رواية جديدة

لمحة نيوز

إن طعمه مسكر بشكل غريب، لكن مديتش الموضوع أهمية.
بعد حوالي عشر دقايق، بدأت أحس بنعاس تقيل، كأن جسمي مبقاش قادر يتحرك.
حبيبة نامت على حجري وهمست
صحييني لما النجوم تظهر يا ماما.
قلت لها
وعد.
آخر حاجة فاكرها بوضوح، إن أمي عدلت الغطاء فوقنا، وقربت مني وهمست
أنا آسفة يا حبيبتي.
افتكرت إنها بتواسيني على ۏفاة زياد.
وبعدين فقدت الوعي.
ولما صحيت، كانت عيلتي اختفت.
فضلت واقفة وسط المخيم الفاضي، أحاول أفهم اللي حصل.
آثار العربيات كانت واضحة على الأرض، وكل الخيام والأغراض اتشالت بعناية. حتى الغطاء اللي أمي كانت مغطّياني بيه اختفى.
ناديت على طارق، ثم على أمي وأبويا، لكن محدش رد.
حبيبة بصت حواليها وقالت ببراءة
يمكن راحوا يجيبوا فطار يا ماما.
رسمت ابتسامة مصطنعة.
ممكن يا حبيبتي.
لكن قلبي كان بيقول إننا في خطړ.
بدأنا نمشي على الطريق الحجري، وبعد مسافة طويلة وصلنا لجدول مية بيجري بين الجبال.
افتكرت كلام جدتي حليمة، اللي علمتني وأنا صغيرة إزاي أتصرف لو تهت في البرية. كانت بتقول لي ماجريش في أي اتجاه، وأركز في معالم الطريق، وأتبع مجرى المية بحذر لو كنت محتاجة أوصل لمنطقة أقل ارتفاعًا.
قررت نمشي بمحاذاة الجدول، على أمل يوصلنا لطريق رئيسي أو تجمع سكني.
في اليوم الأول، قسمنا أول لوح من الشوفان والعسل بيننا. اديت حبيبة معظم حصتي، ولما سألتني إذا كنت أكلت، كذبت عليها.
أكلت قبل ما تصحي.
مع حلول الليل، احتمينا تحت شجرة كبيرة، واستخدمت الولاعة عشان أعمل ڼار صغيرة وأدفّي هدومنا.
حبيبة اتكورت جنبي وسألتني
يا ماما، هو إحنا زعلنا حد من العيلة؟
حضنتها وقلت
لأ يا حبيبتي. إنتِ معملتيش أي حاجة غلط.
سكتت شوية، ثم سألت
وإنتِ؟
بصيت للظلام، ومقدرتش أديها إجابة.
في الصباح، بدأت أفكر في اللي سابوه لينا.
إزازتين مية، وتلات قطع أكل، وولاعة، وغطاء مطر، ولعبة طفلة.
الحاجات دي مش كفاية لرحلة طويلة في منطقة جبلية، خصوصًا مع طفلة صغيرة.
لكنها كفاية عشان حد يحاول يصور اللي حصل وكأننا اتساب لنا ما يساعدنا ننجو.
بدأت أفهم إن اللي حصل متخطط له بعناية.
حد أخد كل الحاجات اللي تخليه يخرج من الجبال بأمان، وساب لنا أقل قدر ممكن من المؤونة.
بطلت أستنى رجوع طارق.
بقى هدفي الوحيد إني أخرج حبيبة من المكان ده وهي عايشة.
في اليوم التالت، الجوع بدأ يوجعنا بجد. لقينا بعض ثمار البرية اللي عرفتها من طفولتي، وقعدنا جنب المية نرتاح.
عصير الثمار لوّن شفايف حبيبة، فضحكت وقالت
بابا كان هيقول إني بقيت مخلوق فضائي.
ضحكت رغم تعبي.
وكان هيصورك ويوري الصورة لكل أصحابه.
طبعًا!
لثواني، حسيت إننا رجعنا أم وبنتها في يوم عادي، وإن زياد لسه موجود معانا.
لكن المطر نزل بغزارة، واضطرينا نكمل طريقنا في البرد.
في اليوم الرابع، استخدمت غطاء المطر عشان أعمل مأوى بسيط بين الفروع. منع جزءًا من المية، لكنه مقدرش يحمينا بالكامل.
وفي المساء، حبيبة بدأت تكح.
في الصباح، كانت حرارتها مرتفعة.
شلتها على ضهري كل ما أقدر، ولما رجليّ يضعفوا، كنت أقعد أرتاح شوية، وبعدها أكمل.
بعد وقت طويل، لقينا كوخًا خشبيًا قديمًا ومهجورًا. سقفه كان متضررًا، لكنه وفر لنا حماية أفضل من المطر.
جمعت شوية حطب ناشف، وعملت نارًا صغيرة. وبعد ما غليت مية الجدول في علبة معدنية قديمة وسيبتها تبرد، اديت حبيبة تشرب.
همست بصوت ضعيف
يا ماما، أنا بردانة قوي.
حضنتها وقلت
عارفة يا حبيبتي. هنحاول ندفى ونرتاح.
سألتني
ينفع نكلم حد؟
بلعت ريقي بصعوبة.
لسه لأ، يا قلبي.
هزت راسها وغمضت عينيها.
الثقة اللي كانت بتحطها فيا كانت بتوجعني، لأني مكنتش متأكدة إني هقدر أنقذها.
في اليوم السادس، حالتها ساءت. نفسها بقى سريع، وبدأت تنام لساعات طويلة.
قعدت جنبها أراقبها، وأسمع المطر وهو بيخبط على سقف الكوخ.
كانت أحيانًا تتمتم

باسم أبوها، ومرة نادت على عمها طارق.
الاسم وجعني.
طارق كان بيشيلها وهي صغيرة، ويخرج معاها، ويلعب معاها، ويعمل لها حيل بسيطة كانت بتضحكها.
حبيبة كانت فاكرة عمها شخصًا حنونًا، ومش قادرة تفهم ليه سابها للمصير ده.
فتحت عينيها وهمست
ماما؟
أنا هنا.
تفتكري بابا عارف إحنا فين؟
مسكت إيدها وبستها.
لو كان يقدر يعرف، أنا متأكدة إنه كان هيحاول يوصل لنا.
بصت ناحية الباب وقالت
قوليله إني زعلانة منه.
حاولت أبتسم.
حاضر.
وقوليله إنه مكنش المفروض يسيبنا ويمشي.
هنا مقدرتش أتماسك.
من يوم ۏفاة زياد، كنت بحاول أبقى قوية قدامها، لكن في اللحظة دي عيطت باڼهيار.
قلت لها وسط دموعي
أنا كمان زعلانة منه يا حبيبتي. زعلانة إنه تعب وماټ وسابنا، وزعلانة إننا مقدرناش ننقذه. وحتى زعلانة إنه كان دايمًا بيسيب جزمته في نص البيت.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وشها.
كان بيقول إن الأرض مخزن مؤقت.
ضحكت وأنا بمسح دموعي.
وكان غلطان.
قالت
احكيلي حاجة تانية كان بيعملها وتضايقك.
فضلت أحكيلها عن غنائه الۏحش، وأكله اللي كان بيحرقه، وأكواب القهوة القديمة اللي كان رافض يرميها.
فضلت تسمعني لحد ما نامت.
وفي الصباح، حرارتها نزلت شوية. فتحت عينيها وبصتلي وقالت
يا ماما، شكلك تعبان جدًا.
ضحكت.
وإنتِ كمان شكلك محتاجة حمام ونوم أسبوع.
ابتسمت وقالت
كويس. يعني إحنا الاتنين محتاجين نرتاح.
قضينا معظم اليوم السابع في الكوخ.
وفي العصر، سألتني
هو ليه عيلتنا عملت فينا كده؟
المرة دي، مقدرتش أكذب عليها.
قلت
مش عارفة كل الأسباب، لكن أعتقد إن فيه حد كان عايز الناس تفتكر إننا اختفينا بمزاجنا.
ليه؟
عشان يخبي حاجة. ولازم نعرف هي إيه.
سكتت لحظة، ثم سألت
تيتا كانت عارفة؟
افتكرت اعتذار أمي عند الڼار.
مش متأكدة يا حبيبة.
في المساء، ضړبت عاصفة قوية الجبال، واهتزت الأشجار مع الرعد. اضطرينا نبعد عن مجرى المية ونحتمي تحت جذور شجرة ضخمة سقطت على الأرض.
حبيبة قربت مني وقالت
احكيلي عن بابا.
حكيت لها عن أول ماكينة قهوة اشتريناها، وعن المحل الصغير اللي بدأنا منه، وعن الأيام اللي كنا بنقعد فيها لحد الفجر عشان نصلح أعطال المكان.
حكيت لها عن الزبائن اللي وثقوا فينا قبل ما نثق إحنا في نفسنا، وعن حلمنا إن الشركة تكبر وتبقى مصدر رزق لعائلات كتير.
فضلت أحكي لحد ما العاصفة هديت.
وفي الصباح، لمحت دخانًا طالعًا من مرتفع بعيد. معرفتش إذا كان حريقًا صغيرًا أو أثر نشاط بشړي، لكن قررت أتحرك في اتجاهه بحذر.
مكنتش عارفة إن كانت فيه أي فرصة حقيقية للنجاة، لكن الوقوف في مكاننا مبقاش اختيارًا.
في اليوم التاسع، وصلنا لطريق قديم كان واضح إن عربيات نقل الأخشاب كانت بتمر منه زمان.
حبيبة كانت بالكاد قادرة تمشي.
وفي ظهر اليوم العاشر، وقفت فجأة وقالت
يا ماما، رجلي مبقتش شيلاني.
قعدت على الأرض، فنزلت لمستواها.
في اللحظة دي، لمحت برج مراقبة قديمًا فوق مرتفع قريب.
مكنتش أعرف إذا كان مستخدمًا أو مهجورًا، لكن يمكن يكون فيه جهاز اتصال أو أي وسيلة أطلب بيها المساعدة.
قلت لحبيبة
تعالي اركبي على ضهري.
اعترضت
إنتِ تعبانة يا ماما.
عارفة.
بصت في عيني وقالت
تقدري تشيليني فعلًا؟
أخدت نفسًا عميقًا.
بتثقي فيا؟
لفت إيديها حوالين رقبتي.
طبعًا. دايمًا.
الكلمة دي عمرها ما هتفارقني.
شلتها وبدأت أطلع المرتفع، وكنت أقف كل شوية عشان أستريح. ولما وصلنا للبرج، ساعدتها تطلع السلم القديم.
من فوق، قدرنا نشوف الجبال ممتدة حوالينا، من غير بيوت أو عربيات أو أي علامة واضحة لوجود بشړ.
لكنني رفضت أستسلم.
جمعت فروعًا جافة في مكان مكشوف، وعملت إشارة دخان واضحة، وبدأنا نستنى.
بعد حوالي عشر دقايق، حبيبة رفعت راسها فجأة.
ماما، سامعة الصوت ده؟
في الأول افتكرته صوت الريح، لكن بعدها سمعت صوت مروحية بتقترب.
ظهرت طائرة إنقاذ بلونين واضحين فوق الوادي.
لوحت بجاكيتي بكل قوتي، وحبيبة رفعت شنطتها البنفسجية، وفضلنا نصرخ ونلوح بإيدينا.
الطائرة عدّت من

تم نسخ الرابط