الحمامه حكايات زهرة حصري
عن إنك تعيش معاه لوحدك؟
بصلي باستغراب وقال أيوه يا ماما، بس أنا مكنتش فاهم هو يقصد إيه.
حسيت إن قلبي اتقبض.
كمل كلامه من كام يوم، بابا قال لي إنك ممكن تسافري عند خالتك فترة، وإنك لو سافرتي أنا هفضل معاه في الشقة. ولما سألته ليه، قال لي إنك محتاجة ترتاحي وإنه هيهتم بيا.
عيني دمعت، وسألته وإنت قلت له إيه؟
رد من غير تردد قلت له أنا مش هسيبك يا ماما. أنا عايزك إنتِ وبابا مع بعض.
لكنه بعد عني ومسح دموعي بإيده الصغيرة وقال هو إنتِ هتسيبيني بجد؟
هنا مقدرتش أخبي عنه أكتر من كده.
طلعت الورق اللي كنت صورت منه صور بالموبايل، ووريته له الجزء اللي فيه كلام أبوه عن الشقة وعن إنه عايزني أمشي.
مكنتش عايزة أجرحه، لكن كان لازم يعرف إن اللي بيحصل مش مجرد خلاف بين أب وأم.
نور فضل ساكت فترة طويلة، وكل ما يقرا سطر وشه يتغير أكتر.
وبعدين رفع عينيه ليا وقال يعني بابا عايزك تمشي عشان يتجوز واحدة تانية؟
هزيت راسي وأنا مش قادرة أتكلم.
سألني بصوت مكسور وهو كان عايزني أفضل معاه عشان ياخد الشقة كمان؟
قلت له أنا مش عايزة أخليك تكره أبوك يا حبيبي، لكن مش هكدب عليك. أنا نفسي أفهم ليه عمل كده.
نور قام من مكانه، وراح جاب شنطته، وطلع منها موبايل قديم كان باباه جايبهوله عشان يتواصل معاه لو احتاج حاجة.
قال لي يا ماما، أنا فاكر إن بابا مرة كان بيتكلم في التليفون، وأنا دخلت عليه فجأة. أول ما شافني قفل المكالمة، وقال لي إنه بيتكلم مع حد من الشغل.
فتح الموبايل ووراني تسجيل صوتي كان عامله بالغلط، وفيه جزء من مكالمة بين أبوه وشخص تاني.
ضغط على التسجيل.
وسمعنا صوت جوزي بيقول بوضوح أنا هخليها تمشي من نفسها. هي متعلقة بالولد، ودي نقطة ضعفها. أول ما تخاف عليه وتصدق إن وجودها معاه ممكن يضره، هتسيب الشقة وتجري. المهم نور يفضل معايا، وأنا مش هفرط فيه.
وبعدين سمعنا صوت ست بتسأله وهي هتصدق الكلام ده إزاي؟
رد جوزي سيبي الموضوع عليا. أنا اللي هرتب كل حاجة.
التسجيل انتهى، وأنا حطيت إيدي على قلبي.
بصيت لنور، لقيته بيعيط في صمت.
قال لي أنا كنت فاكر إن بابا بيحبك زي ما بيحبني.
وقلت له هو أبوك يا نور، ومهما حصل مش هقدر أمنعك تحبه. لكن اللي عمله غلط، ومش معنى إنه أبوك إنك لازم تقبل إنه يوجعنا.
في اللحظة دي سمعنا صوت باب الشقة بيتفتح.
جوزي دخل، وأول ما شافنا قاعدين مع بعض والموبايل في إيد نور، وقف مكانه.
قال بعصبية إيه اللي بيحصل هنا؟
نور قام وقف قدامي، وبص لأبوه بعينين مليانين دموع وڠضب.
قال له إنت كنت عايز تخلي ماما تمشي وتاخدني منها؟
جوزي اتلخبط، وبعدين بصلي وقال إنتِ حكيتي له إيه؟!
رد نور بصوت عالي ماما محكتليش حاجة! أنا سمعت صوتك بنفسي. إنت ليه كدبت عليا؟ وليه عايز تطرد ماما من بيتها؟
جوزي حاول يقرب منه، لكن نور رجع لورا وقال متقربش مني دلوقتي.
وش جوزي اتغير، وحاول يرجع السيطرة على الموقف.
قال يا ابني، إنت مش فاهم. دي مشاكل بيني وبين أمك، ومينفعش تتدخل فيها.
نور رد عليه لما تبقى عايز تاخدني من أمي وتخليها تمشي لوحدها، يبقى الموضوع يخصني. أنا مش شقة ولا حاجة تقدر تاخدها وتسيبها. أنا بني آدم، وماما هي اللي تعبت عشاني وفضلت جنبي طول عمري.
جوزي بصلي پغضب وقال إنتِ اللي حرضتيه عليا!
طلعت صور الأوراق من
موبايلي ووريتهاله.
قلت له أنا محرضتش ابنك على حاجة. إنت اللي كتبت كل ده بإيدك، وإنت اللي خططت تخليني أخاف وأمشي. حتى الحمامة اللي كانت بتيجي كل يوم بالرسائل، إنت اللي كنت بتبعتها.
سكت لحظة، وبعدين قال إنتِ عرفتي منين؟
السؤال ده كان اعتراف لوحده.
بصيت له پصدمة وقلت يعني فعلًا إنت؟!
حاول ينكر، لكن لما نور شغّل التسجيل قدامه، اتغير لونه، وقعد على طرف السرير وهو مش عارف يقول إيه.
قلت له إنت كنت بتكتبلي أسرار بسيطة عن نفسك، زي الفلوس اللي مخبيها، عشان تخليني أصدق إن اللي بيبعت الرسائل شخص غريب وبيساعدني. وكل ما كنت أثق في الرسائل أكتر، كنت بتقرب من إنك تنفذ خطتك.
فضل ساكت.
وبعدين قال أنا بحب نور، ومكنتش هقدر أعيش من غيره. وإنتِ كنتِ مستحيل تسيبيهولي.
رديت عليه وأنا بعيط وهو الحب يخليك تحرمني من أمه؟ هو عشان بتحب ابنك، يبقى من حقك تكسرني وتخوفني وتخليني أعيش في ړعب؟
قال أنا كنت عايزك تمشي بهدوء، من غير مشاكل.
ضحكت بمرارة وقلت من غير مشاكل؟ إنت كنت مستعد تدمر نفسيتي وتخليني أشك في كل حاجة حواليا، حتى علاقتي بابني! كنت عايزني أمشي وأسيب لك نور والشقة، وتبدأ حياتك الجديدة كأننا عمرنا ما كنا موجودين.
نور بص لأبوه وقال أنا مش عايز أعيش معاك دلوقتي. أنا عايز أقعد مع ماما.
جوزي قام بسرعة وقال إنت ابني، ومش هتقرر الكلام ده لوحدك!
رد نور وأنا مش هقبل إنك تخوف ماما أو تخليني أعيش معاها بعيد عنها. لو بتحبني بجد، كنت هتحافظ عليها عشاني.
الكلام ده كسرني وكسره هو كمان، لكن جوزي بدل ما يعتذر، رجع يزعق وېهدد إنه مش هيسيب الشقة.
وقتها قلت له الشقة دي مش هتتحول لساحة ټهديد. إنت اللي هتمشي دلوقتي، لحد ما نعرف حقوقنا
ونحل الموضوع بالطريقة القانونية.
رفض في البداية، لكني اتصلت بأخويا وطلبت منه ييجي، وقلت له إن عندي تسجيلات وأوراق تثبت اللي حصل. ولما جه أخويا وسمع التسجيل وشاف المستندات، وقف في صفي، وطلب من جوزي يخرج لحد ما الأمور تتحدد عن طريق الجهات المختصة.
جوزي فضل يزعق ويقول إن محدش يقدر يطرده، لكن أخويا أكد له إننا مش هنتنازل عن حقنا، وإن أي خلاف على الشقة أو حضانة نور لازم يتحل بالقانون، مش بالخداع والټهديد.
وفي الآخر، خرج من الشقة وهو شايل شنطة هدومه، بعد ما نور رفض يخرج معاه وأصر يقعد جنبي.
وقبل ما الباب يتقفل، بص لنور وقال إنت هتندم إنك اخترت أمك عليا.
نور رد عليه ودموعه على خده أنا مخترتش حد على حد يا بابا. إنت اللي خلتني أخاف منك. لما تصلح اللي عملته وتبطل كدب، يمكن أقدر أرجع أثق فيك.
الباب اتقفل، وأنا وقعت على الكنبة وفضلت أعيط. نور وقال خلاص يا ماما، أنا جنبك. مش هسيبك لوحدك.
عدت أيام صعبة، بدأت أتابع الإجراءات القانونية، واحتفظت بكل الرسائل والتسجيلات والأوراق، وماخدتش أي قرار يخص الشقة أو نور من غير ما أعرف حقوقي.
أما الحمامة، فبطلت تيجي.
وفي آخر مرة شفتها، كانت واقفة على سور البلكونة من غير أي ورقة في رقبتها. فضلت باصة لها لحد ما طارت واختفت.
ساعتها فهمت إن الحمامة مكنتش بتعرف الغيب، ولا كانت بتحل مشاكلي بمعجزة. كان جوزي هو اللي بيستخدمها عشان يزرع جوايا الخۏف، وكان بيحط معاها أحيانًا أسرار بسيطة عنه عشان أكمل تصديقه، لحد ما أوصل للحظة اللي ينفذ فيها خطته.
لكن خطته فشلت، لأن الحقيقة ظهرت قبل ما يقدر ياخد مني أغلى
حاجة في حياتي.
والأغرب إن الوسيلة اللي اختارها عشان يخليني أسيب ابني، هي نفسها اللي خلتني أكتشف خيانته لثقتي، وأعرف إن الإنسان ممكن يعيش سنين جنب شخص، ويكون فاكر إنه أمانه، وهو في الحقيقة بيخطط إزاي يهدم حياته.
أما نور، ففضل معايا، وبدأنا نرجع لحياتنا واحدة واحدة. عمره ما نسي اللي حصل، لكنه مع الوقت فهم إن حب الأب مش معناه إن كل تصرفاته صح، وإن من حقه يحط حدود تحميه وتحمي أمه.
وأنا؟ اتعلمت درس عمري ما هنساه الخۏف على اللي بنحبهم ممكن يخلينا نصدق حاجات مستحيلة، لكن لازم نواجه الحقيقة بالدليل والعقل، مش نستسلم لأي حد يحاول يتحكم فينا.
وأكتر حاجة وجعتني مش إنه كان عايز يتجوز واحدة تانية، ولا إنه كان عايز الشقة لنفسه.
اللي كسر قلبي بجد إنه كان عارف إن ابني هو نقطة ضعفي، فاختار يستخدم حبي له كسلاح ضدي.
لكن اللي منعه يكسب في النهاية، هو نفس الحب ده.
لأن نور، اللي قضيت عمري بحلم بيه، كان هو اللي وقف جنبي لما الدنيا كلها اتهدت فوق دماغي.
ومن يومها، كل ما أبص على البلكونة وأفتكر الحمامة، أفتكر إن مش كل رسالة بتوصل لنا هدفها تنقذنا، وإن أحيانًا الحقيقة بتكون مستخبية ورا أكتر حاجة كنا فاكرينها أمان.
الحمد لله اللي كشف لي الحقيقة قبل ما أخسر ابني، وقبل ما أخسر نفسي كمان.
تمت.