رواية جديدة
جوزي دفنني وأنا حامل في السابع في جنينة البيت وقال لي ببرود لما تتعلمي الطاعة هطلعك.. وأمه وأخته كانوا قاعدين فوق في البلكونة بيتفرجوا على عذابي من غير رحمة! بس تحت التراب، إيدي لقت التليفون اللي كنت مخبياه.. وساعتها سمعوا صوت مفاجأة خلت الډم يهرب من وشوشهم للأبد!
أول مرة جوزي قال لي إني محتاجة أتعلم الطاعة، كنت فاكراه بيلعب في عقلي أو بيهزر.
بس طلعت غلطانة..
وأنا في الأسبوع الحادي واللاتيني من الحمل، كريم وعيلته خدوني لجنينة بيتنا في التجمع الخامس، وډفنوني تحت التراب لحد كتفي!
لحد دلوقتي لسه سامعة ريحة التراب المبلل في مناخيري.
دي مكنتش كابوس.. ولا كنت بحرف أو دايخة زي ما كريم كان مخطط يقول للبوليس بعدين.
أمه عزة كانت واقفة في البلكونة حاطة إيدها في وسطها. وأخته مروة جابت كرسي جنينة وقعدت تتفرج عليا كأنها بتتفرج على فيلم في السينما.
وكريم كان ساند على السور بكل غرور
لما تبقي جاهزة وتعترفي إن إنتِ السبب في المشاكل دي كلها.. ابقي كلميني.
مردتش عليه.
من كذا ساعة بس، كنا مټخانقين في المطبخ. لقيت مسحوب مبالغ غريبة من حسابنا المشترك، ولما سألته اخدهم فين، دي كانت التهمة اللي تستاهل المۏت!
عزة دخلت وقالت إني بقالي شهور بقلل الأدب مع ابنها.
ومروة قالت إن الست الحامل ملهاش حق تتحكم في جوزها.
وكريم قرر يديني درس.
والمرعب فعلاً.. مش اللي عملوه.
المرعب إني اكتشفت إن التلاتة كانوا متفقين ومخططين لكل ده قبل الخناقة أصلًا!
طوال الشهور اللي فاتت، كريم كان بيقول لأصحابنا والجيران إني عندي انهيارات عصبية وتخيلات. لو عيطت في خناقة، يقول دي أزمة نفسية. لو عارضته في حاجة، يقول الحمل مأثر على مخي.
كنت حاسة إنه بيجهز أرضية عشان يلبسني تهمة الجنون.
وعشان كده.. كنت مجهزة خطتي.
من قبلها، كنت مظبطة موبايلي على ميزة الاتصال بالطوارئ من غير ما أفتح الشاشة، ولما بدأوا يشدوني للبراح والتراب، قدرت أدس الموبايل جوة كيس بلاستيك في جيب بنطلوني.
وأول ما نزلوني الحفرة اللي حفرينها.. سحبت الكيس جنب كتفي، على مسافة صوابع قليلة.
أول يوم، ركزت في حاجة واحدة بس أتنفس.
آخذ نفس.
أستنى.
أطلع النفس.
وأسمع.
ابننا اتحرك في الأول، وبعدين سكت خالص.
السكون اللي جوه بطني ده كان أقسى من أي إهانة أو ضړب.
مروة قعدت قدامي وقالت بضحكة مستفزة
ها.. اقتنعتي ولا لسه؟
بصيت قدامي وسكت.
ضحكت بصوت عالي
يا ماما، لسه فاكرة إنها هتكسب بالصمت والأكلان!
عزة ردت من فوق
سيبيها.. لما تجوع هتعقل لوحدها.
هما كانوا عايزين يشوفوني بتذلل وأبكي.
وأنا كنت عايزة كلامهم كله يتسجل.
بحركة بطيئة جداً تحت التراب، حركت صابعي لحد ما لمست الموبايل.
كنت مدربة نفسي على الحركة دي.
ضغطة واحدة.
الموبايل اهتز رزة خفيفة.
كان بيسجيل!
كل كلمة طلعت منهم اتسجلت..
عزة وهي بتسأل لو الجنين حاسس بعناد أمه.
مروة وهي بتتريق عليا.
وكريم وهو بيقول إن المرأة اللي بتطيع جوزها عمرها
ما بتحتاج درس زي ده.
بعد ساعات، دخلوا التلاتة البيت.
أنوار المطبخ نورت.
كنت شايفاهم من تحت التراب.
بيعملوا عشاء.. مروة شغلت أغاني.. عزة بتغسل المواعين.
وجوزي.. قاعد يتعشى بكل راحة واستمتاع على بعد عشرين متر بس من المكان اللي ډافن فيه مراته وابنه بالحياة!
معرفش عدى قد إيه وقت.. لحد ما كريم رجع طلع لي لوحده.
وطى فوقي وقال بصوت واطي
جاهزة تقولي إنك فهمتي غلط؟
رفعت عيني وبصيت له لأول مرة.
وشوفت في عينه حاجة خلتني أحس بالبرودة أكتر من رطوبة التراب.
كريم مكنش زعلان..
كان هادي.. هادي بزيادة.
زي الراجل اللي واثق مية في المية إن مفيش مخلوق في الدنيا هيقدر يحاسبه أو يوقفه.
نزلت عيني في الأرض.
هو افتكر سكوتي ده استسلام وخضوع.
بس تحت التراب.. صابعي كان لسه قافش في التليفون بقوة، وسمعت صوتهم كلهم من جديد.. والخطوة الجاية مكنتش في صالحه أبداً!
يا ترى إيه اللي هيحصل لما التسجيلات دي توصل للجهات المعنية؟ وهل هتلحق تطلع قبل فوات الأوان؟ انتظروا الجزء الأخير.. المفاجأة هتنسفهم للأبد!
الجزء الثاني النداء الذي أزعج صمتهم
ببطء شديد، وبيد ترتجف من البرد والرطوبة، ضغطت على الزر المبرمج مسبقاً. أرسلت الإشارة رسالة نصية قصيرة مع رابط الموقع الجغرافي الدقيق، مرفقة بالتسجيل الصوتي المستمر، وكلها وصلت لثلاثة أشخاص في نفس اللحظة محاميّ الخاص، وأختي التي تسكن في محافظة أخرى، ورقم الطوارئ الموحد.
لم أظهر شيئاً. لم أصرخ. لم أبكِ. فقط رفعت عيني لكريم وقلت بصوت هادئ بالكاد يسمعه
الله بيننا وبينك يا كريم. والحق هيعرف طريقه.
ضحك بسخرية وقام مبتعداً
حق؟ هنا أنا الحق والقانون. ارتاحي شوية.. بكرة الصبح ربما تكوني أكثر أدباً.
دخل البيت وأغلق الباب الحديدي خلفه. بقيت وحيدة، محاطة بالتراب من كل جهة، إلا مساحة صغيرة عند صدري وكتفي. تنفست بانتظام، أحسب أنفاسي، وأمس بيدي على بطني حيث كان طفلي يتحرك بضعف شديد.
مرت ساعات. فجأة، سمعت صوت صفارات الإنذار في المسافة البعيدة. اقترب الصوت تدريجياً، حتى توقف أمام بوابة الفيلا. رأيت كريم يخرج مسرعاً، يرتجف، ووجهه شاحب تماماً. سمعته يصيح
مفيش حد محتاج مساعدة غلطانين! البيت تمام!
لكن صوت الضابط كان حازماً
البلاغ واضح والموقع دقيق. افتح البوابة حالاً، وإلا سندخل بالقوة.
في تلك اللحظة، صړخت بأعلى صوتي، صوت اڼفجر بعد ساعات الصمت الطويلة
أنا هنا! جوة الحفرة! أنا هنا!
كلماتي اخترقت طبقة التراب الخفيفة التي فوق صدري. سمعتهم يجرون مسرعين، ثم صوت حفر سريع، وأخيراً.. انكشفت السماء فوق رأسي. رأيت وجهاً غريباً يمسك بيدي ويقول
تمام يا سيدتي.. أنتِ بأمان الآن. سوف