحد قبل ما تقريه.
سألتها بقلق
شرط إيه؟
ردّت
لازم تيجي لوحدك الأول، لأن فيه حقيقة تخصني أنا وأمك، ومش عايزة حد يأثر على قرارك قبل ما تسمعيها مني.
بصّيت لأبويا، اللي كان واقف مشدود الأعصاب، وبعدين بصّيت لإيميلي.
وقتها أدركت إن الموضوع مش مجرد صور قديمة أو صندوق ضايع؛ دي حكاية عيلة كاملة، وأسرار فضلت مدفونة سنين.
لكن أنا ماكنتش مستعدة أروح لوحدي لمكان مجهول، ولا كنت عايزة أخلي بنتي تتعلم إن الأسرار لازم تتخبّى عن الناس اللي بنثق فيهم.
فقلت لخالتي
أنا مستعدة أسمعك، بس هاجي في مكان عام، وهبلغ بابا بمكاننا. مش هبدأ علاقتنا الجديدة بسرّ تاني.
سكتت شوية، وبعدها قالت بصوت متأثر
عندك حق يا بنت أختي أمك كانت هتفرح جدًا لو سمعتك بتقولي الكلام ده.
واتفقنا نتقابل تاني يوم.
لكن قبل ما نقفل المكالمة، خالتي قالت جملة واحدة خلتني أتجمّد
وفيه حاجة تانية لازم تعرفيها الصندوق مش فيه جواب واحد، فيه جوابين، والتاني مكتوب بخط إيد أبوكي، مش أمك!
بصّيت لأبويا بذهول.
هو نفسه اتفاجئ من كلامها، وبعدها قال بصوت واطي
إزاي؟ أنا عمري ما كتبت جواب وحطيته في الصندوق!
في اللحظة دي، فهمت إن فيه حد تالت كان عارف سر الصندوق، وإن الحكاية لسه في أولها
فضلت باصة لأبويا، مستنية يشرحلي إزاي خالتي نادية بتقول إن فيه جواب بخط إيده، وهو بيأكد إنه ماكتبش أي جواب.
أبويا قعد على الكرسي، وحط إيده على راسه، وقال
أنا مش فاهم حاجة يا بنتي بس فيه احتمال واحد لازم نتأكد منه.
سألته بسرعة
احتمال إيه يا بابا؟
بصّ ناحية صورة أمي القديمة، وقال
أمك كانت بتحتفظ بكل جواب أو ورقة مهمة في الصندوق ده. وقبل ما تتوفى بفترة قصيرة، طلبت مني أكتب لها رسالة، وقالتلي إنها هتحتفظ بيها لحد ما ييجي الوقت المناسب.
اتسعت عينيّ وأنا بسأله
وإنت ما سألتهاش ليه الرسالة دي مهمة؟
رد بحزن
سألتها، لكنها قالتلي لما بنتنا تكبر وتبقى مستعدة، هتفهم كل حاجة.
حسّيت إن رأسي هتنفجر من كتر الأسئلة.
إيه اللي كانت أمي بتحاول توصلهولي؟ وليه كل الناس اللي حواليّا عارفين أجزاء من الحكاية، وأنا الوحيدة اللي ماعرفش حاجة؟
تاني يوم، سبت إيميلي مع جوزي، واتصلت بخالتي نادية واتفقنا نتقابل في كافيه هادي في وسط البلد.
وصلت قبل ميعادنا بعشر دقايق، وفضلت أبص لكل واحدة تدخل المكان، لحد ما شفت ست كبيرة شوية، شعرها فيه خصلات بيضا، وماسكة شنطة جلد قديمة.
أول ما عينيها جت في عيني، وقفت مكانها.
قربت مني ببطء، وقالت بصوت مرتعش
إنتِ فعلًا شبه مريم نفس العيون، ونفس الابتسامة.
ماعرفتش أرد عليها.
كانت دي أول مرة أقابل أخت أمي، واللي اكتشفت وجودها من يومين بس.
قعدت قدامي، وطلعت من شنطتها صندوق خشبي صغير، محفور عليه نفس الوردة اللي شفتها في الصور القديمة.
حطّته على الترابيزة، وقالت
ده الصندوق اللي أمك كانت محتفظة فيه بذكريات طفولتك. أنا لقيته عند واحدة كانت بتحتفظ بأمانات أختي، بعد ما عرفت إنها توفّت.
بصّيت للصندوق، وسألتها
وإيه اللي جواه؟
فتحت القفل، وطلعت منه صورتين، ودفتر صغير، وظرفين مقفولين.
ناولَتني الظرف الأول، وكان مكتوب عليه بخط أمي
إلى ابنتي، لما تكبر وتبقى قادرة تفهم.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الرسالة.
بدأت أقرأ
بنتي الحبيبة، لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى فيه أسئلة كتير فضلت جواكي سنين. يمكن تكوني زعلانة إني ماحكتلكيش كل حاجة، لكن صدقيني، ماكانش قصدي أحرمك من الحقيقة. كنت مستنية الوقت المناسب، وكنت أتمنى أكون جنبك وأنا بحكيلك.
وقفت عن القراءة، ومسحت دموعي.
خالتي نادية حطت إيدها على إيدي وقالت
كمّلي يا حبيبتي، أمك كتبتلك الكلام ده علشان تقريه.
رجعت للرسالة، ولقيت أمي بتتكلم عن خلاف قديم بينها وبين أختها، خلاف بدأ بسبب قرار اتخذوه وهما صغيرين، وبعده كل واحدة راحت في طريق